الملف السياسي: اعلنت امريكا في العام الماضي معارضتها للخطة التي قدمتها ليبيا ومصر لحل ازمة السودان, وطالبت المعارضة الجنوبية وبالأخص العقيد جون قرنق بوقف اتصالاتها مع الحكومة المركزية في الخرطوم, وأوحت الى المعارضة الشمالية المتشرذمة بمقاطعة الجهود المصرية ــ الليبية المتواصلة منذ عامين ونيف, والتي اعتبرتها الاطراف كافة مثمرة وقادرة على تقريب الحل المأمول. أكدت التصريحات الامريكية على لسان اولبرايت مخاوف الدبلوماسية المصرية, التي رأت في هذا التصرف تعطيلا للحل العربي, السياسي, لازمة السودان, وتفعيلا لحل عسكري مدعوم, وتدخلا اقليميا ودوليا متربصا, واعتبرتها خطوة على طريق تمزيق السودان المنكوب بخلافاته, والواقف على ابواب انفصال مخطط له منذ زمن بعيد. تحمل الاخبار للمتابعين يوميا بيانا او تصريحا او نبأ بشأن جمعية او منظمة مسيحية امريكية او اوروبية او كندية تتناول مجريات قضية جنوب السودان من منظور تبشيري, وأبرز هذه المنظمات (منظمة التضامن المسيحي) وهي كيان يضم في عضويته عدة جمعيات مسيحية غربية وتتزعمه سيدة تتمتع بعضوية مجلس اللوردات البريطاني. وتوحي بيانات وتصريحات هذه الجماعات التبشيرية الغربية بأن اهل جنوب السودان اقلية مسيحية مضطهدة على يد اغلبية مسلمة. مع ان المسيحيين في الجنوب اقلية والوثنيون كثيرون وهناك فئة مسلمة, وتحت شعار دعم المسيحيين في الجنوب السوداني تعقد مؤتمرات وتجمع تبرعات ويتواصل الضغط على حكومات غربية لحثها على اتخاذ مواقف او تطوير مواقف ضد حكومة الخرطوم. والسؤال الذي يجب ان يطرح من المنظور الموضوعي للتاريخ القريب هو: من المسئول حقا عن تغليب الطابع الديني في مشكلة جنوب السودان؟ بكلمات اخرى: هل الاغلبية المسلمة في الشمال السوداني والحكومات المركزية المتعاقبة في الخرطوم بما فيها الحكومة الحالية هي التي بادرت الى تصوير المشكلة كحملة اسلامية موجهة ضد المسيحيين, ام ان المؤسسات المسيحية في الغرب هي التي عمدت اولا الى طرح القضية كحملة مسيحية لصد الاسلام الذي يقبل عليه تلقائيا الافارقة بشكل عام في ذلك الجزء من القارة الافريقية؟ ان الاجابة عن هذا السؤال الكبير تتطلب بالضرورة العودة الى التطور التاريخي لمشكلة الجنوب السوداني, لأن الحملة التبشيرية التي تنشط منذ سنين ليست تطورا مستقلا وليد الظروف الراهنة التي يجري خلالها التآمر لتصعيد التدويل تمهيدا لفصل جنوب السودان عن شماله. انها في الحقيقة احدث حلقة في مسلسل طويل لسياق تاريخي ترجع بدايته الى نحو مئة سنة للوراء. وعلى مدى القرن العشرين كان هناك مسار تبشيري متصل على الدوام ينظم تطورات مشكلة جنوب السودان.. وهو خيط لم ينقطع على الاطلاق في اية مرحلة من مراحل القضية. ومنذ اوائل القرن العشرين رافقت حركة التبشير حقبة الاستعمار البريطاني للسودان التي امتدت لخمسة وخمسين عاما. وفي اول وهلة بدأ الوجود المسيحي الغربي في جنوب السودان على هيئة جماعات كنيسة تبشيرية. كان اهل الجنوب اجمعين في ذلك الحين غير مسلمين وغير مسيحيين بل كانوا وثنيين. وحتى اليوم لا يزال المسلمون (17%) والمسيحيون (16 %) مجتمعين في الجنوب السوداني يمثلون اقلية بالمقارنة مع الاغلبية الوثنية. ولمدى ربع قرن منذ بداية المرحلة الاستعمارية البريطانية لم تكن الادارة الاستعمارية قد بلورت سياسة محددة المعالم تجاه جنوب السودان وعلاقته المستقبلية مع الاغلبية الشمالية المسلمة ذات الاصول العربية. خططت السياسة الاستعمارية البريطانية في منتصف عشرينيات القرن الماضي عن قناعة رسمية تقضي بتطوير الجنوب وأهله في اتجاه انفصالي عن الشمال. وفي ذلك كان استراتيجيو الادارة البريطانية يرون ان الفوارق بين الجنوبيين والشماليين من حيث اختلافات اللغة والدين والعلاقة هي من الجسامة بحيث يتعذر دمج الجنوب مع الشمال. ولكن عوضا عن نشر العربية كلغة تواصل والاسلام كدين في الجنوب (والعربية والاسلام اقرب الى الافارقة من غيرهما علميا وتاريخيا وواقعا) كان قوام السياسة البريطانية تطوير الجنوبيين على اساس الثقافة الانجليزية مع الديانة المسيحية. ومن هنا بدأت القصة الحقيقية التي تعيش الامة العربية تداعياتها المعقدة حتى اليوم في جنوب الوطن العربي. فقد سلمت الادارة البريطانية امر الجنوب من حيث ادارة التعليم ونشر الدين الى المنظمات الكنسية الاوروبية لتتولى خلق عملاء لا تدين بالمسيحية فحسب بل تتخذ ايضا من كراهية العرب والاسلام والمسلمين عقيدة راسخة. وعقب استقلال السودان اخذ الصراع السياسي بين اهله مناحي متشعبة من الخريجين الى الانصار الى الختمية الى حزب الامة الى الحزب الاتحادي. وتعذر اتفاق هذا الخليط السياسي العقائدي على اسس ثابتة تؤدي الى تطوير السودان وتحديثه. وهنا جاء الجيش بقيادة عبود الى الميدان السياسي. وبعد وقت طويل في الميدان السياسي جاء عام 1966 الى السلطة لاول مرة الصادق المهدي زعيم حزب الامة ذلك الاكاديمي المنتمي الى اسرة عريقة في العمل السياسي والنضال لتحرير السودان من الاستعمار البريطاني. ولم يستطع هذا المثقف الكبير الذي تعلم في بريطانيا ان يتخلص من الموروثات التاريخية والعائلية والطائفية التي تغرق البلاد في اتون من الضياع والفساد فيعود العسكر. في اثناء ذلك كانت المؤامرات لفصل جنوب السودان عن شماله تنشط وتخمد الى ان عقدت اتفاقية اديس ابابا عام 1972 بعد صراع مسلح طويل. في الوقت نفسه يتفق الساسة على اسس للحفاظ على وحدة السودان وعلى التوالي السياسي. ثم ينفرد الذين يحكمون, فيقوم الجيش مرة اخرى. ونريد ان نخلص من ذلك الى ما بعد النميري وسوار الذهب والصادق المهدي الى حكومة البشير منذ عام 1989 ذات الاتجاه الاسلامي. ينجو الصادق المهدي بنفسه باللجوء الى اسمرا ويتجمع المعادون للمعسكر في التجمع على مختلف اصولهم ومصالحهم وتطلعاتهم ونظراتهم الى مستقبل جنوب السودان. اشتدت بعد وصول البشير والترابي, المقاومة الجنوبية ضد الشمال بدعم صريح من امريكا واثيوبيا واريتريا واوغندا وكينيا والجهات التبشيرية. وطالت المعارك وانفصل بعض الجنوبيين عن جون قرنق لما تبين لهم تبعيته لأمريكا. وظل الآخرون من زعماء الشمال مخدوعين به فخالفوه باسم الديمقراطية والمشاركة, ورفعوا راية الحرب في اسمرا في عامي 1995 ــ ,1996 الى ان جرت مباحثات ووساطات ادت الى حوار بين حزب الامة والحكومة في الخرطوم, بعد ان انسحب منها الترابي عام 1999. وتوقف اشعاعها الاسلامي الذي كان موضع حذر كثير من دول المنطقة. وآتى الحوار اكله بعد ذلك وعقد اتفاق في جيبوتي نوفمبر 1999 بين البشير والصادق المهدي لفتح الباب امام المصالحة والمشاركة والتطوير والتوالي والتداول. وتم الصلح بين الزعيمين. فنادت المعارضة بالويل والثبور خوفا على الديمقراطية من الضياع. ووجدت ان المهدي قد انفرد بأمر كانت المعارضة تجمع عليه, وفي الواقع كانت المآخذ التي نصبها حزب الامة ضد حكومة الخرطوم, قد تضاءلت الى حد بعيد ورأى هذا الحزب انه لابد من القضاء الحاسم على الانفصال في الجنوب. استغرب الكثيرون هذه المعارضة, غير المفهومة, من قبل بعض الاحزاب السودانية للاتفاق الذي جرى التوصل اليه بين الرئيس عمر البشير وزعيم حزب الامة الصادق المهدي. نفهم ان يعارض العقيد جون قرنق زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان هذا الاتفاق, لأنه يهتدي بالموقف الامريكي العدائي تجاه السودان وحكومته, ولكننا لا نفهم موقف الحزب الاتحادي الشريك الرئيسي لحزب الامة في التجمع السوداني المعارض, من الاتفاق والتملص منه, والابتعاد عنه. فقد كان متوقعا من محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي ان يكون اول المؤيدين لاتفاق جيبوتي, والملبين لدعوة الرئيس البشير بالعودة وبدء الحوار مع الحكومة لتعميق المصالحة الوطنية, ووقف حرب الاستنزاف التي يتعرض لها السودان وتهدد وحدته الوطنية, وهويته العربية والاسلامية. فعشر سنوات ونيف من المعارضة السياسية والعسكرية لم تفلح في اطاحة النظام الحاكم في الخرطوم, ولكنها نجحت في تقوية الاحزاب الانفصالية الجنوبية وزيادة الهجمة الامريكية على السودان, وافقار الشعب السوداني وتعقيد ازماته. وإذا كانت الحكومة توصلت الى قناعة راسخة بضرورة التفاوض مع معارضيها, وتقديم تنازلات كبيرة لها وهي التي بنت ايديولوجيا على اساس محاربة الاحزاب الطائفية, فإن هذا يعني انها عجزت عن الحكم بمفردها ايضا, مثلما عجزت عن هزيمة المعارضة. المناخ التصالحي الحالي في السودان الذي بدأ منذ اكثر من عام هو ثمرة تعب وارهاق جميع الاطراف في الحكومة والمعارضة من الاقتتال السياسي والعسكري, وكان الصادق المهدي زعيم حزب الامة اول من استوعب هذه الحقيقة, وقرر استغلال هذه اللحظة التاريخية للانخراط في التفاوض مع الدكتور حسن الترابي في جنيف اولا, ثم مع الرئيس عمر البشير في جيبوتي ثانيا. كان المهدي في قناعته هذه منطلقا من يأسه من نجاح المعارضة, واطلاعه على المنزلقات الامريكية الخطيرة التي تنحدر اليها من قبل قوى لا تريد خيرا للسودان ومعارضته. وقد بينا في مطلع هذه الدراسة ما يبت للسودان من خطط امريكية لتفتيته لذا قرر المهدي العودة الى الخرطوم في ديسمبر 2000 فتفجير انابيب النفط السوداني ليس عملا وطنيا تفتخر به المعارضة وتتبناه, لأن آثاره لا تنعكس سلبا على الحكومة, وانما على معظم فئات الشعب السوداني, الذي يعاني ويكابد من سوء الاحوال الاقتصادية والجوع والاحباط. والمعارضة التي تلقى الدعم من الخارج وتتخذ من قواعد في دول معادية لبلادها مثل اريتريا, لشن هجمات عسكرية وتفجير شريان النفط السوداني, لا يمكن ان تكون معارضة وطنية, مهما كانت تحفظاتها على الحكومة. اتفاق جيبوتي ليس افضل الاتفاقات, ولكنه قطعا ليس اسوأها, وإذا كان يتضمن بعض نقاط الضعف, فإن مسئولية الاحزاب السودانية الانخراط في حوار مع الحكومة من اجل اصلاحها وتعديلها. لقد طالبت احزاب المعارضة السودانية دائما بالحوار والديمقراطية, وعندما تهيأت لها الفرصة للحوار وجدنا بعضها يتهرب, ويختلق الحجج والذرائع لتقويض الاتفاق المذكور الذي يشكل الارضية الافضل لمصالحة مشرفة لجميع الاطراف. السودان بحاجة الى تكاتف جميع ابنائه لاخراجه من محنته الحالية, وأبناء الشمال بالذات يتحملون مسئولية كبرى في هذا الصدد, من حيث اقناع اشقائهم في الجنوب بالانضمام الى مسيرة المصالحة, ووقف الحرب, واذا فشلوا في ذلك فإن انقاذ ما يمكن انقاذه من السودان في مواجهة مخططات التقسيم الامريكية التي يتزعمها جون قرنق واسياسي افورقي رئيس اريتريا, هو الخيار الافضل. انتهى الامر الى ما نعرف خلال عام 2000 من حوار اخفق والى عودة النميري والمهدي واجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في ظل ظروف لا تعتبر مريحة. وقبل اجراء الانتخابات اعلن الترابي والمعارضة كلها عن المقاطعة وهو خطأ ستدفع ثمنه البلاد. صحيح ان الرئيس عمر البشير لم يفز بالأغلبية المعروفة في كثير من دول العالم الثالث اي 99 وعدة اعشار في المئة (حصل على نسبة 5.86%) وهو امر يمكن ادراجه في خانة تعزيز نزاهة ومصداقية الانتخابات, الا ان تصرف النظام في مرحلة ما بعد اعلان النتائج جاء ليثير الكثير من الشكوك حول الانتخابات الاخيرة, والظروف التي رافقتها وهو ما سينعكس على مقدرة النظام بحلته الجديدة على مواجهة المشاكل العديدة التي يواجهها السودان, وعلى رأسها قضية المصالحة الوطنية وانهاء الحرب في الجنوب التي تستمر باستنزاف طاقات البلاد ومواردها. بغض النظر عن اتهامات منافسي البشير عن حصول عمليات (تزوير واسعة النطاق) و(بطريقة لا سابق لها) الا انه من المفترض ان تكون نتيجة الانتخابات الرئاسية دافعا على تعزيز ثقة النظام ورأسه بنفسه, وترجمة هذه الثقة بسلسلة من الاجراءات التي تؤدي الى تعزيز مناخات الحرية السياسية وتدعيم ركائز الديمقراطية. لكن الذي حدث هو ان الخطوة الاولى التي اقدم عليها الرئيس البشير بعد انتخابه لولاية جديدة في نهاية عام 2000 كانت تمديد حالة الطوارىء, التي كان قد اعلنها في الثاني عشر من ديسمبر ,1999 لمدة عام آخر. لقد نجح البشير في اعلان الطوارىء للمرة الاولى في ابعاد الترابي عن السلطة مما فتح الباب لاصلاح ذات البين مع دول المنطقة وفي مقدمتها مصر, ان الامل معقود على المشاركة في الحكم وعلى ما اتفق عليه في جيبوتي في هذا الصدد, حتى لا يبدو البشير بعد انتخابه طاغية عسكريا يريد الانفراد بالسلطة. ولعل الحوار مع حزب الامة والصادق المهدي فاتحة خير تحسن الصورة وتغير المشهد اذا توفرت النوايا الحسنة بين الاطراف.