الملف السياسي: أثناء حرب الخليج الثانية, فاخرت المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن قدراتها الاستخبارية بوسعها رصد كل شيء متحرك أو ساكن على ساحة القتال, ومما تم الترويج له في هذا السياق, أن هذه القدرات ترقى إلى إمكانية تحديد ماركات الملابس التي يرتديها القادة العراقيون, فكيف الحال بالنسبة للمعدات والأسلحة وأعداد الجنود ومواقعهم وتحركاتهم.. إلى آخر ما يتصل بالجهد العسكري العراقي, فضلا عن الاتصالات السلكية والرادارية على الأراضي وما تحتها وما فوقها؟! د وسواء صح هذا الادعاء أم كان جزءا من المعركة الدعائية الاعلامية الجبارة, التي أدارها التحالف الدولي في غمرة الحرب, فإنه كان يعبر عن التطور المذهل الذي بلغته تكنولوجيا التجسس ومتابعة قوة الخصوم الواقعيين أو المحتملين في السياسة الدولية وتفاعلاتها. وبسبب صدوره عن أكثر الدول تقدما على الصعيد التقني, فقد وجد الادعاء الأمريكي من يصدقه, رغم ما انطوى عليه من مبالغة. وفي الواقع, لا يمكن استثناء مفهوم التجسس والاستخبار من جملة المفاهيم التي تعرضت للتحول الكمي والنوعي على مدار الحقب التاريخية, غير أن أجواء السرية, والرهبة والغموض التي تحف بالجاسوسية, نظريا وحركيا, تجعل من رصد هذا التحول بشكل مفتوح, لاسيما على صعيد غير المتخصصين, مسألة صعبة, لكن المتفق عليه تواري صورة الجاسوس أو العميل التي ترسخت مطولا في الأذهان, حدث ذلك لصالح أدوات مستحدثه أخرى, أصبح بإمكانها تولي كثير من المهام بالإنابة عن العنصر البشري. لقد باتت عمليات التنصت والتصوير والتقاط المعلومات.. ومع تقديمها للمعنيين على نحو عاجل وطازج ودقيق, متاحة من البر والبحر والفضاء, عبر محطات تجسسية بالغة التعقيد تتحرك وتعمل على مدار الساعة, وأغلب الظن أن هذه الأدوات متاحة لمختلف القوى الدولية, صغيرها وكبيرها, ضعيفها وقويها و إن بمستويات مختلفة عن التركيز والقدرة على الأداء. وبالطبع ثمة محددات تؤثر على مدى الاهتمام بهذه الأدوات, في طليعتها حجم المصالح المقصود حمايتها أو تكوينها أصلا من هذه العمليات, وذلك بالتعامد مع حجم الموارد المتوفرة ودرجة التطور التكنولوجي , والموقع الحقيقي أو المطلوب الوصول إليه على سلم المكانة الدولية, وقبل ذلك وبعده, مدى الانغماس في قضايا خلافية ساخنة أو كامنة مع القوى الدولية الأخرى. وإذا كانت التحولات قد طاولت أدوات الجاسوسية الدولية بما أدى إلى التوظيف واسع النطاق للتقنية المتقدمة, فإن ذلك لا يعني بالمطلق الاستغناء عن العنصر البشري كل الذي حدث في هذا السياق, هو تبديل موقع هذا العنصر الأخير. فهو الذي يستقبل المعلومات ويحللها ويوجهها إلى جهات الاختصاص ويختبر دقتها ومدى الحاجة إليها. وهو أيضا الذي يعين مواطن التركيز والاهتمام على الخريطة الجغرافية الاستراتيجية وفقا للأهداف التي تحددها السياسة العامة. كذلك لحقت تطورات كثيرة بنوعية المؤهلات والملكات التي ينبغي توفرها في كوادر مؤسسات الجاسوسية فالتفاعل بين تقنيات التجسس وهذه الكوادر, يفترض إجراءات بالغة الحساسية عند انتقاء العاملين في هذه المؤسسات. وهذا يقودنا إلى أحد الجوانب الملتبسة في مفهوم التجسس المعاصر (والذي نحسب أنه بات منذ بضع سنين من الهموم المطروحة على جدول البحث الصهيوني العربي). إنه الجانب المتعلق بمجالات الاستخبار والأهداف المتوخاة من عمليات الجاسوسية. ففي حقيقة الأمر, لم يعد من السهل التمييز الواضح بين الأنشطة التي تصنف تحت مجال العمل الاستخباري, الذي يلحق الضرر بالأمن القومي (الوطنى) لدولة ما, وتلك التي تنأي بذاتها وبالقائمين بها عن شبهة إتصالها بهذا المجال. وتمثل هذه الزاوية إحدى الإشكاليات المطروحة أمام الفكر الإستراتيجي ولا ينتظر أن يتم العثور على حل مرض بخصوصها في الأمد المنظور. مضمون هذه الإشكالية بإيجاز, أن التداخل الشديد معطوف على الاعتمادية المتبادلة وسرعة التواصل بين الدول والمجتمعات, أفضى إلى حالة من الانكشاف والشفافية لكثير من المجالات, التي أعتبرتها الدول مطولا مما يدخل في عداد السرية لصيانة الأمن القومي. قديما, كان من العسير أن تتعرف دولة معينة على ما يعتمل في جوف دولة معادية, أو مرشحة للعداء, على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والنظامية.. الخ, تماما كصعوبة التغلغل إلى الحقائق المتعلقة بالقوة العسكرية, بدون إستخدام آليات التجسس عبر عناصر عملية, قد يتم إرسالها من الخارج أو تجنيدها في الداخل.. وكان هذا الأسلوب التقليدي عرضه للمطاردة والانفضاح ثم الانهيار من خلال آليات مضادة, تعرفها الأجهزة والمؤسسات المختصة. أما في الوقت الراهن, وبالنظر لحقائق العصر, فإن معالجة المهمات (المجالات) التي تحوط بها شبهة العمل الاستخباري والإضرار بالأمن الداخلي أو الخارجي, ما عادت بالأمر الهين. ذلك على الأقل لاختلاط هذه المجالات بغيرها من أنشطة بريئة بطبيعتها من هذه الشبهة. وكذا بسبب التغطية الجيدة التي تضفيها بعض القطاعات (السياحة العمل الدبلوماسي, البعثات العلمية, التعاون الأمني أو الصناعي).. وغيرها من هذه المهمات. وتخضع هذه الناحية في بعض الدول العربية, حديثة العهد بالانفتاح الاقتصادي والسياسي والتفاعل المكثف على الصعيد الدولي, لنقاش مكثف. وثمة مدرسة فكرية (استراتيجية), يتزايد أنصارها بمرور الوقت, تبدي مخاوفها إزاء نتائج هذا الانفتاح على الأنشطة الاستخبارية الدولية. وبين أمثلة كثيرة يطرحونها لتأكيد هذه المخاوف, يتحدثون عن دور التعاون العسكري أو المناورات المشتركة بين بعض الجيوش العربية والجيوش الغربية, لاسيما الجيش الأمريكي. ويرون أن من شأن هذا المجال المستجد, انكشاف جيوش بعض الدول (الحليفة لإسرائيل) على أسرار عسكرية عربية بشكل مباشر. ومن المفارقات أن الهاجس الأمني أضحي أكثر الحاحا وامتدادا وإنتشارا في عالمنا المعاصر, بحيث تبلورت قناعة عند المهمومين به, مفادها أن كل معلومة صغيرة وكبيرة عن حياة الدولة, يمكن أن يكون التعرف عليها مدخلا للإضرار بأمنها في لحظة من اللحظات. وهو ما يؤدي إلى نوع من التعارض بين قضيتي التواصل والانفتاح من جهة والأمن من جهة أخرى, ويقع مفهوم التجسس والجاسوسية في قلب هذه الإشكالية, فمن وجهة نظر تستحق التدبر, يتساءل البعض عن كيفية الوفاء باستحقاقات إتجاه الانفتاح والتفاعل مع درء خطر التجسس ورياحه التي تهب بقوة مع هذا الاتجاه؟! وكما لحقت التطورات بأدوات الجاسوسية ومجالاتها, فقد طرأت تحولات لا تقل أهمية على أهدافها. فالتلصص على أسرار الأعداء القائمين والمحتملين هدف ثابت في كل الأحوال, لكن الاصدقاء والحلفاء ليسوا استثناء في هذا السياق. وبشيء من المبالغة, أصبح التجسس على الجميع مطلبا وهدفا للجميع. وقد كانت إسرائيل سباقة في الأخذ بهذه النظرية, مثلما يسجل لها نوع من السبق في توسيع المجالات موضوع التجسس. فمن الجدير بالملاحظة, أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية, متعددة الأسماء, مارست عمليات تجسسية ضد أكبر حلفائها, الولايات المتحدة, منذ الخمسينيات. وكانت المجالات العلمية والمتعلقة بالتطور البحثي في حقل التكنولوجيا الراقية والذرة, موضوعا أثيرا لديها. وهو أمر اطلع به في واشنطن مكتب (ليكام) أو مكتب العلاقات العلمية, الذي استمر في مهمته الاستخبارية إلى أن اكتشف الجاسوس (جوناثان بولارد). ومع سبقها هذا, فإن إسرائيل باتجاهها العتيد للتجسس على الحلفاء, مجرد نموذج يمثل لاتجاه عام. فالجاسوسية العلمية والبحثية أضحت نمطا معروفا في العلاقات الدولية (بين الأمريكيين والروس وبين هؤلاء وهؤلاء والأوروبيين واليابانيين والصينيين والهنود والباكستانيين.. الخ) أيمكن بعد ذلك التشكيك في صحة المخاوف من الأنشطة التجسسية على العرب, كل العرب, من جانب إسرائيل, وهي عدو قديم وحاضر ومستقبلي لهم؟!