تعتزم الولايات المتحدة تحويل قاعدة (روتا) العسكرية الى جبل طارق القرن الحادي والعشرين, وعرض البنتاجون على الحكومة الاسبانية استثمار 25 ألف مليون بيزيتا مقابل استخدام منشآت القاعدة من دون قيد او شرط. ويتمثل الهدف الاخير في جعل (روتا) قاعدة امريكية متقدمة في اوروبا وبالتالي كنتيجة للنظرة غير المتكافئة لقيمتها الاستراتيجية تقوم الولايات المتحدة بتحويلها الى رأس جسر من اجل انتشار القوات الامريكية في نصف العالم. وبعد مباحثات اجرتها مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية مع جوسيب بيكي, وزير خارجية اسبانيا, وقع الطرفان على اعلان مشترك يتيح لأسبانيا وضع الدولة الاولى بالرعاية في التجارة مع الولايات المتحدة, كما تحدد الوثيقة ان على الطرفين ان يتعاونا بشكل وثيق من اجل (تحديث) روتا وميرون. لقد اصبح واضحا ان لدى مسئولو البنتاجون الكبار خططا ملموسة بالنسبة لقاعدة (روتا) وذلك منذ اقرار حلف الناتو (المفهوم الاستراتيجي الجديد) في ابريل 1998 والذي ينص على تحويل هذه القاعدة الاسبانية الواقعة على مدخل البحر المتوسط مقابل القارة الافريقية وعند النقطة الجغرافية الاوروبية الاقرب للولايات المتحدة الى (قاعدة مصغرة) لتوظيفها في عمليات انتشارها العسكري في نصف العالم. ومن اجل ذلك, تمس الحاجة الى تطوير الامكانيات البحرية والجوية للقاعدة العسكرية الامر الذي يفترض توسيع مدرج هبوط الطائرات واماكن توقفها, كذلك الامر بالنسبة لرصيف ارساء السفن. البنتاجون من جانبه قدر تكلفة هذه الاعمال بما يعادل 25 مليار بيزيتا, والولايات المتحدة مستعدة لدفع هذا المبلغ بكامله وقد وضعته فوق طاولة وزارة الدفاع الاسبانية في نهاية نوفمبر الماضي بعد اجتماعين تحضيريين للحوار المتعلق بتجديد (معاهدة الدفاع) لعام 1986. ويأمل البنتاجون استعادة جزء من الاستثمار عن طريق تقديم فاتورة يطلب من الناتو دفع قيمتها وذلك عن كل طائرة تهبط في مدارج (روتا) او عن كل سفينة تقترب من ارصفتها. كما يستجيب هذا الاستثمار المربح الى ضرورات البنتاجون القاضية بأنه في عمليات مثل حرب الخليج (1991) او حرب كوسوفو (1998), يجب ان تكون هذه القاعدة على استعداد لتقديم تسهيلات لأكبر عدد من الطائرات الناقلة والسفن العملاقة وحاملات الطائرات مع الذخائر الضرورية من اجل العمليات العسكرية, اذ ان (روتا) كانت قد تصدعت خلال هاتين الحربين. وتقول مصادر مطلعة في وزارة الدفاع انه اضطر الامريكيون لتوزيع عتادهم في قواعد اوروبية مختلفة, وقاموا بذلك بدون صعوبات كبيرة لأنه في نهاية المطاف كانت هذه العمليات العسكرية تخص الناتو كذلك. وهذا يعني قيمة قاعدة (روتا) قد ارتفع مع دخول (المفهوم الاستراتيجي الجديد) حيز التطبيق وهذا المفهوم كرس (التدخلات خارج المنطقة), مع ان الشيء ذاته يحدث بالنسبة للناتو حيث يستطيع التدخل في اي بقعة على الارض في حال تعرضت مصالح احد اعضائه للخطر. لكن مع كل ذلك ومن وجهة نظر المصادر العسكرية ذاتها فإن (روتا) تحولت الى قطعة عسكرية لا يمكن الاستعاضة عنها في خطط البنتاجون الاستراتيجية, وواشنطن تخشى من انه كلما توطدت معالم الهوية الاوروبية في الامن والدفاع اي قدرة اوروبا على الاعتماد على جيشها الخاص بمعزل عن الناتو واجهت الولايات المتحدة صعوبات اكثر من اعجاز مناوراتها العسكرية في القارة العجوز وفي تحريك قواتها في حالات الازمات. لذلك فإن الامريكيين يطلبون بعد توسيع (روتا) وعلى كلفتهم بالكامل وكمقابل لذلك, فإن حكومة خوسيه ماريا ازنار وبحجة ان القوات المسلحة الاسبانية سوف تتمكن من استخدام المنشآت العسكرية الاحدث في العالم عندما تكون تسهيلات مشتركة, يطلبون استخدامها بدون (قيد او شرط) وألا تخضع حركة تنقل الطائرات والسفن الى اذونات من الحكومة. بالاضافة الى ذلك تتمتع الولايات المتحدة بخبرة معروفة في مجال المفاوضات كما ان الحكمة تدعو الى التبصر جيدا في العواقب قبل توقيع اي اتفاق. فبالنسبة الى اسبانيا يكفيها ان تعود بالنظر الى الوراء قليلا وتتذكر كيف باعت في عامي 1818 و1819 شبه جزيرة فلوريدا الى حكومة واشنطن الفتية وقتذاك وذلك مقابل مبلغ خمسة ملايين دولار, وهو امر يدعو الي السخرية بمعايير اليوم, اذا اخذنا بعين الاعتبار ما حققته شبه الجزيرة تلك من ازدهار. ولم تكن اسبانيا هي الوحيدة الخاسرة في التجارة مع الامريكيين لأن بيع الآسكا مثل فشلا اسوأ بكثير بالنسبة الى روسيا لأنها اعتقدت بأنها قامت بصفقة جيدة عندما تخلصت من مساحة هائلة من الارض بدون سكان ومتجمدة وغير منتجة وذلك مقابل سعر حدد في وقتها (أي في عام 1867) بـ 7 ملايين و200 ألف دولار. وبعد اكثر من قرن ونصف ظل تعبير (شراء الاسكا) يستخدم كمرادف لصفقة لا سبيل الى تصديق امكانية ابرامها. وهذا ليس غريبا فبعد ثلاثة عقود على عملية الشراء اكتشف الذهب وبكميات كبيرة في تلك الارض التي جذبت آلاف المغامرين. وأراضي الاسكا ذاتها التي وصلت الى ان تصبح ولاية امريكية ولدت بعد ذلك ثروة لا تنضب من الذهب الاسود, النفط لا تزال تغذي احتياطات الولايات المتحدة الاستراتيجية وكل ذلك مقابل سعر بائس. عن (لارازون) اسبانيا