اعترف دبلوماسيون وخبراء ان العقوبات الشاملة التي فرضت على العراق في 1990 تبقى الارث الاكبر لحرب الخليج لكنها تشكل بعد عشر سنوات من اقرارها فشلا ذريعا على ما يبدو. وكان مجلس الامن الدولي قد فرض بالاجماع جملة من العقوبات على العراق بعد غزوه الكويت في اغسطس , 1990 هي الاكمل والاطول التي فرضت في تاريخ المنظمة الدولية. وتهدف هذه العقوبات الى اجبار بغداد على تدمير كل اسلحة الدمار الشامل التي تملكها. وفي تصريح لوكالة (فرانس برس), قال ديفيد مالون, رئيس الاكاديمية الدولية للسلام وهي معهد مستقل للابحاث يتخذ من نيويورك مقرا له "في البداية شكل نظام العقوبات على العراق نجاحا" والعراقيون تعاونوا مع الامم المتحدة وان كان رغما عنهم. وكانت هذه الاكاديمية نشرت العام الماضي اول دراسة شاملة حول استخدام الامم المتحدة لهذا السلاح الدبلوماسي الجديد بعنوان "عقد العقوبات". من جهته, رأى دبلوماسي طلب عدم كشف هويته ان "اسلحة العراق ازيلت بنسبة 95%". واضاف ان "العراق لم يعد يشكل تهديدا بفضل العقوبات). ومع ذلك, تبدو الحصيلة بعد عشرة اعوام اقرب الى الفشل. فليست هناك مراقبة للأسلحة العراقية والشعب العراقي يواجه مأساة انسانية ونظام صدام حسين عزز موقعه والاسرة الدولية تشهد انقسامات لا سابق لها. الى ذلك, يبدو ان (جدار) العقوبات الذي يفترض ان يعزل العراق يتفتت شيئا فشيئا تحت انظار الولايات المتحدة التي تقف عاجزة مع انها جعلت من (احتواء) الرئيس صدام حسين اولوية لها. وقد اعترف سفير الولايات المتحدة ريتشارد هولبروك الخميس بأن (الجهود لاحتواء صدام حسين مازالت بعيدة عن تحقيق هدفها), لكنه عزا هذا الفشل الى (نقص التضامن بين الدول التي تفرض تطبيق العقوبات) في مجلس الامن. لكن مالون قال ان تولي مادلين اولبرايت منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة في 1996 هو السبب في ضعف فاعلية العقوبات. وقال هذا الخبير انها (افهمت الجميع ان لا شئ يبرر انهاء العقوبات سوى رحيل صدام حسين),. واضاف (من هنا فقدت فاعلية العقوبات لان العراقيين رأوا انه لم تعد هناك (جزرة) بل (عصا) فقط فكرسوا كل جهودهم لنسف نظام العقوبات). ويذكر الدبلوماسيون في هذا الصدد رفض العراق التعاون مع مفتشي ازالة الاسلحة وتهريب كميات كبيرة من النفط واستئناف الرحلات الى بغداد التي تخضع لحظر, وان لم تكن هذه الرحلات محظورة بوضوح, او التقارب مع سوريا التي كانت في وقت ما عدوا لدودا. كما طرأ تبدل منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في نهاية سبتمبر التي سمحت للرئيس العراقي بأن يلعب مجددا ورقة التضامن العربي في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة, حسبما اضاف دبلوماسي. من جهة اخرى, ما زال للعقوبات اثر مدمر على الظروف المعيشية لــ 22 مليون عراقي, رغم برنامج انساني لا سابق له يؤمن عائدات تبلغ عشرة مليارات دولار كل ستة اشهر تتولى الامم المتحدة ادارتها. ورأت مارجريت دوكسي استاذة العلوم السياسية في جامعة ترينت في اونتاريو ان (الاثر الانساني كان كارثة في مجال العلاقات العامة). وقالت دوكسي التي توصف بأنها من افضل الخبراء في مجال العقوبات ان برنامج (النفط مقابل الغذاء) يشكل (وسيلة لا سابق لها وغير مقبولة لادارة صادرات وواردات بلد ما). وبينما ادت الانقسامات حول مواجهة العراق الى شل مجلس الامن الدولي عمليا, يبدو ان هناك اجماعا على نقطة واحدة على الاقل وهي ان (الحالة العراقية التي لا سابق لها) دفعت الدول الاعضاء الى نبذ مبدأ العقوبات الشاملة وغير المحدودة والبحث بعد الان عن عقوبات مركزة ومحددة زمنيا. أ.ف.ب