الملف السياسي: اتخذ الصراع بين اسرائيل والدول العربية اشكالا عديدة بدءا من المواجهة العسكرية والحرب المباشرة, ومرورا بالصراع السياسي والاعلامي وانتهاء بما يمكن تسميته بحرب الجاسوسية، او التجسس, وهذا النوع من الصراع كان يترافق عادة مع النشاط العسكري الذي تقوم به اسرائيل, فقد جرت العادة ان تقوم اجهزة الاستخبارات لدى الطرفين بعمليات متبادلة من اجل الحصول على اكبر قدر ممكن من المعلومات عن القوة العسكرية الموجودة لدى الطرف الآخر وجميع المعطيات التي تحدد مواقع هذه القوة واماكن توضعها وطبيعتها (اللوجتيكية) والاستراتيجية, وعلى امتداد سنوات الصراع الطويل, فقد سعت المخابرات الاسرائيلية (الموساد) الى محاولة اختراق الساحة العربية, عن طريق زرع اجهزة التنصت واستقطاب العملاء الذين يتم توجيهم من ادارة الموساد في عمليات سرية وسوداء في كثير من الاحيان, وعلى الرغم من ان المخابرات الاسرائيلية, قد سجلت عددا من الاختراقات الخطيرة والنوعية في بعض الاحيان, الا انها تعرضت في احيان اخرى للكثير من الفشل والاخفاق. فعلى سبيل المثال, فإن جهاز الموساد الاسرائيلي, قد فشل في تقدير الموقف السياسي والعسكري الذي سبق قيام حرب اكتوبر العام ,1973 وهو الامر الذي عرض امن اسرائيل للخطر من جهة ووجه الكثير من الانتقادات الحادة الى الموساد من جهة اخرى, وجرى التعبير عن ذلك من خلال تشكيل لجنة اغرانات التي قامت بتحديد اسباب فشل الموساد في نقل معلومات دقيقة عن الاستعدادات العسكرية العربية قبيل الحرب, وهو ما ادى الى ظهور تقرير رسمي اعترف فيه قادة جهاز المخابرات الاسرائيلية بالتقصير في عملهم والفشل التام في التحذير من حرب عام 1973 قبل وقوعها. ولا تزال هذ القصة تثير الكثير من ردود الافعال السلبية لدى اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بجميع فروعها ومستوياتها ولكن هذا الاخفاق لم يكن العلامة الفارقة في تاريخ الجاسوسية الاسرائيلية وصراع الارادات بين اطراف الصراع. اذ ان جهاز الموساد لا يزال حتى الآن يفاخر بالنجاح الكبير والنوعي والخطير الذي حققه في فترة الستينيات, عندما استطاع ان يزرع اخطر جاسوس في احدى الدول العربية, وهو الجاسوس كوهين الذي تؤكد مختلف المصادر انه لعب دورا خطيرا جدا في رسم استراتيجية عدوان الخامس من يونيو 1967 الذي شنته اسرائيل على الدول العربية واحتلت من خلاله اراضي ثلاث دول عربية هي الجولان وسيناء والضفة الغربية. وكشفت تفاصيل هذه العملية الواسعة عن دور حرب الجاسوسية في الوصول الى الخصم والكشف عن اسراره العسكرية والاستراتيجية. وأظهرت الكتب العديدة التي صدرت عن جهات اسرائيلية وعربية وغربية ان الجاسوس كوهين قد جسد بالفعل ذروة التجسس الاسرائيلي وعمليات الاختراق الصهيوني للساحة العربية. وكان هذا الجاسوس وهو يهودي مصري قد تعرف في الارجنتين على الفريق امين الحافظ الذي كان يعمل ملحقا عسكريا في السفارة السورية هناك واقام معه صداقة شخصية وجادة جدا, حيث قدم نفسه على انه رجل اعمال او مغترب سوري يحمل اسم كامل ثابت, وأنه يرغب بالعودة الى وطنه الام سوريا, لاستثمار امواله والمساهمة في تنمية بلاده اقتصاديا والغريب كما تؤكد جميع المصادر ان كوهين هذا تمكن من اقامة هذه العلاقة الشخصية مع الفريق امين الحافظ وذلك قبل فترة قصيرة جدا من قيام ثورة الثامن من مارس عام ,1963 الامر الذي يقود الى الاستنتاج بأن المخابرات الاسرائيلية كانت على دراية مسبقة بأن امين الحافظ سيتولى منصبا رفيع المستوى في سوريا, وهو ما تحقق بالفعل, عندما تولى قيادة الثورة الامر الذي افسح المجال امام كوهين لكي يعود بسهولة وأمان الى سوريا, وان يقيم علاقات واسعة جدا مع كبار المسئولين في الحزب والدولة, ومع رجال الاعمال والتجار والفعاليات الاقتصادية والدينية والسياسية والاعلامية واستغل الجاسوس كوهين شبكة العلاقات الواسعة التي اقامها مع السوريين لكي يقدم الى جهاز الموساد اغزر المعلومات واخطرها عن القوة العسكرية السورية وعن تدريبات الجيش وتسليحه والمناورات والخطط التي كان يقوم بها. وكان جهاز الموساد, يوجه الجاسوس كوهين في الاتجاه الذي يخدم مصالحه ويوفر له اكبر قدر ممكن من المعلومات ويدفعه الى توسيع علاقاته مع كبار المسئولين السوريين حتى وصل الامر الى حد ان الفريق امين الحافظ, قد عرض على صديقه محمد كامل ثابت (كوهين) تولى مناصب رفيعة في سوريا ويروي الجاسوس كوهين انه كان على وشك القبول بهذا العرض ولكن ادارة الموساد في تل ابيب طلبت منه الاعتذار عن تولي اية مسئولية والاستمرار في عمله ونشاطه بعيدا عن الاطار الرسمي, وقد روى هو في مذكراته تفاصيل حياته واقامته في دمشق والدور الخطير الذي لعبه في جمع ادق المعلومات عن الجيش السوري وعن المواقع العسكرية السورية في الجولان. وكان كوهين هذا يرافق امين الحافظ في كل زياراته السرية والعلنية لمواقع الجيش السوري في الجولان, واستطاع بوسائل عديدة ان يحدد مواقع انتشار القوات السورية في الجبهة, وأن يبعث بتقارير دقيقة جدا عن هذه المواقع الى ادارة الموساد في تل ابيب, لا بل انه استطاع وفق المصادر الاسرائيلية ان يرسم خارطة لوجتيكية متصلة لمواقع تمركز القوات السورية في الجولان, وهو الامر الذي ساعد اسرائيل كثيرا على تحديد نقاط الضعف والقوة لدى سوريا, وأن تحتل بسهولة الجولان في حرب يونيو عام 1967 وكما تقول الروايات ان الكشف عن الجاسوس كوهين قد تم بطريقة المصادفة, حيث ان السفارة الهندية في دمشق, اشتكت الى وزارة الخارجية السورية بأن اجهزة الارسال لديها تتعرض لنوع من التشويش غير المعروف مما دفع بالمخابرات السورية الى تحري الامر, وحرى استخدام بعض الاجهزة المتطورة لتحديد مصدر التشويش الذي تبين فيما بعد انه صادر عن الشقة التي كان يقطنها الجاسوس كوهين في مكان قريب من قصر الضيافة بدمشق, وعلى هذا الاساس تم كشف الجاسوس كوهين وجرى اعتقاله ومن ثم قدم الى محكمة عسكرية, كان من بين اعضائها العقيد سليم حاطوم الذي كان بدوره يعمل لصالح الموساد. ولا تزال المصادر المعنية تشكك حتى الآن في السرعة التي اتخذ فيها قرار من قبل المحكمة بإعدام الجاسوس كوهين, وذلك حتى قبل استكمال عملية التحقيق المطلوبة معه, الامر الذي قاد الى الاستنتاج بأن الموساد, ربما كان وراء التسريع في اعدام كوهين, حتى لا يكشف عن اسماء الشخصيات والعملاء السريين الذين كان قد جندهم لصالح المخابرات الاسرائيلية. ولا تزال اسرائيل حتى الآن تثير قضية الجاسوس كوهين حيث سبق لها ان طالبت في اطار مفاوضات السلام مع سوريا باسترداد رفات كوهين كجزء من هذه المفاوضات وحتى تذكر السوريين بوقائع هذه البقعة السوداء في تاريخهم الحديث. وعلى الرغم من الروايات التي تقول بأن هناك مبالغة كثيرة قد احيطت بالجاسوس كوهين وأن الجانب الاسرائيلي تعمد نسج العديد من القصص والحكايات المتعلقة به, حتى وصلت الى درجة الاساطير الا انها تعترف في الوقت نفسه بأن قضية الجاسوس كوهين تعد اكبر اختراق امني اسرائيلي للساحة العربية في تاريخ الصراع, ومقابل ذلك فقد سعت اجهزة المخابرات العربية عامة والمصرية خاصة الى تحقيق اختراقات امنية مهمة للساحة الاسرائيلية. ونجحت مرات كثيرة في الوصول الى مواقع عسكرية وامنية مهمة. وكان من ابرز هذه النجاحات ما حققته المخابرات المصرية التي استطاعت ان ترسل احد عملائها وهو (رأفت الهجان) الى اسرائيل, وأن تقدمه كطعم امني الى الموساد الذي وثق به, الامر الذي مكنه من الاقامة في تل ابيب لعدة سنوات, وتزويد المخابرات المصرية بأدق المعلومات والاسرار العسكرية والامنية عما يجري داخل اسرائيل وعن مجمل النشاط العسكري والاستراتيجي الذي كانت تقوم به آنذاك. كما ان المخابرات السورية, سجلت بدورها عدة اختراقات للساحة الامنية الاسرائيلية, سواء عبر اوروبا او من خلال الجولان, وهي اثرت بقوة على موازين القوى ومجرى الصراع. ولا تزال حرب التجسس والاستخبارات تتصاعد بين اسرائيل والدول العربية, حتى في ظل معاهدات السلام التي ابرمت بين الجانبين اذ ان قضية الجاسوس الاسرائيلي عزام عزام لا تزال حية, تتفاعل في مسار العلاقات المصرية ــ الاسرائيلية. وهي وصلت الى اعلى المستويات, حيث ان رئيس وزراء اسرائيل الحالي باراك طلب رسميا من الحكومة المصرية الافراج عن الجاسوس عزام, مقابل عروض مغرية, واستعانت بالولايات المتحدة للضغط على القاهرة لاطلاق سراح عميل الموساد, ولكن الحكومة المصرية رفضت كل هذه الضغوط واصرت على الاستمرار في اعتقال الجاسوس عزام عزام حتى الآن. وتؤكد هذه القضية ان معاهدة السلام بين مصر واسرائيل لم توقف حرب التجسس بين الجانبين بل زادتها ضراوة واتساعا, وهي مرشحة لأن تشهد فصولا مثيرة وقوية في المرحلة المقبلة, وبالفعل فإن عمليات التجسس التي تمارسها اسرائيل ضد الدول العربية في الوقت الحاضر لم تعد مقتصرة على جمع المعلومات العسكرية والاسرار المرتبطة بالتسلح والقضايا الاستراتيجية الحيوية, بل ان نطاقها اتسع ليطال كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية, فالمصادر المصرية تؤكد ان اجهزة المخابرات الاسرائيلية, تحاول معرفة كل ما يجري داخل مصر, وهي تمارس التجسس المنظم على الجيش والاقتصاد والمواقع الصناعية والمؤسسات المدنية وحتى مكاتب السياحة والسفر, وذلك في اطار استراتيجية جديدة, تهدف الى التأثير على مواقع القرار داخل الدولة المصرية, ودفع المؤسسات الحاكمة نحو توسيع وتعميق علاقات التطبيع والتعاون مع اسرائيل. وتؤكد المصادر العربية ان نشاط اسرائيل التجسسي والاستخباراتي, يزداد في هذه الايام, خاصة مع تعثر مفاوضات السلام على جميع المسارات, الامر الذي يوفر امام اجهزة الاستخبارات الاجواء المناسبة من اجل القيام بنشاطات محمومة, وفي كل المستويات والمواقع بحثا عن المعلومات والاسرار وبقصد زرع العملاء في كل مكان وامتلاك المعطيات الدقيقة التي تمكن كل طرف من فرض شروطه, واملاء ارادته على الطرف الآخر, ولن تتوقف هذه الحرب ما دام الصراع قائما وما دامت اسرائيل موجودة لأنها بالأساس مركز عالمي للتجسس زرع في قلب المنطقة العربية.