الملف السياسي: العبارات الكثيفة التي اعلى بها ـ علي عثمان محمد طه ــ من شأن الجهاز التنفيذي بدت وكأنها صادرة على اثر قراءة طازجة لأحد كتب ماكس فيبر في شأن البيروقراطية كظاهرة من اضخم الظواهر، التي شهدها تاريخ المجتمع الانساني. كان فيبر, وهو ليبرالي كبير قضى عمره كله في محاولة لطمس فكر ماركس, قد شيد مجمل اطروحاته في ظل تلك الحقيقة ــ البدهية التي ادعى اكتشافها, وهي حقيقة ان الانسان سيظل محكوما الى آخر اشواط التاريخ بأثر الهيمنة البيروقراطية وتلك الحقيقة نفسها ــ البدهية تبناها صمويل هنتنجتون في كتاباته عن العسكرتاريا وحكم البلدان النامية, حيث جعل من قوة الجهاز البيروقراطي وفعاليته, اساس الاستقرار والتقدم في تلك البلدان. وها هو نائب الرئيس السوداني يكرر الاطروحة ذاتها في لقاء مطول حشدت له اجهزة الاعلام بكاملها بغرض توصيل المعلومة لكل من قد يهمه الامر من الاتباع او الخصوم. الوزير غير السياسي لكن ما كان يدفع بنائب الرئيس السوداني لاعادة تأكيد تلك البدهية, هي تلك التوقعات التي يحملها الناس لما سيصدر عنه في الايام المقبلة من تشكيل جديد لأركان ورؤوس الجهاز التنفيذي, صحيح ان علي عثمان ليس هو الرجل الاول في الدولة لا رسميا ولا عمليا ووجوده في منصبه رهين بقبول الفريق البشير بتصرفاته السياسية, ولكن ذلك لا ينفي عنه صفة النفاذ البالغ, الذي يسمح برؤية اثره وبصماته وروحه ومزاجه السياسي في كل القرارات العليا للحكومة السودانية, وبالتأكيد فإن اثره سيكون واضحا في التشكيل الوزاري المقبل, والذي يفترض ان يعكس عقلية وفاق سياسي ظل يتقدم باطراد نحو تلك الغاية منذ اكثر من عام. حرص نائب الرئيس السوداني على ان يؤكد لمؤيديه وخصومه على السواء ان التشكيل الوزاري المقبل قبل ان يعكس عقلية التوافق والوئام السياسي, يجب ان يعكس نموذج قدرة وفعالية السلطة. فهذا هو المطلوب بالدرجة الاولى والذي ينبغي ان تتأسس عليه كل خطوات التصالح والتقارب والتوافق والتلاقي السياسي بين الاحزاب والتجمعات المختلفة. وفي نقد مبطن لعقلية البطل او الزعيم, ذكر انه لن يعتمد على معيار الوزير (السوبرمان) في التشكيل الوزاري القادم, وفي هذا الاطار افترض نائب الرئيس السوداني ان الاحزاب كانت تعتمد على معيار الوزير السوبرمان في تشكيلاتها الوزارية المختلفة, وهو افتراض غير صحيح, لأن نموذج الوزير السوبرمان لم يتكرر الا قليلا جدا في تاريخ السودان ضد الاستقلال, فشخصيات قليلة في عداد الوزراء هي التي يشير اليها السودانيون بأيدي الاعجاب, والغريب انها على قلتها قد اختفت من الوسط السياسي على اثر اقصائها عن مقاعد مجلس الوزراء! الفتوق.. والرتوق ان ذلك الافتراض غير مؤسس جيدا, ومع ذلك عمل نائب الرئيس السوداني على ان يحطمه في انظار المراقبين, قائلا ان وزارته القادمة ستعتمد على معيار الاداء التنفيذي للوزير مع معادلة ذلك ــ ما امكن ــ بقدراته السياسية ومواهبه في التخاطب مع الشعب, ولكنه عاد سريعا ليقلل حتى من قيمة تلك القدرات السياسية المرجوة للوزير قائلا ان هذا الوزير ان وجدناه في المؤتمر الوطني ــ اي حزب الحكومة او من خلال كتل المستقلين, او من القوى السياسية التي ساهمت في تأييد الفريق البشير في الانتخابات او حتى تلك التي قاطعت الانتخابات اذا اثمر معها الحوار نقاط اتفاق معينة, فإن هذا الوزير سيجد طريقة للتشكيل القادم وسيظل الطرق على هذا الباب مستمرا لمحاولة تجويد ورفع الكفاءة. اذن فإن نظرة نائب الرئيس هي بالكاد نظرة سياسية او حزبية لموضوع التشكيل الوزاري القادم. انه يحرص على تمزيق اهاب الشعارات السياسية وعلى ابعاد الشخصيات ذات البريق عن مجلس الوزراء القادم, ويعمل على الاثبات بشخصيات تحت السيطرة, او بلغة ادق شخصيات تكنوقراطية ذات استقلالية او ذات انتماء سياسي مخفف يدور حول المشترك بين الاحزاب مما يسميه الصادق المهدي بالاجندة الوطنية ويسميه الرئيس السوداني بالثوابت الوطنية وتتناثر حوله تسميات هلامية كثيرة كنداء الوطن, ونداء الايمانيين وغير ذلك, وهي تسميات ووصفات تبذل لرتق الشقوق بين الفرق المتناحرة, وتستغرق جهدا فكريا كبيرا من الصادق المهدي ونائب الرئيس السوداني على السواء, ولكنها تقابل بفتوق اكبر منها بسببها باصرار وعناد حزب المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي حيث لا يقبل هو ولا اركان حزبه بأي جهد يبذل لتجريدهم من شعاراتهم الايديولوجية, ولا تجريد الازمة من عمقها السياسي. في تقدير فريق الترابي فإن العامل الايديولوجي هو العامل الاول وراء صراعهم مع البشير, حيث رددوا كثيرا ان نظام الانقاذ قد انتكس عن شعاراته الاسلامية, الاولى وانه قد استجاب لمجمل الضغوط الدولية على المشروع الاسلامي, ولذا لم يتبق لهم سوى ان يقاموه بالقوة, ويردوه بضغوط مضادة الى جادة الطريق او يريحوه نهائيا من السلطة, فلا توجد عندهم انصاف حلول على الاطلاق وقد وصلت حدة التعبير بالشيخ ابراهيم السنوسي مسئول العلاقات الخارجية بحزب الترابي , الى ان زعم ان البشير قد قام في رمضان قبل الماضي بالغاء كل المشروع الاسلامي في السودان, وهو تصريح بعيد عن الاتزان وبالغ الخطورة لانه قد يتيح لبعض الغلاة ان يفسروه على انه ردة كاملة عن الاسلام تستوجب اعلان الجهاد, الامر الذي قد يصل بالبلاد الى اقتتال وفتنة عظمى يصعب كبح جماحها على الجميع. يعتقد قادة حزب الترابي انهم هم الآباء التأسيسيون للنظام وانهم الجناح المدني الاصيل الذي نهض بالذراع العسكري للحركة الاسلامية وهو الذراع الذي انشىء في الثمانينيات لاغراض تنفيذية وليست سياسية وفي تحليل قادة حزب الترابي فإن انقلاب البشير عليهم في رمضان قبل الماضي قد جاء بسبب توجهات الترابي نحو اعادة التعددية والبرلمان والديمقراطية وهو الامر الذي ادى الى تحفظات العسكر ومن هم على شاكلتهم, والمقصود هنا بالتأكيد هو علي عثمان محمد طه, مشايع العسكر, او عقلهم المدبر حسب ما يرى البعض في هذا الفريق او ذاك. ويظن اتباع الترابي ان شروع البرلمان السابق في محاسبة بعض الوزراء اوغر صدورهم على رئيسه حسن الترابي, ودفع بهم للتحالف ضده في صف البشير الذي كان بدوره يترقب بقلق محاولات البرلمان لتمرير تعديلات دستورية تطيح بكثير من اختصاصاته في قيادة الجهاز التنفيذي. المشاعر العنصرية وسواء صحت تحليلات فريق الترابي ام لا, فمن الواضح ان طابعها العام طابع سياسي صراعي فاقع. وهم يزيدون على تلك الخلفيات الصراعية جديدا كل يوم, من دعوة غير مبررة للجهاد الديني, او ترويج المشاعر العنصرية الاقليمية تهدد بمزيد من التمزيق لجغرافية السودان وتسيجه الاجتماعي العام, فها هو الترابي نفسه يبرر اصدار حزبه لكتاب غريب سموه بـ (الكتاب الاسود) انتهج اسلوب التزوير الاحصائي ليقنع قسما واسعا من ابناء السودان يمثل 32% من نسبة السكان انهم مضطهدون ومستغلون, بواسطة ابناء اقليم آخر لا يمثلون اكثر من 6% من تعداد السكان.. واستخدام الاحصاء لأغراض التزوير والتضليل اسلوب معروف, يمكن ان يرى الناس نصف الكوب الفارغ دون الملآن او العكس, حسبما يريد من يستخدم ذلك الاسلوب المعيب, وقبل اي تحليل لأسلوب الكتاب او مادته يمكن ان يسأل المراقب السياسي عن سبب اصداره في هذا الوقت بالذات فتأتي الاجابة بأنه قد صدر في سياق الصراع السياسي, واستغلال التناقضات وظروف التخلف لاجل تكثيف الطابع السياسي للازمة السودانية, بل وتعميق ذلك الطابع بمشاكل اثنية واقليمية ينبغي ان تحل بمصداقية, وجهود متأنية لا بالتحريض ولا بالعنف, فليس السودان بحاجة الى ثورة, ولا انتفاضة ولا فوضى من اي نوع ولا حركات انفصالية, فقد جرب ذلك كله مرارا وتكرارا ولم يحصد منه سوى الهشيم, فهل سيكف حزب الترابي عن افتعال تلك الفتنة, ام سيمضي فيها قدما؟! من قراءة افكار الترابي يبدو انه يهوى التصعيد الآن, فهو يظن أن تلك هي الوسيلة المثلى لهز النظام واضعافه حتى يقبل به من جديد في السلطة ومن قراءة افكار البشير يبدو واضحا انه يستهين كل ما يصدر عن شيخه السابق ويباعد بنفسه يوما بعد يوم عن خط الشيخ ومن قراءة افكار الصادق المهدي يبدو انه الاكثر حذرا, والاشد احساسا بخطر ممارسات الترابي, ولذلك فهو يعمل على التهدئة واسترضاء الترابي, ويعرض وساطته لاصلاح ذات بين الاسلاميين. وأما علي عثمان محمد طه فيبدو انه قد يتجاوز كل ذلك بسعيه لتبديد ظلال الايديولوجيا والسياسة عن الازمة, وبدعوته لحكومة تكنوقراط تجعل همها محصور في تعزيز الانتاج النفطي وتحقيق الامان الاجتماعي كما قال فهل ينجح في ذلك ام سيظل السودان يتردى في التنطع الايديولوجي والمزايدات السياسية هذا ما ستكشف عنه الاسابيع المقبلة.