الملف السياسي: يبدو السودان من بعيد وكأنه على شفير استحقاقات مهمة ومصيرية يتوقع ان تكون اكثر ضبابية من اي مراحل سابقة.. بعد ان استقبل الشارع السوداني بمختلف ألوان طيفه السياسي والحزبي وكل طوائفه ، واعراقه العام الجديد بمزيد من التفاؤل وبكثير من التشاؤم بامكانية حدوث انفراجة سريعة وقريبة تخرج العباد والبلاد من دوامة الصراع السياسي والوضع المأزوم في الشمال والجرح الناجم عن الحرب المستعرة في الجنوب الى رحاب الوفاق الوطني الكامل والسلام الشامل والوحدة القوية والديمقراطية الحقيقية. بالتعاقب الزمني فإن علامة الاستفهام القديمة: المصالحة الوطنية الشاملة متى؟ ومن يحققها.. وكيف؟) لا تزال متأرجحة بلا اجابة شافية وقاطعة, وإن كثرت الاجتماعات وارتفع صخب الحديث داخل البيت السوداني وان تعددت المبادرات الافريقية والعربية التي تتمحور حول موضوع (المصالحة). وعلى الرغم من اللقاءات وجولات المفاوضات المكوكية بين حكومة الخرطوم والمعارضة الممثلة بالتجمع الديمقراطي الذي يضم احزاب الشمال وحركة قرنق المسلحة في الجنوب وهي ــ اي المباحثات ــ التي شهدتها أسمرا ونيروبي وروما وفرانكفورد وجنيف وجوهانسبرج فقد ظلت المواقف حول تطبيق ما تضمنته مبادرتي (الايجاد) والمصرية ــ الليبية واخيرا المبادرة الاريترية لحل الازمة السودانية لا تفضي الا الى قبض الريح!! وهكذا بعد كل انتكاسة جديدة لهذه المبادرة او تلك يعود الحديث بكثافة عن جهود جديدة ترمي الى ردم الفجوة بين الفرقاء وصولا لعقد المؤتمر الوطني الشامل للمصالحة السودانية... وأحدث مساعي جاءت من الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة خلال زيارته للخرطوم مطلع الشهر الحالي ثم زيارة وزير الخارجية المصري عمرو موسى الاسبوع الماضي حيث جرى التأكيد على ضرورة تفعيل المبادرة المصرية ــ الليبية التي تحظى بإجماع سوداني وافريقي وعربي. وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المبادرات الثلاث وموقف قرنق والادارة الامريكية حيالها يبقى السؤال الجدي والجوهري لاي وفاق مستقبلي مرهون بالمشهد السياسي الراهن في الساحة السودانية بعد انتخابات ديسمبر 2000 التي قاطعتها الاحزاب الكبيرة والفاعلة, وأفضت الى فوز الفريق البشير بولاية رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات وهيمنة الحزب الوطني الحاكم على اغلب مقاعد البرلمان! فمن الظواهر البارزة اليوم تزايد الحملات الاعلامية الآخذة في التصاعد بين حكومة البشير والمعارضة حيث يسود مناخ الفتور والجفاء, والتوتر يتجلى باتهام التجمع الوطني والدكتور حسن الترابي وحزبه المؤتمر الشعبي بالاضافة الى حزب الامة باتهام الفريق البشير بتكريس هيمنة حكم جبهة الانقاذ وفرض برنامجها وأهدافها ومحاصرة الهامش الديمقراطي والحريات السياسية. وفي هذا السياق رأت المعارضة خطاب البشير الذي ألقاه امام حشد من انصاره في الخرطوم يوم الثامن من يناير الحالي بمناسبة فوزه بالانتخابات الرئاسية بأنه يتضمن العديد من الرسائل غير السارة تلخص توجهات (الفريق) الغامضة حيال مجمل الاوضاع السياسية والاقتصادية والحل السياسي التفاوضي مع كافة القوى, ومن مجمل ما قاله البشير في ذاك الخطاب التمسك بالمبادىء الاسلامية لجهة الانقاذ خلال ولايته الجديدة.. وأعلن تمسكه في تنفيذ برنامج الجبهة.. كما وعد باكمال برنامج نظامه لتحقيق السلام وتحرير الاراضي التي يحتلها المتمردون في الجنوب والمصالحة والتنمية وبناء المجتمع طبقا لمبادىء الدين والشريعة الاسلامية. وزاد البشير داعيا معارضيه الى المصالحة بقوله: (ان الباب مفتوح امام كل سوداني للانضمام إلينا, لكن لا اتفاق الا على مبادىء جبهة الانقاذ مؤكدا في الوقت ذاته انه لن يتم حل مؤسسات الانقاذ لأن الشعب اختارها)!! وزاد الوضع سخونة وتوترا بتمديد العمل لقوانين الطوراىء الاستثنائية التي فوجىء بها الشارع السوداني ولم يكن يتوقعها ولم يتأخر رد المعارضة على هذا الموقف بل جاء الرد واضحا من الخرطوم على لسان الدكتور الترابي الذي توعد بشن حملة عنيفة على الحكومة وقال: (ان نظام البشير قد يواجه ثورة شعبية قريبا) واتهم حليفه السابق بتركيز السلطة بين يديه من خلال اجراء انتخابات احادية الجانب وتمديد حالة الطورىء لسنة جديدة بينما يصارع السودان الجفاف وحربا في الجنوب. وأضاف الترابي بلهجة تحذيرية: (ان السودان يواجه الآن مخاطر كبيرة, الا انه عاد ليستدرك كلامه بقوله (نحن نفضل الوسائل السلمية وسيسعى حزب المؤتمر الى التعاون مع كل القوى السياسية لممارسة ضغوط على الحكومة غير انه عاد ليضيف (ان العنف يمكن ان يندلع على اي حال)! و أيا كان الاتفاق او الاختلاف مع تصريحات الترابي التي قد ينظر اليها البعض على انها تأتي في اطار الصراع الشخصي بين (رأسين) بعد الطلاق الذي شهده السودانيون والعرب في رمضان قبل الماضي فإن ما جاء به الترابي يتفق وموقف المعارضة اذ رأى التجمع الوطني في خطاب البشير على انه بداية غير مشجعة ازاء المصالحة, فتدمير حالة الطوارىء والابقاء على سياسة الحزب الواحد وكل مؤسساته وخاصة قوات الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية والمجاهدون يعني من بين امور كثيرة عدم جدية الفريق التوصل الى اتفاق سياسي فضلا عن رفض القبول بالاخرين! بيد ان هذا الهاجس واللغط الدائر على اشده حول توجهات نظام البشير ما كان يمكن الا ان يثير سؤالا آخر عن الدافع الحقيقي الكامن وراء تمديد حالة الطوارىء.. اذ ان هذا الموضوع اتخذ ابعادا بالغة الاهمية فيما يتصل بالسودان وبمستقبل الديمقراطية التي ينشدها كل زول). وبات من المؤكد ان هناك اكثر من عامل دفع بالبشير الابقاء على حالة الطوراىء وفرض برنامج الانقاذ للخروج بالبلاد من الازمة السياسية والمشكلات الاقتصادية والحرب الاهلية في الجنوب ومن تلك الاسباب. الاول: ان النظام يحتاج في هذه المرحلة من تاريخه الذي يمتد 11 عاما الى تعزيز قبضته على مفاصل السلطة والسيطرة الكاملة على كافة المؤسسات الدستورية.. وازالة اي اثار او اصابع تنتمي للترابي هذا من جهة ومن جهة اخرى اخفاء الشرعية الانتخابية لنظام الفريق بدون حليفه (الدكتور) تمكنه من فرض شروطه لاتمام اي مصالحة.. واشهار (ورقة الطوراىء) لمواجهة اي تحالف محتمل قد يقام بين الترابي والمهدي في اي لحظة تفرضه اللعبة السياسية على الطريقة السودانية طبعا. الثاني: ان انتخابات ديسمبر 2000 افرزت نقطة خلافية جديدة بين نظام البشير والمعارضة باضلاعها الثلاثة (التجمع والامة والمؤتمر).. وهذه الاحزاب مجتمعة ومنفردة تشكك بالانتخابات وتعتبرها لعبة خطرة اراد بها (الفريق) الهروب من دفع فاتورة السلام والمصالحة الشاملة باستخدام (احزاب ورقية بما في ذلك اغراء الرئيس الاسبق جعفر النميري وحزبه (تحالف قوى الشعب) لمنافسة الفريق الذي حصد نسبة 5.86% من الاصوات مقابل نسبة ضئيلة جدا للمشير). فالاحزاب الكبيرة التي قاطعت الانتخابات المزدوجة رئاسية وبرلمانية كانت تطالب بتأجيلها والبدء بعقد المؤتمر الوطني للمصالحة بحل مشكلتي السلام والديمقراطية اولا وهذا ما كان يسعى اليه المهدي منذ عودته واعتبر العديد من المراقبين ان بذلك يكون الصادق قد نفى عن نفسه انه عاد الى الخرطوم بموجب صفقة للمشاركة في الحكم اكثرها ان يكون رئيسا للوزراء. الثالث: سبب اخر بصفة بعض المراقبين بـ (الوهم) والاشارة الى وجود ارهاصات لانقلاب عسكري يستهدف الاطاحة بالنظام خاصة وان الصحافة السودانية نشرت معلومات كشفت عن نشاطات امريكية محمومة في السودان حيث تستغل الوضع في الجنوب وتمارس تدخلات غير مشروعة في الشمال.. وذلك في اشارة الى قيام السلطات السودانية باعتقال سبعة من قيادة (التجمع) في الداخل اثر اجتماعهم مع القنصل الامريكي ــ تم طرده ــ من الخرطوم الشهر الماضي.. ووجهت لهؤلاء تهم من العيار الثقيل تتراوح بين التخطيط لاحداث انتفاضة داخلية تستهدف الاطاحة برأس وجسم نظام البشير.. والتنسيق مع حركة قرنق والاستيلاء على مدينة كبيرة وضرب المنشآت الاقتصادية والاستراتيجية المهمة في البلاد. وضاعف من مخاوف الخرطوم قيام قوات التجمع بالهجوم على مدينة كسلاء واستخدام اوغندا واريتريا قواعد للمعارضة المسلحة والانطلاق نحو مهاجمة الجيش السوداني وان كان في العمق وعلى وجه الخصوص المناطق القريبة من استخراج النفط وتصديره. الرابع: يرتبط بالسبب سالف الذكر.. اي المخاوف من حدوث قلاقل امنية اخرى تمكن خصوم النظام في الداخل والخارج استغلالها لصالحهم لزعزعة اركان الحكم في الخرطوم.. ولعل مبعث مثل هذه المخاوف المقلقة للسلطات السودانية الهجوم الذي قام به عنصر او عناصر تنتمي الى جماعة التكفير والهجرة على مسجد تابع لجماعة انصار السنة المحمدية, وأدى ذلك الهجوم (المجزرة) الى ازهاق ارواح 23 شخصا واصابة 55 آخرين اثناء أدائهم لصلاة التراويح خلال ايام رمضان الماضي. الخامس: ولعل من اهم الاسباب التي تقف وراء تمديد حالة الطوراىء ما يتعلق بالعامل الخارجي فالبلاد التي تمزقها الحرب الاهلية في الجنوب منذ 17 عاما حدودها مفتوحة.. والخطر الاكبر يأتي عبر اوغندا حيث يتدفق السلاح والمال لحركة العقيد قرنق بهدف تصفية حسابات غربية او قل ان شئت التحديد امريكية فالولايات المتحدة تجاهر بموقفها العدائي ضد السودان بمناسبة وبدونها كان اخرها قيام سوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية بزيارة غير مشروعة الى جنوب السودان بدون اذن الخرطوم مما اعتبرته انتهاكا لكافة الاعراف الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية, وزيارة مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية للشئون الافريقية تندرج تحت عنوان الدعم الامريكي العسكري لحركة قرنق وسعيها الدؤوب لعرقلة اي خطوة باتجاه القبول بالمبادرة المصرية ــ الليبية ومحاولة مفضوحة لنقل مؤتمر السلام الخاص بالازمة السودانية الى واشنطن لفرض رؤيتها للحل الذي يهدف سلخ الجنوب عن الشمال واقامة دولة تكون تابعة للولايات المتحدة ولم تكتف واشنطن بذلك بل قادت حملة معارضة في مجلس الامن الدولي لمنع عضوية السودان في المجلس لتمثيل القارة الافريقية, علاوة على ذلك فرضت الولايات المتحدة الحصار الاقتصادي على السودان وقامت في اغسطس 1988م بقصف وتدمير مصنع الشفاء للأدوية تحت مبرر تصنيع اسلحة كيماوية وهو ما ثبت عدم صحته بشهادة اقرب اصدقاء امريكا من بريطانيا وألمانيا وفرنسا, وفي واقع الامر ان تأجيج العداء الامريكي للسودان سببه الجوهري (النفط) فواشنطن تعتقد انها الاجدر باستغلال نفط السودان كون شركاتها هي التي بدأت اعمال التنقيب والاستخراج وان ما كان لها ذهب اليوم لصالح الشركات البترولية الكندية والصينية! من هنا يجمع المراقبون في غير عاصمة عربية على ان خروج السودان من محنته وتجنب البلاد من مخاطر خارجية والحفاظ على وحدة التراب السوداني وتوفير مليوني دولار تنفق يوميا لمواجهة الحرب المدمرة في الجنوب لابد وأن يتم من باب واحد فقط وهو العودة للديمقراطية التي اختارها الشعب السوداني عقب استقلاله في عام 1956م.. وذلك عبر اجراء انتخابات حرة ونزيهة تشارك فيها كل القوى السياسية من الجنوب الى آخر نقطة في الشمال تسفر عن قيام نظام ديمقراطي يحظى باتفاق الجميع, ويلتف ابناء السودان من مختلف الطوائف والاعراق حوله. ويستفيد الكل من الثروة وتقاسم السلطة بشكل عادل.. والقبول بالنقاش مع الآخر واحترام الرأي من قبل الاقلية والاغلبية معا مهما كان مرا دون مصادرة هذه الفئة او تلك لحقوق الآخر مهما كان حجمه وتحت اي مبرر كان. على ان تحقيق هذا الحلم المؤجل منذ اول انقلاب اطاح بالديمقراطية بزعامة ابراهيم عبود سنة 58م وحتى انقلاب البشير على الترابي عام 99 وصولا الى اللحظة الراهنة يحتاج الى ارادة سياسية قوية من قبل (اهل الحل والعقد) من حكماء السودان.. يقدم فيها الجميع التضحية بالمكاسب الشخصية والسمو فوق الجراح.. والتسليم بالاختلاف ورفض الاستئصال من قبل هذا الفريق او ذاك العالم هذا (السيد) او ذاك (العقيد) ليبقى السودان موحدا لا يقبل القسمة على اثنين. ان التسامح والاخاء والايثار والحوار كان على الدوام صناعة سودانية مئة في المئة فإن الحل (ايضا) لوقف النزيف الدامي من جسد (سلة العرب) لا يمكن استيراده من الخارج لأنه ببساطة يوجد في الداخل وإلى ان تنجلي الصورة فستظل الساحة السودانية في غياب الوفاق الوطني والمصالحة الشاملة والوحدة الوطنية ساحة مفتوحة حبلى بكل الخيارات والاحتمالات.