يتذكر هومر سانت فرانسيس, زعيم قبيلة أبيناكي الهندية, كيف فوجئ عند دخوله مبنى في جامعة فيرمونت عام 1973 برؤية عظام بشرية تستخدم كعتبات للمداخل وكأدوات لجمع الاتربة تبين أنها من رفات موتى قبيلة أبيناكي. وحول سانت فرانسيس ما انتابه من غضب لحافز له على شن حملة استغرقت أعواما لاستعادة هذه الرفات. وأثناء تنظيمه حملته, اكتشف أن العظام التي تندرج تحت ملكية جامعة فيرمونت ما هي إلا رأس جبل جليدي. فثمة كميات هائلة من عظام ورفات موتى الهنود الحمر جمعت على مر قرون وانتهى بها الامر إما في متاحف أو في مؤسسات تعليمية أو مبان حكومية في كافة أرجاء الولايات المتحدة الامريكية. وينظر إلى هذه البقايا كمجرد آثار أو أشياء ترضي فضول المتفرجين. وفي حين تطالب الدول والجماعات العرقية في العالم بأسره باستعادة ما يخصها من قطع فنية وآثار سرقت إبان حروب, فإن قبائل سكان أمريكا الاصليين لا يسعون لاسترداد لوحات فنية بل بقايا موتاهم. فإلى عهد قريب, كانت هياكل عظمية وقطع من أجسام هنود حمر تعرض بشكل طبيعي للغاية في المتاحف الامريكية. ففي متحف فورت تيكونديروجا في نيويورك كان من الممكن للزوار مشاهدة الجماجم الخاصة بهنود حمر. وانطبق الامر نفسه بصورة أو أخرى في متحف الهنود الامريكيين في مانهاتن ومتحف الاثار وعلوم الاعراق التابع لجامعة هارفارد العريقة. إلا أن الحكومة الامريكية وافقت عام 1990 على قانون (حماية وإعادة توطين مقابر سكان أمريكا الاصليين) الذي اعتبر الخطوة الاولى في إعادة رفات الموتى إلى ذويهم. ويلزم القانون كل متحف إلى السعي لاعادة ما لديه من رفات إلى الاقارب الاحياء كما يحظر الاتجار في رفات الهنود الحمر. وتشير الوثائق الحكومية إلى ان 175 متحفا أمريكيا تقريبا تمتلك فيما بينها ما يقدر بـ200 ألف مجموعة من رفات هنود حمر. وتوقع مكتب موازنة الكونجرس أن تتكلف جهود إعادة الرفات إلى الاقارب الاحياء في السنوات الخمس الاولى فقط ما بين 20 و55 مليون دولار. وانقضت الان عشر سنوات على بدء هذه الجهود, ولا يزال أمام السلطات المختصة شوط كبير لم يقطع بعد. فالامر يتطلب تقييم ما يوجد بحوزة هذه المتاحف وتغليفها وشحنها إلى ما يستدل عليه من عناوين. وتتنوع الاشياء المعنية من جماجم إلى أدوات مثل مسامير صدئة وقطع خشبية وغير ذلك من أدوات استخدمت في مزاولة الطقوس الهندية القديمة وأزرار معدنية وأجسام معدنية أخرى متآكلة. وقال جريج لياكوس أمين متحف في ولاية ماساتشوستس أن المتحف الان بصدد إعادة هياكل عظمية وأكفان للدفن إلى مجموعة من الهنود الحمر في الغرب الامريكي الاوسط وصحن به أسنان بشرية إلى قبيلة في هاواي. ومن بين الرفات التي توجد في المتاحف قدر يخص شخصيات تاريخية معروفة لقت حتفها في ظروف مأساوية. ففي متحف التاريخ والعلوم الطبيعية في دافنبورت بولاية أيوا ترقد جمجمة (الوعل الابيض) زعيم قبيلة شيين الهندية الذي توفي عن عمر يناهز الخامسة والسبعين رميا بالرصاص في مذبحة شنتها القوات الامريكية عام 1865 رغم كونه غير مسلح آنذاك. وقد أعيدت الجمجمة بالفعل إلى جالية قبيلة شيين بولاية أوكلاهوما. غير أن أكبر مجموعة من العظام الخاصة بهنود حمر ترقد في حوزة متحف التاريخ الطبيعي في واشنطن. والسبب في ذلك هو نداء وجهه كبير جراحي الولايات المتحدة عام 1867 للاطباء بجمع كل ما يمكنهم من جماجم وأسلحة وثياب وأدوات وأطعمة وأدوية خاصة بالسكان الاصليين للولايات المتحدة لملء المساحات الشاغرة في متحف كان حديث التأسيس آنذاك هو المتحف الطبي للجيش الامريكي. ويقول خبير الاثار الامريكي سام بول أنه ترتب على ذلك أن قام الناس بـ (نبش القبور لسرقة الجماجم وبيعها إلى الجيش), وهو سلوك استمر العمل به حتى الثلاثينيات من القرن العشرين إلى أن تدخلت إدارة الجيش لانهائه. ووصل عدد الجماجم التي انتهى بها المطاف في المتحف إلى 2,206 جماجم انتقلت فيما بعد لمتحف التاريخ الطبيعي في واشنطن. وبطبيعة الحال, فقد أدت ضخامة العدد إلى صعوبات كثيرة صادفتها الحكومة عندما قررت إعادة الجماجم إلى ذويها. إلا أن هذا (الكابوس البيروقراطي) الذي تواجهه الحكومة في مهمتها لا يعني أحفاد موتى السكان الاصليين لامريكا في شيء, فهم شديدو الارتباط بأسلافهم. وتقول دونا روبرتس مودي التي ترجع أصولها إلى قبيلة أبيناكي والمسئولة عن إعادة توطين رفات السكان الاصليين في فيرمونت (عندما يتوفى واحد منا فإننا نؤمن أن روحه تظل مرتبطة بعظامه). وبعد معركة مع السلطات الحكومية استمرت 22 عاما, نجح هومر سانت فرانسيس عام 1994 في استعادة رفات جده. د.ب.ا
