الملف السياسي: تعود بي الذاكرة إلى الأيام التي كنت أقيم مع زوجي في حيفا بفلسطين في أكتوبر من عام ,1960 حين اندلعت نار الحرب بين العرب والصهاينة, وكانت حيفا من أكثر البلدان الفلسطينية التي تعرضت للرصاص ، والقنابل وكانت الدماء تسيل بلا حساب والقتل بلا وازع أو ضمير, وذات يوم قرر زوجي أن نترك حيفا, وأعددنا العدة للرحيل, وفي صباح اليوم المحدد حمل زوجي بعض الأمتعة وتركنا خلفنا كل شيء فقد كان أملنا كبيراً في العودة إلى حيفا مرة أخرى بعد ان ينتصر العرب على اسرائيل وسبقني زوجي إلى الخارج بينما وقفت على العتبة وقد نسيت شيئاً فعدت أدراجي الى الداخل فإذا برصاص ينهال من أمامي فاستدرت في لهفة وفزع وإذا بأكثر من سبعة جنود فلسطينيين على الأرض ودمائهم تغطي لباسهم فلم أر بداً وأنا مذعورة من أن أدخل هؤلاء إلى بيتي وساعدني زوجي في ذلك, وبعد مضي ثلاثة أيام لم أعرف النوم خلالها عرفت أنهم من الطيارين الفلسطينيين وقد قصفوا موقعاً اسرائيلياً فأخذت أقبّل وجوههم وذقونهم وشواربهم وحاولت بعد ذلك مساعدتهم للنجاة وقد حصل ذلك! وفي أيام احتلال القنيطرة في عام 1967 كنت المشرفة العامة على ثلاثة آلاف لاجىء من القنيطرة كانوا قد نزحوا الى مخيمات جوبر مما اضطرني إلى قص شعري الطويل ووضع شارة الهلال الأحمر وارتديت اللباس العسكري, وكنت مسئولة عن الطعام والشراب وتوزيع الأغطية والبطانيات وبطاقات نزوح وتأمين مساكن لهم وتوزيع الملابس وتأمين دخول الأطفال للمدارس وتشجيع الناس على التبرع بالدم للمصابين في المستشفيات غير آبهين بالغارات الجوية والقذائف وبأصوات المعارك. تعود بي الذاكرة وأنا أشعر بالفخر والاعتزاز عندما تحققت الوحدة العربية بين أبناء الشعب العربي متمثلة بسوريا ومصر وكانت قفزة نوعية في تاريخ البلدين وكنت من المؤيدين للوحدة بكل ما فيها لأنها كانت أحد أهم الشواهد الرئيسية على انهزام العدو ولا أنسى أنني في تلك الأيام الخوالي أتيت بالنساء من الطرقات والشوارع والبيوت والدكاكين والدوائر ليصوتن للوحدة العربية ويدلين بأصواتهن ثم أرجعهن بسيارتي إلى أماكنهن ولم أترك باباً إلا وطرقته لكي أساهم في جعل هذه الوحدة تستمر وتثمر ولكن كانت الظروف أقوى وأقسى, وحصل الانفصال الأسود وكان وقعه عليّ كمن فقد حلماً قوياً كبيراً عاش فيه فترة طويلة ثم فقده بلحظة. وخاصة عندما حدثت نكسة يونيو 1967 ولكن تفجر الدم الذي يغلي في عروق العرب في عام 1973 في حرب أكتوبر التحريرية قلب المعادلة وكان جنودنا البواسل يثأرون لكل جرح أصاب طفلاً وشيخاً وامرأة, كلنا هتفنا وصفقنا وكنا مؤمنين أن النصر مؤكد, وعلينا أن نرمي جانباً باليأس والتخاذل ونقاوم الاشاعات الكاذبة وكلنا نحلم بيوم النصر الذي سيمن الله سبحانه وتعالى به علينا. ولا يفوتني عبر (الملف السياسي) أن أتذكر المؤتمر الذي عقد في وزارة الثقافة لصالح المسرح القومي في صوفيا وقد حضرت وفود العرب جميعاً ونظمنا مظاهرة وطفنا في شوارع المدينة ومشيت حافية القدمين أهتف (فلسطين عربية, ستعود القدس إن شاء الله). وبالصدفة كان رجل الفضاء (يوري جاجارين) يمشي بالشارع نفسه وقد سأل عمن أكون فقال له أحدهم إنها مواطنة وفنانة سورية تهتف لفلسطين فاقترب مني وقال لي: لابد وأن تصلوا الى ما تريدون ما دمت أرى هذه الحماسة, والله يوفقكم فعلقت على صدره الشارة الفلسطينية التي علقناها جميعنا أثناء المظاهرة على صدورنا وقلت له إننا أصحاب حق ولابد للحق أن ينتصر بالنهاية. أنا كفنانة لا أستطيع الفصل بين الفن والسياسة لأنهما يكملان بعضهما البعض فقد وقفنا نحن الفنانين يداً واحدة وموقفاً واحداً تجاه الأحداث المريرة التي مرت علينا خلال حياتنا, ونحن أمام الكاميرا نجسد ما نراه في حياتنا ونحن نسير على الطريق الذي رسمه لنا رئيسنا القائد الراحل حافظ الأسد. ولا أنسى فضله عندما سمح لي بمقابلته مع الفنان دريد لحام والفنان طلحت حمدي ووزير الثقافة آنذاك ولمدة ساعتين بحثنا خلالهما أموراً شتى وقال لي عندها انني متميزة في تفكيري ونظرتي للأمور. وقد اعتبرت هذه الجملة وساماً أعلقه على صدري أينما ذهبت لأنني لم أر مثل هذا الرجل الحكيم طوال حياتي, ولقد ظل ثابتاً على موقفه عشرات السنين لم يغيره ولم يستبدله. له موقف محدد وواضح تجاه كل الأمور وخاصة موقفه من القضية الفلسطينية التي لا يزال أهلنا في الأرض المحتلة يخوضون من أجلها صراعاً يومياً دائماً وهم يواجهون بالإيمان والحجارة قوات الاحتلال المدججة بأحدث الأسلحة. ولا يسعني وأنا أستعرض ذكرياتي ومساهماتي المتواضعة في خدمة الأمة والوطن إلا أن أوجه تحية من القلب إلى رجال المقاومة وأطفال الحجارة في نضالهم الصامد وأقول لهم: نحن معكم وشعارنا النصر أو الشهادة.