الملف السياسي: وصلت الأطراف السياسية جميعها الى طريق مسدود فقد استحكمت الأزمة ولم تعد القوى السياسية معارضة وحكومة قادرة على البحث عن حل سوداني يفرضه أحد الأطراف المحلية. وهذا يفسر اهتمام السودانيين بالمبادرات الخارجية والتعويل على حل تقدمه الايجاد أو مصر ـ ليبيا أو المجموعة الأوروبية أو أي دولة صديقة أو مهتمة بالسودان. وتبدو كل الأطراف منهكة ومرهقة. فالحكومة في الجنوب والشرق في يد المعارضة ولم تستطع الحكومة استعادتها. وما الحديث عن الوفاق والحل السلمي الشامل إلا حيلة لكسب الوقت وتصميم استراتيجية جديدة لمواجهة المعارضة في مرحلة مختلفة. فمن الواضح أن النظام غير جاد في الاتفاق والحوار مع التجمع الوطني الديمقراطي لذلك يفضل كثرة المبادرات بدون حسم أو تنفيذ. ومن الناحية الأخرى, فالمعارضة ممثلة في التجمع منقسمة بعد خروج أكبر الأحزاب من التجمع ولم تستطع تصعيد العمل العسكري وفي الداخل شل النظام حركة التجمع باعتقال السكرتارية وقرر تقديمها للمحاكمة. ورغم عودة حزب الأمة الى الوطن إلا أن العودة حتى الآن مجانية, فالحزب لم يفعّل المعارضة ولم يشارك في السلطة. كيف استحكمت الأزمة عوضا عن الوصول الى حل سلمي؟ نبدأ بنظام الانقاذ, فقد انقسمت القوى السياسية التي صنعت الانقاذ مما يعني الانقسام حول المشروع الحضاري التي مثل مدبرو الانقلاب على بقية القوى السياسية في 30 يونيو 1989 وتكمن خطورة الانقسام في أن صاحب الفكرة في جانب وصاحب السلطة في جانب مضاد. نحن أمام سلطة فقدت الفكرة لذلك فإن الحديث عن ثوابت الانقاذ لا يعدو مجرد شعارات خاوية. فالترابي هو منظر الحركة الاسلامية طوال حوالي نصف قرن ولم يترك خلفاء في مثل قدرته السياسية وكارزميته وعلاقاته الخارجية فقد استولى جناح البشير على جهاز الدولة ولكن الترابي ذهب بفكرة الدولة المشروع, لذلك إنحاز المسيسون الى الترابي وذهب السلطويون الى البشير ومن هنا يظل الترابي مصدر خطر بالاضافة للتجمع على النظام ويمتلك القدرة على تعطيل حركة النظام بنقده واثارة الاحتجاج والأهم من ذلك: محاكمته من خلال ما يعتبر التزاما بالخط الاسلامي أم لا. فالترابي نصب نفسه مرجعية اسلامية ورغم أنه لم يساهم في تطبيق الاسلام حين كان في السلطة, إلا أنه يستطيع مهاجمة النظام بدعوى عدم الالتزام. وهكذا أصبح الترابي رقيبا قاسيا سوف يشل النظام ويحرمه من حرية الحركة إذ ستكون عين النظام على الترابي. ومن الواضح أن نظام الانقاذ في مرحلته الجديدة لا يملك أي استراتيجية ورؤية واضحة طويلة المدى ويظهر هذا جليا في تعدد مصادر القرارات والتصريحات والاهم من ذلك في تناقضها الظاهر للعيان. ورغم أن الانقاذ أعلنت أنها تخلصت عن الثنائية, ولكنها تبدو وكأنها حكومات داخل مجلس واحد. فعلى سبيل المثال, والي يصدر قرارا يحرج رئيس الجمهورية في الأمم المتحدة حول عمل المرأة, أو أن وزير الدولة في وزارة العدل يصرح حول مخالفات طريق الانقاذ الغربي ما يعارضه أو أن النائب الأول لرئيس الجمهورية يعلن عن رحلة لأرتيريا وتنشر ذلك الصحف ويوقف في اللحظات الأخيرة. وهناك الكثير من الأمثلة اليومية وأعتقد أن الموقف المتردد حول الوفاق الوطني هو نتيجة صراع خفي لم يحسم بعد. أما في جنوب السودان فقد انهارت استراتيجية السلام من الداخل بعد أن انفض من حولها مهندسها رياك مشار وتبعه بقية المنفذين للخطة. وفي نفس الوقت, لم تستطع الحكومة مواصلة المفاوضات مع الحركة الشعبية وصارت لقاءات الايجاد روتينية ويمكن اعتبار مبادرة الايغاد في حكم الميتة. تراجع النظام بعد الانتخابات الأخيرة عن الانفتاح النسبي إذ لا يوجد أي مبرر منطقي لنظام يقول أنه حصل على أكثر من 86% من الأصوات, لأن يمد قوانين الطوارئ ويستمر في الاعتقال التحفظي, كما أعلن البشير ونائبه عن أن أي وفاق لن يتم إلا وفق ما أسماه ثوابت الانقاذ ولن تكون هناك مشاركة للقوى السياسية إلا بعد موافقتها على دستور النظام والشريعة والحكم الفيدرالي. فهذه عملية الحاق أو تذويب للمعارضة في الانقاذ مقابل تفكيك دولة الحزب الواحد. وهذا يعني وجود خطين متوازيين تماما لدى الحكومة والمعارضة وفي بعض الفترات ظن البعض امكانية تقاطع الخطين, ولكن النظام الآن يشعر بالزهو وقد صدق نتيجة الانتخابات واعتبر نفسه مفوضا من قبل الشعب, رغم أنه يعلم قبل غيره كيف تمت هذه الانتخابات؟ ويدري حقيقة نزاهة هذه الانتخابات. ولكن كما قال علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية بأنها شهادة ميلاد جديدة للانقاذ. وهذا يعني أن النظام لن يتراجع أو يراجع مواقفه بل سوف يواصل نفس السياسات التي جلبت الكارثة للسودان. وأعتقد أن مكابرة النظام ضرورية لحماية أفراده وعناصره, فهم يخشون المحاسبة والمساءلة لو حدث أي تغيير. لذلك يتشبث الانقاذيون بالسلطة ولا توجد أي فرصة للقوى السياسية المعارضة, إذا لم يتغير ميزان القوة لصالح التجمع. وهذا يعني ضرورة تصعيد وتفعيل العمل المعارض في الداخل والتجمع يملك هذه الامكانية لو استطاع تطوير آليات العمل وأصبح حركة معارضة حقيقة تضم كل من يعارض النظام واهتم بالمؤسسية وحدد الأولويات والوسائل. وعلى التجمع أن يستفيد من استحكام أزمة النظام إذا أراد الحل السلمي الشامل وتفكيك النظام, وإلا فإن النظام لن ينتحر كما قال النائب الأول قبل أيام. التدخل الخارجي عامل موضوعي لن ينجح إلا في حالة ضعف الداخل, فقد واجه نظام الانقاذ من البداية مشكلة مع الادارة الأمريكية لأنه انقلاب عسكري على نظام منتخب ديمقراطيا وحسب القانون الأمريكي في السياسة الخارجية يوقف التعامل مع مثل هذه النظم. أضاف الانقاذ الى ذلك أنه أعلن سياسة معادية لأمريكا وبعد فترة قصيرة وقف مع العراق في حرب الخليج. ثم استضاف أسامة بن لادن وأقام معسكرات للجماعات الاسلامية وصار السودان حتى عام 1995 مصدر قلق وتوتر لدول الجوار. وبعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك تم التضييق على السودان الذي حاول تدريجيا فك ارتباطه بالجماعات الارهابية وفي صيف 1998 جاء قصف مصنع الشفاء كرسالة واضحة للنظام بأن أمريكا ماضية في التشدد مع نظام الانقاذ. وأجرى النظام عقب ذلك تعديلات في تشكيلته وحاول تحسين علاقاته مع دول الجوار بالذات مصر وأثيوبيا وأريتريا وأوغندا. تراجع نظام الانقاذ بطريقة غير منتظمة في علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية وقدمت تنازلات كبيرة وصلت الى درجة السماح الى بعثة من الـ FBI للاقامة في السودان والتأكد من وجود ارهابيين ولكن الأمريكان لم يرضوا حتى بذلك. فقد وقفت أمريكا ضد السودان في مجلس الأمن وحرمته عضوية المجلس المؤقتة رغم ترشيح الدول العربية والافريقية وساندت موريشيوس على حساب السودان. ورغم أن السودان يسعى الى كسب ود أمريكا ولكنها ستساند الحركة الشعبية في جنوب السودان والتجمع الوطني الديمقراطي وهي لا ترضى بأقل من إسقاط نظام البشير كاملا. وسيكون من مهام ادارة بوش الاسراع في ذلك لاعادة ترتيب منطقة القرن الأفريقي. لست مع الرأي القائل بأن النظام مستهدف رغم السياسة الأمريكية المعادية له أو احتمالات التدخل الخارجي المباشر, لأن النظام يرتكب من الأخطاء الداخلية مما يجعله يفقد أي تأييد أو مساندة لذلك عجز عن بناء أي شرعية شعبية والمشكلة هي أن النظام يستمر في سياساته الفاشلة ولا يعترف بالفشل ولا يهتم بحل المشكلات الحقيقية. ففي هذه الأيام أعلنت منظمة الأغذية والزراعة العالمية (FAO) عن خطر مجاعة في السودان ولكن النظام دخل في مغالطات حول صحة الأرقام ويحاول أن يجعل من الكارثة قضية سياسية على حساب حياة الآلاف. عوضا عن الاعتراف بالواقع وطلب مساعدات من الخارج, ولكن هذا الموقف يعني سقوط شعار نأكل مما نزرع وتكذيب ادعاءات الاكتفاء الذاتي وارتفاع نسبة النمو الى 5.6% كما يروج إعلام النظام. يعاني الشعب السوداني من استحكام أزمة النظام ولكنه في نفس الوقت يفتقد القيادة البديلة الكفء والقادرة والمبادرة لتحقيق التغيير الحقيقي في اتجاه الديمقراطية والتنمية والوحدة الوطنية.