الملف السياسي: فى الوقت الذى كان الرئيس السودانى عمر البشير يحتفل فيه بفوزه بالانتخابات الرئاسية صدر تقرير عن منظمة (الفاو) يؤكد أن أكثر من ثلاثة ملايين سودانى يتعرضون لشبح المجاعة بسب الحرب الأهلية ، المستمرة فى السودان والجفاف الذى يهدد أراضيه.. وهو جرس انذار يوضح ماآلت اليه الأزمة السودانية ويطرح فى الوقت نفسه العديد من التساؤلات حول مستقبل هذه الأزمة وامكانية أن تشهد الفترة المقبلة تصعيدا سياسيا وعسكريا, وأن تتوالى عودة رموز المعارضة السودانية الى الداخل, وهل عودة هذه الرموز تمت وفق صفقات ثنائية أم ضمن مشروع حل سلمى سوف يشمل الجميع مستقبلا؟ وحول ما وصلت اليه المبادرات المشتركة التى طرحتها دول عربية واقليمية وخاصة المبادرة المصرية الليبية لتحقيق الوفاق فى السودان ومدى امتلاك الحكومة السودانية لرؤية أو استراتيجية للتعامل مع مشكلة الجنوب ومستقبل العلاقات السودانية الأمريكية, وكذلك مستقبل صراع البشير والترابى, والتدخلات الأجنبية ودورها فى حالة عدم الاستقرار الموجودة حاليا فى السودان.. (الملف) التقى د.محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.ود.محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية للإجابة على هذه التساؤلات. حرب أهلية مستمرة بداية يعتقد د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الفترة المقبلة من المنتظر أن تشهد تخبطا وتعقيدا غير مسبوق في تاريخ السودان فرغم التحسن الذي حصل على الصعيد الخارجي فالملاحظ أنه على الصعيد الداخلي هناك حالة من التعايش المتوتر بين كافة القوى السياسية ودون أن يتم حسم أي من التناقضات الكبرى, كما مازالت الحرب الأهلية في الجنوب دون نهاية واضحة حتى الآن, وهذا الوضع دون شك غير قابل للاستمرار بهذه الصورة ولابد من البحث عن وسيلة للخروج من هذا المأزق والذى يجب عليه أن يقوم بذلك هو الرئيس عمر البشير وبحيث لا يكتفي بالقول انه رئيس منتخب بشكل ديمقراطي وان الأوضاع جيدة في السودان وخاصة أنه لا يخفى على أحد أن مستوى الحضور في هذه الانتخابات كان ضئيلا للغاية وتردد أنه استغل سلطاته التنفيذية للفوز بهذه الإنتخابات ومن هنا لابد من البحث عن حل للمشكلات الكبيرى التي تواجه السودان مثل أخطار المجاعة (وتمديد) حالة الطوارئ والحرب الأهلية المستمرة. وفيما يتعلق برأيه في صراع البشير الترابي يقول د. محمد السيد سعيد: يبدو أن الصراع في طريقه للحل النهائي ربما من خلال انقلاب عسكري جديد يطيح بهذه الصيغة المتناقضة, وخاصة بعد أن تراجع احتمال عقد مؤتمر دستوري للوفاق تلك الفكرة التي كان يطرحها البشير في البداية ثم انقض عليها وهدمها بإقامة انتخابات عامة ورئاسية دون أي تحريك سياسي للأوضاع في السودان وذلك في إطار سعيه لتثبيت الأوضاع على ما هي عليه من تعايش بين التناقضات المختلفة وخاصة أن هناك تحسنا اقتصاديا يشهده السودان حاليا بسبب صادرات البترول وتطبيق شروط صندوق النقد, وهذا التحسن قد يدفع بإتجاه استمرار هذا التعايش وثبات الوضع لفترة من الزمن. مائدة كبيرة وحول مستقبل العلاقات السودانية الأمريكية يرى د. محمد السيد سعيد أن الجديد في هذه المسألة هو أن الولايات المتحدة الأمريكية من المنتظر خلال الفترة المقبلة أن تنحي الملف السوداني جانبا, فالسودان من وجهة النظر الأمريكية لم يعد له فائدة كبيرة بالنسبة للسياسة الدولية وخاصة بعد الانتهاء من مشكلة تصدير الارهاب التي اتهم بها السودان لفترة طويلة ودفع ثمنها من خلال الحصار بل ضرب احدى منشآته الطبية منذ سنوات قليلة, ولذلك فمن المتوقع ألا تهتم الإدارة الأمريكية الجديدة بالسودان في إطار سياساتها المتوقعة بالنسبة لافريقيا ككل والتي تقوم على ضرورة الحد من التدخلات الأمريكية في هذه القارة المليئة بالحروب الأهلية والمشكلات الطبيعية الرهيبة. وعن رأية في امكانية أن تقوم المبادرة المصرية الليبية بدور في تسوية الأزمة السودانية يوضح د. محمد السيد سعيد أن هذه المبادرة غالبا لن يكون لها نصيب كبير في حل الأزمة وخاصة في ظل استمرار الموقف المصري الذي يرفض إعطاء دور كاف للجيش الشعبي لتحرير السودان, لأنه بدون دور ملموس لهذه الجماعة لن يكون هناك حل أو تسوية للأزمة السودانية, فهذا الفصيل حارب لسنوات طويلة وتحسن وضعهم نسبيا نتيجة المصالحة بين قرنق ومشار ولذلك فهو لن يقبل بالدخول في أي تسوية أو حل للأزمة السودانية إلا بالحصول على مكاسب ترضيه. وبالنسبة لرأيه في عودة بعض رموز المعارضة السودانية إلى الخرطوم وهل جاءت ضمن مشروع حل سلمي للأزمة يقول د. محمد السيد سعيد: لاشك أن عودة المهدي إلى السودان لم تكن موفقة ويبدو أنه لم يدرس الأمر جيدا, فهو اختار توقيت رجوعه عقب الصدام بين البشير والترابي ويبدو أنه اعتقد أنه يمكن أن يكون البديل للترابي, وأنه قادر على إنقاذ هذه الصيغة المهترئة التي يعاني منها النظام السوداني, ولكن فاته أن صيغة البشير المهدى مختلفة لأنها تحتاج إلى صياغة دستورية جديدة وهذا الأمر لا يلقى أي قبول من البشير الذي يريد تثبيت الأوضاع على ما هي عليه ومن هنا وجد المهدي نفسه مقيدا لا يستطيع القيام بدور فاعل في الداخل السوداني. وعموما فإن عودة بعض قيادات المعارضة إلى السودان لا تشير حتى الآن إلى أي وفاق لأن ميزان القوى لم يتغير لصالح المعارضة رغم الضعف الواضح في السلطة. ضمانات كافية ومن ناحيته يرى د. محمد سعد أبو عامود أستاذ العلوم السياسية أن جميع القوى السياسية في السودان تشعر الآن وأكثر من أي وقت مضى أنها لم تعد في مأمن وخاصة في ظل التطورات الكثيرة على الصعيد الاقليمي والخارجي وهو ما بات يهدد مصالحها, بل ووجودها, فهذه القوى التي دخلت في دوامة صراع إمتد لفترة طويلة أنهك قواها تعرف الآن أن الاعتماد على بعض دول الجوار للقيام بنشاط مناوئ للحكومة السودانية الحالية لم يعد مقبولا ولا مضمونا, فأي تحسن في العلاقات بين السودان وأي من هذه الدول من شأنه أن يهدد وجود هذه القوى السياسية المعارضة للنظام السوداني فلم تعد هناك ضمانات كافية لها, ومن هنا فالواضح الآن ومن خلال ما يمكن ملاحظته في كتابات رموز المعارضة السودانية أن هذه القوى السياسية أصبحت ترى بإمكانية حل الأزمة السودانية من خلال فتح خطوط الاتصال والتنسيق مع النظام السوداني الحالي وخاصة أنه قد ثبت وبما لا يدع مجالا للشك فشل سياسة الاعتماد على أطراف أخرى لتهديد النظام الحاكم وإسقاطه, ولذلك عاد الصادق المهدي والنميري ومن المؤكد أن الأخرين يفكرون في نفس الاتجاه. ويعتقد د. محمد سعد أبو عامود أنه فيما يتعلق بصراع البشير والترابي فإن الأمر يحتاج إلى نوع من أنواع ضبط النفس والعقلانية والموضوعية وخاصة من جانب الدكتور حسن الترابي, حيث أنه يجب عليه أن يعيد ترتيب الموقف وفقا للظروف الحالية ولابد أن يضع في اعتباره حجم المخاطر التي تهدد الدولية السودانية, فالمطلوب الآن هو تراجع العقائدية الايديولوجية للحفاظ على أمن الدولة السودانية, ومما لاشك فيه أن الترابي لديه من الخبرة والفكر وحسن الادراك ما يجعله يدير الأزمة مع البشير بصورة عقلانية وبما يحافظ على سلامة وأمن السودان. ضربة غير مبررة وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات السودانية الأمريكية يقول د. أبو عامود أن الولايات المتحدة لم تول في أي وقت مضى أي اهتمام بالسودان, سوى اهتمامها فقط بتوقيع العقوبات والعمل على فرض الحصار عليه وتوجيه ضربه غير مبررة لمصنع الشفاء للأدوية وتحت دعاوى باطلة, قد يكون حدث اهتمام في الفترة الأخيرة خاصة في ظل الهلع الغربي من النشاط الاصولي ولكن هذا لا يدل على اهتمام أمريكي كبير بالسودان أو بضرورة اقامة علاقات قوية معه, فالولايات المتحدة كانت تركز بالنسبة لمصالحها في هذه المنطقة على ضرورة وجود علاقات قوية واستراتيجية مع مصر, وعلي الرغم من ذلك فمن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة بعض التحسن في العلاقات السودانية الأمريكية وبحيث يزداد الاهتمام الأمريكي بالسودان نظرا لوجود بعض الاكتشافات البترولية هناك ولا يخفى على أحد مدى تأثير لوبي اصحاب شركات البترول الأمريكية, ومن هنا ماذا استقر الأمر في السودان وتم تسوية الصراع الدائر حاليا فمن المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تسعى إلى تحسين علاقاتها مع السودان لأن المصالح هي التي ستحدد المواقف في هذه الحالة. وبالنسبة لامتلاك الحكومة السودانية لرؤية استراتيجية لحل مشكلة الجنوب يشير د. أبو عامود إلى أن جون قرنق زعيم الجبهة الشعبية لتحرير السودان يعتمد في سياسته على علاقته بدول الجوار وقد استفاد كثيرا من سوء العلاقات بين السودان وبعض دول الجوار مثل اوغندا وأرتيريا في فترات كثيرة, ولكن الآن وفي ظل وجود تحسن في العلاقات السودانية مع هذه الدول وخاصة بعد أدركت هذه الدول أنها تعاني من نفس المشكلات التي يعاني منها السودان فهناك قوى معارضة لها تتخذ من دول الجوار الأخرى مقرا لشن الهجمات وتنظيم الصفوف من أجل الاطاحة بحكوماتها ولذلك سعي الجميع في هذه المنطقة إلى تحسين العلاقات بينهم طالما أن المشكلات واحدة, قرنق يدرك ذلك جيدا ولكن تظل الإشكالية التي تحول دون التوصل إلى تسوية للمشكلات بينه وبين النظام السوداني تتمثل في إنحياز بعض القوي الأجنبية لاعتبارات دينية, فهذه القوى تحرص على تقديم الدعم والمساندة لقرنق على أساس أنه يدافع عن الوجود المسيحي في الجنوب وكذلك عن حقوق الإنسان هناك, ورغم زيف هذه الحجج والدعاوى فالمطلوب من النظام السوداني خلال الفترة المقبلة طرح خطاب جديد على المستوى العالمي يبين حقيقة الموقف وأنه لا يسعى لفرض الإسلام بالقوة على الشعب السوداني في الجنوب,وأن هناك حرية دينية وطبقا لنصوص الدستور السوداني, وعموما فموقف قرنق يتغير طبقا للمعادلات الإقليمية ومدى تقديم المساعدات له لكي يستطيع القيام بدوره ويستمر في عملياته العسكرية, وطالما أن هذه المساعدات والموارد قد نضبت خلال الفترة الأخيرة, فهنا يمكن فتح حوار معه للوصول إلى حل للمشكلة الجنوبية المزمنة. ميراث تاريخي كبير وعن المبادرة المصرية الليبية كمحاولة لتسوية الأزمة السودانية ومدي ما حققته من نجاحات في هذا الشأن يرى د. أبو عامود أن هذه المبادرة تواجه بعقبات نتيجة لوجود بعض الضغوط الخارجية للحد من فاعليتها, وهذه الضغوط في مجملها هدفها التأثير على الدور المصري في السودان, وهو الدور الذي يمتد لسنوات طويلة وهناك ميراث تاريخي كبير بين البلدين, ولأنه دور واضح مهم لذلك هناك بعض القوى الخارجية من مصلحتها التقليل منه, ولكن على الرغم من ذلك فالواضح خلال الفترة الأخيرة أن هناك تحركات دبلوماسية مصرية نشطة باتجاه تحريك الموقف في السودان وآخرها قيام وزير الخارجية المصري عمرو موسى بزيارة للسودان من أجل التباحث مع الأشقاء هناك حول كيفية الخروج من المأزق السوداني, وخاصة أن أي تقدم في العلاقات المصرية السودانية من شأنه أن ينعكس على فعالية المبادرة المصرية الليبية حيث سيشجع هذا التحسن القوى المؤيدة للدور المصري على المضي في دعم المبادرة. وأخيرا يرى د. أبو عامود أن المشكلة السودانية لا تكمن في عودة بعض رموز المعارضة إلى الداخل على أساس أن ذلك سيحل المشكلة, ولكنها تتعلق بالنخبة السياسية السودانية التي يجب عليها أن تعيد بناء مؤسسات المجتمع المدني وبما يتواءم مع المستجدات الجديدة, فليس معقولا أن تظل هذه القوى على حالها وسياستها القديمة في حين أن المجتمع قد شهد تغيرات كثيرة, المطلوب الآن أن تراجع الأحزاب السودانية دورها وخاصة تلك الأحزاب التقليدية التي ترتبط بالقيادات الدينية من أجل اعادة تشكيل نفسها لاستيعاب التطورات الأخيرة.