اظهرت الدبلوماسية السورية في ظل الرئيس السوري بشار الاسد حركة محمومة متسارعة ومنتظمة الخطى وبارتفاع منتظم ومحسوب, وتجلى هدفها الاساسي في السعي لتفعيل دور سوريا الاقليمي، والاستعداد للحظة الحسم والمفاوضات الكبرى ومواجهة استحقاقات السلام بشيء من القوة والقدرة على تطوير الدور والتحرك المضاد لاحباط المخططات الاسرائيلية. في هذا السياق جاءت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لدمشق امس ومباحثاته الهامة مع بشار, وسبقها زيارة الحاكم العسكري لباكستان الجنرال برويز مشرف. وتشير المصادر الى ان التعاون العلمي والفني والتقني بين سوريا وباكستان سيمتد خلال الفترة القادمة ويحقق الكثير من القفزات والتحولات التي ستضع العلاقات والتعاون الثنائي في مستوى التحالف الاستراتيجي, خاصة وان هناك اشارات واضحة تؤكد بأن البلدين قد شدنا بالفعل تعاونا في المجال النووي, كما تشير المصادر الى ان باكستان ابدت استعدادها لتقديم خبراتها في مجال الطيران وتكنولوجيا النقل الجوي الى الجانب السوري, مع العلم ان الطيارين الباكستانيين يعدون من اشهر الطيارين في العالم كله, الامر الذي يمكن ان يحقق الكثير من الفوائد العلمية والتدريبية الواسعة للطيارين السوريين, وقد جاءت زيارة نائب الرئيس الصيني ـ جي هو شاه ـ سوريا واللقاءات والمباحثات المكثفة التي اجراها مع كبار المسئولين السوريين. ولم تستبعد ان يشمل التعاون الصيني السوري المجالات العسكرية والدفاعية, وذلك في ضوء سعي سوريا الحثيث الى تحديث وتطوير وتنويع اسلحتها ومصادر الحصول على هذه الاسلحة, ويبدي الخبراء السوريون اهتماما واسعا بتكنولوجيا الصواريخ التي قامت الصين بالعمل على تطوريها وانتاجها في السنوات الماضية وهم يؤكدون ان هناك حاجة ملحة للحصول على مثل هذه التكنولوجيا من اجل تعزيز قوة الردع السورية, ومواجهة الترسانة العسكرية الضخمة التي تمتلكها اسرائيل, وتحاول من خلالها فرض شروطها السياسية على الاطراف العربية وتؤكد المصادر الدبلوماسية هنا انه على الرغم من الضغوط الامريكية والاسرائيلية على بكين, لمنعها من تصدير تكنولوجيا الصواريخ البالستية الى الشرق الاوسط, الا ان الصين فيما يبدو قررت المضي قدما في تعزيز تعاونها العسكري مع ايران الامر الذي يساعد كثيرا سوريا على الانضمام الى هذا التعاون وجني الفوائد الاستراتيجية من ورائه, وعلى خط مواز لهذا التحرك, فإن سوريا, تعمل بجدية وحماس لتحسين علاقاتها مع دول الجوار, وذلك في اطار الموقف الاستراتيجي المتكامل الذي يركز على تحصين موقع سوريا على الساحة الاقليمية وتفعيل دورها في الشرق الاوسط, بما يزيد من قدرتها على مواجهة اية اخطار او تحديات, قد تفرض عليها بشكل مباغت, ويضع المحللون هنا التحسن النوعي الذي تشهده العلاقات السورية ـ التركية في هذا السياق, ويؤكدون انه على الرغم من ان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد هو من وضع اللبنة الاساسية لهذا التحسن بالتوقيع على اتفاق اضنة الامني عام 1998, الا ان الشيء الواضح هو ان القيادة السورية الجديدة, تريد الذهاب الى ما هو ابعد من مجرد تحسين العلاقات مع انقرة, حيث تشير المصادر الى ان دمشق تتطلع بالفعل الى اقامة نوع من الشراكة الاستراتيجية مع انقرة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والامنية, وتشكل الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس بشار الاسد لتركيا مؤشرا ومحطة هامة في التحرك السوري الجديد الذي بات يعطي الاولوية للعلاقات مع دول الجوار والعمل على ازالة كل العناصر والاسباب التي تحول دون تطويرهذه العلاقات, والارتقاء بها الى مستوى التحديات الكبرى التي تواجه سوريا والدول العربية, وتعرب المصادر السورية عن املها ان تؤدي زيارة الرئيس بشار الاسد المقبلة لتركيا الى اغلاق ملفين بارزين في العلاقات الثنائية. الاول ملف المياه الذي شكل على الدوام عنصر توتر وعدم استقرار بين سوريا وتركيا اما الملف الثاني الذي تسعى دمشق الى اغلاقه في علاقاتها مع انقرة, فهو الملف الامني والتوصل الى اتفاق نهائي وشامل, يضع حدا لكل الشكوك التركية حول دور سوريا في دعم حزب العمال الكردستاني ويفتح الباب واسعا امام قيام تنسيق امني رفيع المستوى بين البلدين, يسمح بمراقبة صارمة لمنطقة الحدود المشتركة, ويحول دون حدوث اي تسلل للعناصر المسلحة في كلا الاتجاهين وعلى مدار الساعة. وتثير الاوساط المراقبة هنا, الى ان زيارة الامير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام السعودي لسوريا في مطلع الاسبوع الماضي, قد حملت في طياتها وابعادها الكثير من المعطيات السياسية التي عززت المحور السوري ـ السعودي على اكثر من صعيد, وكان لافتا تصريحات الامير سلطان في دمشق, حيث اكد ان اي عدوان قد تتعرض له سوريا, ستعتبره الدول العربية ومنها السعودية عدوانا مباشرا عليها, في اشارة واضحة الى التهديدات الاسرائيلية الموجهة ضد سوريا ولبنان. وتقول الاوساط المراقبة هنا: انه على ايقاع مجمل هذه التحركات الاقليمية والدولية, تواصل سوريا استكمال عملية اعادة نشر قواتها في لبنان وجعل هذه القوات تتمركز في مواقع استراتيجية اكثر امنا بحيث تتيح لها مواجهة اي عدوان اسرائيلي محتمل وحسب هذه الاوساط فإن التحركات السورية على الساحة اللبنانية, تعد جزءا من عملية التجهيز الاستراتيجية التي تقوم بها دمشق, على اكثر من صعيد, من اجل امتلاك وسائل ردع اضافية, والاقتراب من موقع التوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط, عبر تعزيز العلاقات والتحالفات مع الدول العربية عامة ودول الجوار خاصة. وفي السياق نفسه, فإن المصادر المطلعة هنا تؤكد بأن التطورات الكبيرة والنوعية التي يشهدها الوضع الداخلي في سوريا, والتي يجري التعبير عنها من خلال خطوات التحديث والانفتاح التي تتم في جميع المجالات, انما تعد بدورها جزءا هاما من استراتيجية اعداد القوة التي تطبقها دمشق في عهد الرئيس بشار الاسد, والتي تركز على تقوية موقف سوريا التفاوضي, والدخول في مفاوضات جديدة ومؤثرة وقادرة على فرض الشروط السورية, ومع اقتراب موعد تسلم الرئيس جورج بوش الان لمقاليد الحكم.