الملف السياسي: تحولت اعمال التجسس لدولة ضد اخرى في الربع قرن المنصرم من الوسائل والطرق التقليدية القديمة ــ باستخدام كاميرات التصوير لقاعدة عسكرية او هيئة ادارية مهمة ــ الى اساليب حديثة جدا بفضل التكنولوجيا المتطورة, فليس من المبالغة في شيء ذكر ان اقمار التجسس وطائرات وصواريخ اوروبية وامريكية مزودة بكاميرات خاصة تعمل بالاشعة, ما يسمى بالحمراء والصفراء والليزر يمكنها وهي تطير على ارتفاع عال تصوير سطح بناية وتخترق هذه الاشعة داخلها, حتى ان عنوان كتاب على رف مكتبة خاصة يمكن قراءته!, لكن يبقى العنصر البشري مهما حيث ان اهم واخطر ما تسعى اليه اجهزة الاستخبارات هو كيف يفكر صناع ومفكرو السياسة ورجالات العلم والاقتصاد وفيما يفكرون حيث ان الصراع الحقيقي في القرن الجديد هو الحرب الاقتصادية في الوقت ذاته تبقى ضرورة سبر اغوار عمليات التجسس بماضيها وحاضرها.. اهدافها واساليبها.. على درجة كبيرة من الاهمية. نشأة الموساد الاسرائيلي لقد كان السبب الرئيسي لتأسيس جهاز الاستخبارات الاسرائيلية في سنة 1937 هو ترتيب عمليات هجرة اليهود سرا للأراضي الفلسطينية, وذلك بمبادرة من القاعدة السياسية للحركة العمالية الاشتراكية التقطت قيادتها فكرة المبادرة واجتمعت مع القيادة العليا (للهاجاناة) وتم الاتفاق على تأسيس منظمة الهجرة الثانية والامن بالاسم العبراني (العلياه بت) المعروف حاليا بالموساد, واضافة للهدف الاساسي كان لابد من تأمين وحماية عمليات تهجير اليهود بالسلاح الذي تم شراؤه من التبرعات السخية التي حصلت عليها قيادة جهاز الموساد من اصحاب الشركات اليهود وكبار التجار, وكثير منهم يهود شرقيون في مختلف البلاد العربية, ثم قامت داخل جهاز الموساد لجنة تلخصت مهمتها في: 1ــ مراقبة التجمعات والقيادات الفلسطينية واليهودية على حد سواء خاصة التي تتسم انشطتها بالأصولية او القومية. 2ــ متابعة قيادات وضباط الجيش البريطاني وجمع المعلومات عنهم. 3ــ عمل خطط توزيع الاسلحة على المستوطنين الجدد. وفي عام 1938 اصبح للموساد اهداف واضحة وانشطة ظهرت نتائجها الاولى, حيث شجع هذا الامر على تشكيل قيادة مركزية في العاصمة السويسرية جنيف, ومنها تم تجنيد عملاء في هولندا وبلجيكا وكان الاهتمام الاكبر بألمانيا لمراقبة اعمال النازية, حيث تكونت هناك اول خلية استخباراتية منظمة للموساد وعن طريق الهاربين من النازية الالمانية الذين اتخذوا من العواصم الاوروبية مثل لندن وباريس كانت النواة الاولى لتأسيس شبكات الموساد, وعدد كبير من هؤلاء اليهود كانوا من المتطوعين للعمل دون مقابل مادي, ثم تطورت اعمال الموساد بفضل انضمام ضباط محترفين من بريطانيا وامريكا وبدأت عمليات شراء وتهريب الاسلحة من مدينة ميلانو الايطالية بتشكيل قسم خاص للنقل البحري, يقوم بشحن الاسلحة والذخيرة عبر موانىء سرية في اوروبا وتنقل بعد ذلك لفلسطين, وكانت عناصر وأعوان للموساد تقوم ايضا بالسطو على القواعد الامريكية في اوروبا وتسرق الاسلحة والسيارات الكبيرة, اضافة لتقديم الرشاوى المالية الكبيرة وهو الاسلوب الذي بدأه آنذاك رئيس الموساد في اوروبا (ايهود افريل) بعد تولي الشيوعيين الحكم في براغ عام 1947 بمساعدة السوفييت ووجود علاقة ايديولوجية سياسية بين عناصر من الحركة العمالية الاشتراكية اليهودية ــ التي اسست الموساد ــ والشيوعية ساهم في تسهيل شراء الطائرات والسفن وتحميلها بالاسلحة ونقلها للاراضي المحتلة, وبذلك قام الموساد بدور في تأسيس اسرائيل بفضل الاسلحة في فلسطين, وكان (ايسير هاريل) هو اول رئيس للموساد بعد اغتصاب فلسطين, وهو من مواليد روسيا عام 1912 ووالده صهيوني. ليفي مزراحي بطل من ورق حظيت عملية تجنيد الموساد لليهودي العراقي (ليفي مزراحي) من سنة 61 وحتى 65 باهتمام اصطنعته ورتبت له ودعمته المخابرات الاسرائيلية التي امدت دور النشر والمؤسسات الاعلامية في العالم بالمال لالقاء الاضواء عليه لتصنع منه بطلا اسطوريا, وليفي الذي ولد في مدينة الاسكندرية في 26 فبراير 1934 كان والداه من يهود العراق قد هاجرا لمصر عام 1914 بعد تفجر الحرب العالمية الاولى, وكان ليفي من هواة جمع صور هياكل الطائرات منذ ان كان في الرابعة عشرة من عمره, وكذلك الاحتفاظ بصور الاسلحة والسيارات وهو واحد من اثنين فقط من اليهود اللذين قبلا بجامعة فاروق الاول في الاسكندرية سنة 46 حيث التحق بكلية الهندسة, وحاول طوعا الالتحاق بالخدمة العسكرية الاجبارية لكنه لم يقبل, وفي عام 47 سافر اشقاؤه لاسرائيل وبقي هو لمواصلة دراسته وقد اعتقل (ليفي مزراحي) ضمن عدد من اليهود عقب ثورة 23 يوليو عام 1952 وذلك لقيامه بأنشطة صهيونية داخل مصر, لكن افرجت عنه السلطات المصرية لعدم ثبوت ادلة عملية ضده, فقد كان ليفي منتسبا لوكالة الهجرة لاسرائيل ــ التي تقوم بتهجير اليهود لفلسطين بطريقة غير شرعية ــ وعمل بها ساعي بريد, وفتح منزله لضعاف النفوس من موظفي الهجرة والجوازات في ميناء الاسكندرية للمادة وتقديم الخمر والنساء لهم في مقابل غض الطرف عن تهريب اليهود, وعن طريق ذلك تمكن من تسفير عائلته لاسرائيل. لوكيربي والموساد ذكرت صحيفة الاهرام المصرية في نهاية سبتمبر 1998 خبرا يفيد ان مصادرها في العاصمة الاردنية عمان اكدت ان الاستخبارات الاسرائيلية هي التي فجرت الطائرة الامريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية في 21 ديسمبر عام 1988 وذلك لوجود عملاء لها على متن الطائرة لديهم معلومات عن اماكن زرع خلايا في اجهزة كمبيوتر تباع للبلاد العربية, وانها استخدمت (خالد جعفر) الامريكي من اصل لبناني والذي كان يعمل لحساب تاجر مخدرات له علاقات مشبوهة بوكالة الاستخبارات الامريكية. وتجدر الاشارة الى ان كاتب هذا الموضوع يتابع في كامب زايست بهولندا جلسات محاكمة (عبدالباسط المقراحي والامين خليفة فحيمة) الليبيين المشتبه في ارتكابهما حادث تفجير الطائرة بانام, وقد كشفت عملية المحاكمة على لسان اكثر من شاهد الاشتباه في تورط (خالد جعفر). 25 شبكة تجسس على مصر في 10 سنوات كانت اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر واسرائيل في عام 79 بداية لمرحلة شديدة الخصوبة حيث اتاحت فرصة حرية التنقل والسفر لأن يزرع الموساد جواسيس في مصر, وهو الامر الذي كان من الصعب تحقيقه قبل الاتفاقية, وبداية من عام 85 حينما قبضت سلطات الامن المصرية على 9 اشخاص من ضباط الموساد في الاسكندرية وبور فؤاد وبورسعيد, وكان هؤلاء دخلوا مصر تحت غطاء السياحة, وحتى عام 1996 بإلقاء القبض على الجاسوس عزام عزام, وهو الامر الذي يؤكد ان اتفاقيات السلام بين اسرائيل ودول عربية لم توقف الصراع بل اشتدت حدته, فمصر التي فتحت ابوابها لاسرائيل تعاني من محاولات الموساد المستمرة لتهريب المخدرات والداعرات لداخل البلاد وزرع شبكات التجسس. اجهزة الاستخبارات العربية تواجه الموساد على الرغم من تعاون الموساد مع اجهزة استخبارات دول متقدمة تتلقى منها اسرائيل التكنولوجيا المتقدمة وتتبادل معها المعلومات, واستفادة اسرائيل بصور الاقمار الصناعية التفصيلية عن مواقع عربية مهمة ــ التي تحصل عليها من امريكا وروسيا وبعض الدول الاوروبية ــ الا ان الدول العربية مجتمعة لديها اجهزة استخبارات تفوق الموساد الاسرائيلي بمراحل, ولديها عيون وآذان وانوف وعقول داخل اسرائيل, وما كانت خطة الخدعة المصرية وعمليات التمويه التي ادت لانتصار حرب اكتوبر المجيدة عام 73 الا شاهدا على تقنية وقدرات العقول العربية, فقد وقعت اسرائيل في الفخ وشرك الخديعة حينما اعلنت وسائل الاعلام المصرية عن فتح ابواب الحج للجنود المصريين, ومشاركة الشقيقة العربية سوريا التي لم تعلن عن التعبئة العامة قبل ساعة الصفر لحرب رمضان. اما مصر التي تعتقد اسرائيل انها اصبحت مفتوحة الابواب لادخال المخدرات وزرع شبكات التجسس فيثبت التاريخ المعاصر قدرة السلطات الامنية المصرية على كشف عملائها اولا بأول, ومن لا تكشفهم, او من لا تريد كشفهم فهم تحت العيون والرقابة اما النظام الامني الليبي بلجانه الشعبية الجماهيرية فيصنع حائطا يجعل من الصعب بمكان اختراق الجواسيس للاراضي الليبية, وليس من المبالغة قول ان المحكات التاريخية المقبلة ستثبت قدرات العرب شعوبا وحكومات واستخبارات وعقولا تستطيع اسقاط الاسطورة الكاذبة التي يصنعها الاعلام الغربي لجهاز الموساد الاسرائيلي.