الملف السياسي: منذ ما قبل قيام دولة اسرائيل بسنوات عديدة, دعا منظرو الحركة الصهيونية إلى الحاجة الماسة والضرورية لإيجاد نشاط فعال يخدم توجهات الحركة ورؤيتها المستقبلية. باعتبار أن هذا النشاط يستلزم وجود جهاز أمني سري يأخذ على عاتقه مختلف المهام التي يستوجب القيام بها, وفي أولويات سلم هذه المهام ترتيب شبكات التجسس في الكثير من دول العالم وفي المقدمة منها الدول العربية والإسلامية. وقد بدأ العمل بشكل فعلي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, من خلال مجموعات يهودية متخصصة بكافة الاختصاصات بما في ذلك الدعاية والإعلام, وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد, بالإضافة إلى مجموعة من الفعاليات الاقتصادية والتجارية التي انخرطت هي الأخرى في هذه العملية التجسسية. وقد تمخض هذا الحراك الواسع والكبير عن تشكيل أول تجربة منظمة وإنشاء أول جهاز أمني تحت اسم, نيلي, ترأسته (سارة أرونسون), حيث اهتم أولاً وقبل كل شيء بجمع المعلومات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية وتقديمها لقادة المنظمات الصهيونية حيثما تواجدت. وكانت السباقة في الدعوة إلى ضرورة تكاثر المنظمات الصهيونية إلى أقصى حد ممكن, في دول العالم من خلال الكثير من المسميات والتخصصات, وبأشكال قانونية وغير قانونية, حسب ظرف هذه الدولة أو تلك. فمنها ما أخذ الشكل العسكري وأخرى هياكل اقتصادية كالشركات والمؤسسات, ومنها بشكل إعلامي كالصحف والمجلات ومراكز البحث, ومنها الآخر حمل اسم جمعيات خيرية وإنسانية اخترقت النسيج الأوروبي أولاً قبل أن تتوجه إلى منطقة الشرق الأوسط.. الخ. ومن قبيل التذكير أن هذه المنظمة, هي أول من شرع العمل للاستيطان اليهودي في فلسطين ونادى بطرد أهلها الأصليين منها. وعززت مقولة (شعب الله المختار) في التجمعات اليهودية المتناثرة في كل أصقاع العالم, وقد استخدمت في ذلك الترهيب والتكفير من جهة, والترغيب من جهة أخرى. فمن يتوافق مع هذه الفكرة يعتبر إنساناً جيداً, ويستحق أن يكون يهودياً مؤمناً. أما من يقف ضد هذه الفكرة والتنكر لها فعليه أن يتحمل نتائج موقفه, وأقلها حرق أو سرقة ممتلكاته, أو قتله إذا لزم الأمر. وقد أسست هذه المنظمة لخلق الوكالة اليهودية في عام ,1923 وعملت بالسر والعلن حسب الظروف الأمنية المحيطة, في حث اليهود على الهجرة إلى فلسطين مستخدمة مختلف الوسائل لتحقيق أهدافها بدءاً من الإقناع والتهديد والابتزاز, وانتهاء بالقيام بتدابير استفزازية عنوانها الأساسي معاداة السامية. وكان عملها يتجلى بتخريب أملاك اليهود, وضربهم واستباحة بناتهم من خلال مأجورين محليين, لكي تكون هذه الأعمال محفز ا على الهجرة إلى فلسطين. ومن الجدير بالذكر أن المنطقة العربية وبعض الدول الإسلامية مثل تركيا وغيرها كانت ساحة خصبة للعمل وممارسة هذه الأعمال اللا إنسانية. بالإضافة إلى العمل على تشكيل الشبكات السرية من غير اليهود, والتي تمثلت بمعظمها في جمعيات ونوادي وفعاليات ثقافية وإعلامية سياسية, وما زالت تمارس ذات الأساليب الخبيثة, لكن من خلال أسماء جمعيات ومؤسسات فوق قومية, والأمثلة أكثر من أن تحصى, ولسنا بصدد تعداد أي منها في هذا المقام. دون أن نغفل أن التجسس المنظم يعتبر مهنة مقدسة ومعترف بها دينياً عند اليهود, وذلك منذ القديم حسب الادعاءات الموجودة لديهم, ولهذا السبب بالذات نجد أن مثل هذه الشبكات والمنظمات البوليسية نشأت منذ وقت مبكر, وهي تقدم خدمات جليلة لمن يدفع أكثر, وهذا من خلال ادعائهم بأن موسى هو الذي وضع أسس الجاسوسية ونظمها على نطاق واسع, وادعى أن هذا أمر الهي مقدس, كما جاء في سفر العدد, الإصحاح الثالث عشر. وانطلاقاً من هذه القيم العدوانية التي يحملها اليهود, تحولت كل العصابات التي قامت باحتلال فلسطين والممتدة كما أشرنا في مناطق كثيرة من العالم, إلى شبكات تجسس تمارس شتى أنواع الإرهاب المنظم , وتحديداً في عصابتي الهاجانا وشتيرن, إلى مؤسسات أمنية بوليسية تحت بعض الأسماء والألقاب, وكان الأهم والأبرز التي ظهرت بين هذه الأجهزة للعلن كتسمية, جهاز الاستخبارات الإسرائيلية, الموساد, الذي يتطابق من خلال نشاطه على الخارطة العالمية, مع الرؤية الصهيونية بصنعة عامة, وليس على صعيد منطقتنا العربية والشرق أوسطية وحسب. لكن هذا النشاط تحول بشكل كبير باتجاه النظم العربية, حيث سجل جهاز الموساد نجاحات في الكثير من العمليات الإرهابية التي كان يقوم بها. ولا يزال, وهذا يعود إلى تاريخ نشوء هذا الجهاز, والى ما يتمتع به في حرية الحركة واتخاذ القرار. وأنه متمرس على القتل والتدمير والإرهاب وسفك الدماء والتعديات والقتل فوق المبادئ الأخلاقية وانتهاك كل القوانين الدولية والشرائع والمحرمات والمقدسات والأعراف. ولعل المساعدات الغربية اللامتناهية, التي قدمت لهذا الجهاز ولا تزال هي التي جعلت منه جهازاً ذائع الصيت إلى حد ما. لكن التطور النوعي في عمل الاستخبارات العربية, وكشف العديد من الشبكات والبرامج التي يعدها جهاز الموساد, قد هزت كثيراً من صورته الأسطورية, وهذا بدأ يظهر بكل وضوح بعد حرب اكتوبر عام 1973. وما تبع ذلك في لبنان, حيث عمل على إشعال الحرب الأهلية, وتوصل إلى اتفاق السابع عشر من مايو واجتياح 1982 . لكن النتيجة كانت الفشل الذريع وإسقاط كل ما حاكه من اتفاقيات. وقد تبدى ذلك في كشف الكثير من الشبكات السرية التي حاول الموساد زرعها في لبنان, بل بالعكس من ذلك, استخدم بعض من أعضاء هذه الشبكات التجسسية لمصلحة الأهداف الأمنية العربية, بحيث لحقت بجهاز الاستخبارات وقوات الاحتلال الكثير من المفاجآت, وأهمها فشل الإنزال الجوي في عام 1998 في لبنان في قرية الأنصارية التي تقع بين مدينتي صيدا و صور التي كانت تستهدف مواقع قيادية لحزب الله, ظناً من قادته بأنهم سينجحون في قتل واعتقال أكبر عدد ممكن من قيادات هذا الحزب,كما حصل عندما تم اعتقال الشيخ عبد الكريم عبيد والشيخ مصطفى الديراني من قبل, إلا أن اختراق جهاز الموساد كان طامة كبرى بالنسبة للإسرائيليين. لكن رغم الخسارات المتلاحقة ظل هذا الجهاز ممعنا في حربه بلا هوادة, وحاول قتل رئيس المكتب السياسي (لحركة المقاومة الإسلامية حماس), خالد مشعل, في عام 1997 في العاصمة الاردنية عمان, لكنه فشل أيضاً في هذه العملية, واستقال على أثرها رئيس جهاز الاستخبارات الموساد داني ياتوم, مما أدى إلى فضيحة دولية, وقد قادت هذه الفضيحة كندا هذه المرة بسبب استخدام عناصر الموساد لوثائق سفر كندية مزورة. ناهيك عن فضيحة عزام عزام في مصر التي رغم اتفاقيات السلام المبرمة لا تزال اسرائيل, مصرة على أسلوبها القديم الجديد في التجسس على العرب باعتبارهم أعداء أبديين, وقد بينت الأجهزة الأمنية المصرية مدى القدرة التي تمتلكها في كشف مثل هذه الشبكات وفضحها. لكن يجب التنبه إلى أن هذه الخسارات والمفاجآت, جعلت اسرائيل تغير في حربها السرية الموجهة ضد العرب بدون استثناء, فهي تعمل على ترتيب شبكات من نوع آخر, تحت مسميات جمعيات السلام والتنمية وبعض المشاريع الاقتصادية المغلفة بلباس إنساني, وتأخذ من أوروباً منطلقاً باتجاه المنطقة العربية, حتى تخفي حقيقتها. بالإضافة إلى تقديم الكثير من وسائل الدعم لبعض الكتاب ودور النشر والمطبوعات, التي تحاول تطبيع العقل العربي, من خلال الكثير من الخطابات المشوهة والمشوبة, وبعض المنظمات الأهلية, التي تدخل عليها شبكات الموساد الإسرائيلي بشكل غير مباشر وتكون هذه المؤسسات الغربية هي الوسيط لتمرير مثل هذه المشاريع الأمنية البوليسية, وهذا الكلام ليس من منطلق الاتهام, بقدر ما يجب أن يكون للتنبيه إلى حقائق قد تكون غائبة عن عقول بعض المثقفين. وعلى ما يبدو أن شبكة الاتصالات, الإنترنت, لم تكن هي الأخرى بمنأى عن الصراع الأمني البوليسي الدائر بين العرب والإسرائيليين, حيث كانت حصيلة الصراع سقوط 35 موقعاً للإسرائيليين على الإنترنت, بينها موقع الكنيست وبعض الوزارات, وحتى المواقع الشخصية وبعض السياسيين, مثل أرييل شارون, ومواقع مالية, والبورصة الإسرائيلية, ومواقع اقتصادية متعددة, بالإضافة إلى مراكز بعض أعضاء اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى رأسهم السيناتور الجمهوري رودي بوشيتيز عضو الكونجرس السابق وبعض أفراد أسرته والمخرج السينمائي ستيفن سبييلبرج وزوجته والإعلامي المشهور تيدا تيرنر مؤسس شبكة السي ان ان والممثلة جين فوندا والملياردير مان روزنبوج وعدد كبير آخر من مشاهير المجتمع الأمريكي. وهذا جاء رداً على المحاولات الإسرائيلية المتعددة في فتح نوافذ أمنية داخل أجهزة الاتصالات العربية خاصة العائدة للسعودية وحزب الله وحركة الجهاد الإسلامي, وقد انقلب السحر على الساحر. وقد أكدت ذلك الاستخبارات الألمانية على لسان رئيسها أن الحروب ستدور من الآن فصاعداً في مجال المعلوماتية, وخصوصاً الإنترنت, وقال (اوجست هانينج) مدير الجهاز ان الاستخبارات تهتم بالتكنولوجيا الجديدة والجيوش وتدرب جيوشها على القرصنة المعلوماتية مشيراً إلى اهتمام الدول بالفيروسات لشل أنظمة دول أخرى والتجسس عليها. وقد تكون حرب الإنترنت هي التعبير الحقيقي عن الحرب السرية الساخنة, التي تدور رحاها بين الأجهزة الأمنية العربية والإسرائيلية المدعومة من قبل السفارات الغربية المتناثرة في العواصم العربية, والتي تتناول كافة القطاعات ولم تقف عند حدود التجسس على القدرات العسكرية التي يمتلكها هذا البلد أو ذاك, والتي بدأت تطال القطاعات الاقتصادية والشركات التجارية النشطة.