الملف السياسي: على مر تاريخ الصراع العربى الاسرائيلى كانت هناك حرب تدور بين أجهزة الاستخبارات لدى الطرفين, حرب لا تقل أهمية عن الحروب العسكرية التى شهدتها المنطقة بين الجانبين, حيث حرص كل طرف على أن يستخدم كل امكانياته من أجل تحقيق النصر فيها وبما يخدم قضيته, ومن هنا كانت عمليات زرع العملاء من اجل جمع المعلومات وتحليلها للوقوف على قوة الطرف الآخر, كما كانت هناك العمليات التخريبية والارهابية التى قام بها الموساد ضد أفراد وأهداف عربية. (الملف) التقى الخبير الاستراتيجى اللواء طلعت مسلم واحمد ابراهيم محمود الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لالقاء الضوء حول دور جهاز الموساد فى الصراع العربى الاسرائيلى وكذلك دور المخابرات العربية وخصوصا المصرية فى مواجهة هذا الجهاز وعلاقة الموساد بأجهزة المخابرات الأوروبية والأمريكية, ودور الموساد فى الحروب العربية والاسرائيلية ونشاطه بعد اتفاقيات السلام مع الدول العربية وأدوات الجاسوسية وتغيرها فى السنوات الاخيرة, وقضية التجسس الأخيرة ودلالاتها. نشاطات مختلفة بداية يرى الخبير الاستراتيجى اللواء طلعت مسلم أن دور جهاز الاستخبارات الاسرائيلية الموساد فى الصراع العربى الاسرائيلي دور مستمر ومتصل ومنذ بداية الصراع بمعنى انه ومنذ بدأت الهجرة الصهيونية الى ارض الميعاد فى فلسطين كانت لأجهزة الاستخبارات الصهيونية دورها فى الترتيب والاعداد لهذه الهجرة سواء من ناحية انتقاء الأفراد الذين سيهاجرون من حيث ملاءمتهم للدور المنوط بهم بعد ذلك, ومن ناحية أخرى متابعة نشاطاتهم المختلفة سواء قبل الهجرة أو بعدها, كما كان لهذه الأجهزة دورها واتصالاتها مع الجهات التى كانت مسئولة, عن فلسطين اثناء حدوث الهجرة سواء ابان الحكم العثمانى أو الانتداب الانجليزى.. أيضا كان لهذه الأجهزة دور بعد ذلك فى أعمال التخريب والارهاب التى تمت ضد السكان الفلسطينيين ومحاولة طرد هؤلاء السكان وتخويفهم والضغط عليهم لشراء أراضيهم, أى ان هذا الجهاز كان له دور كبير فى انشاء الدولة الصهيونية فى فلسطين, ثم تطور دوره بعد اعلان هذه الدولة والاعتراف بها من العديد من دول العالم الى ممارسة جميع أنواع عمليات التجسس على الدول العربية وغيرها من الدول الاخرى من حيث زرع العملاء وأعمال الارهاب مثل عملية الطرود المتفجرة التى أرسلت للخبراء الألمان الذين كانوا يتولون تطوير الصواريخ المصرية, وما تم الكشف عنه وأطلق عليه فضيحة لافون كما سعت هذه الأجهزة دائما للحصول على المعلومات التى تفيدها وخاصة أوقات الحروب مع الجانب العربى ولوحظ أن تركيزها كان دائما على مصر والتى تعتبرها العدو الرئيسى لها فى المنطقة ومنها حرصت على زرع الكثير من العملاء لها فيها والذين تم القبض على بعض منهم, وتقديمهم للمحاكمة ومنهم من تم اعدامه بالفعل. ويؤكد اللواء طلعت مسلم على ان الدور الذى قامت به الموساد بالنسبة للصراع العربى الاسرائيلى كان فى غاية الأهمية لارساء قواعد الدولة الصهيونية فى المنطقة حيث كان عليها دور كبير فى التمهيد والاعداد لكل العمليات سواء التخريبية والارهابية أو العسكرية, ورغم انها قد منيت بالكثير من الهزائم والاخفاقات خلال عملها, فإن ذلك لا ينفى انها نجحت فى اعمال أخرى كان لها تأثيرها, ولكن علينا الا نغفل انه كان هناك دور لا يقل أهمية قامت به أجهزة المخابرات العربية وخاصة المخابرات المصرية والسورية, تمثل فى إبطال الكثير من عمليات الموساد والقبض على عملائها سواء فى المنطقة أو خارجها وكذلك فى القيام بعمليات ناجحة ضد بعض الأهداف كما حدث للحفار الاسرائيلى فى داكار. أمر طبيعي وفيما يتعلق باستمرار نشاط الموساد ضد الدول العربية, رغم توقيع اتفاقيات سلام مع بعض الأطراف العربية يقول اللواء طلعت مسلم: علينا الا نندهش من ذلك حيث انه من الطبيعى ان تستمر الأنشطة التجسسية ضد الدول وخاصة دول المواجهة, فالموساد سوف تستمر فى جمع المعلومات عنا والقيام بكل مامن شأنه اضعاف مواقفنا وخاصة على الصعيد الخارجى, فهذه الأجهزة التجسسية الاستخباراتية لها عمل فى وقت السلم مثلما لها عمل فى وقت الحروب وهى الآن تركز على محاولات تدمير وتخريب العلاقات العربية/ العربية, والعلاقات العربية ببعض الدول الأخرى, أما القول بأنها كان يجب عليها التوقف عن نشاطها ضدنا لأن هناك اتفاقيات سلام فهذا كلام غير علمى, والا كيف نفسر قيام الموساد بأعمال التجسس على دول صديقة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من الدول التى تقدم المساعدات الكثيرة لاسرائيل ومنها المساعدات فى مجال العمل الاستخباراتى, أى ان استمرار نشاط الموساد ضد الدول العربية ورغم توقيع الاتفاقيات هو أمر طبيعى. أدوار بطولية رائعة وعن دور المخابرات المصرية وطبيعة أدائها فى مواجهة الموساد يؤكد اللواء طلعت مسلم أن المخابرات المصرية قامت بأدوار بطولية رائعة ومنذ انشائها من حيث جمع المعلومات عن العدو الصهيونى وفى هذا المجال نجحت المخابرات المصرية فى زرع الكثير من العملاء داخل اسرائيل وتجنيد آخرين خارجها, كما كان لها دور فى مواجهة أعمال التجسس المضادة وقد نجحت فى ذلك بدرجة كبيرة جدا حيث تم القبض على الكثير من العملاء والكشف عن العديد من شبكات التجسس ومنهم الجاسوس عزام عزام وشريف الفيلالي الى وفائقة مصراتي ووالدها, وهبة سليم وغيرهم من الجواسيس.. لقد أثبتت المخابرات المصرية كفاءة عالية وخاصة فى فترة احتدام الصراع العربى الاسرائيلى. وحول علاقة الموساد بأجهزة المخابرات الأمريكية والأوروبية يقول اللواء طلعت مسلم: يجب علينا أن ندرك أن مجال عمل جهاز الموساد هو خارجى ويتعلق بأمور تمس مصالح وأمن أطراف خارجية وبالتالى لابد أن يكون هناك تعاون بينه وبين بعض أجهزة المخابرات الأخرى وخاصة الـ CIA نظرا لطبيعة التحالفات والعلاقات الاسرائيلية الأمريكية, فمعروف أن هناك تنسيقا قويا بين الجهازين وتبادل المعلومات حول الكثير من القضايا والأمور وهذا أمر لا يخفى على أحد ويكفى هنا أن اشير الى الاجتماعات الأمنية التى تتم داخل الاراضى المحتلة وخارجها ويحضرها مسئولون فى الـ CIA , كما لا يخفى على أحد انه تم الكشف عن الكثير من العمليات التجسسية التى تعاون فيها الجهازان الموساد والـ CIA . ويعتقد اللواء طلعت مسلم أن أدوات الجاسوسية كما هى ولكن الجديد هو التقدم الرهيب فى تكنولوجيا التجسس, أى ان الأدوات القديمة لم يتم الاستغناء عنها من حيث استخدام سلاح الإغراء بالمال واستخدام النساء فى الايقاع بالعملاء, ولكن التطور الواضح فى الأدوات هو التكنولوجيا الفائقة التى باتت تستخدم الآن فى العمليات التجسسية والاستخباراتية, أيضا يعتقد أن الدلالة الكبرى بالنسبة للاعلان عن عملية التجسس الأخيرة تم القبض فيها على الجاسوس شريف الفيلالى لا تكمن فى توقيت الاعلان وقت تصاعد حدة المواجهات والتوتر بين الجانبين العربى والاسرائيلى بسبب الانتفاضة, ولكنها تكمن فى الأسلوب الذى اتبعته القاهرة فى الاعلان عن هذه العملية من تهليل اعلامى كبير وهو ما فسره البعض محاولة لكسب التأييد الشعبى العربى. جمع وتحليل المعلومات من ناحيته يرى أحمد إبراهيم محمود الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) لعب على الدوام دورا محوريا فى قضايا الصراع العربى ـ الإسرائيلى, سواء فى جمع وتحليل المعلومات أو تجنيد العملاء فى الدول الأخرى عموما, وفى الدول العربية خصوصا, وتنفيذ عمليات الاغتيال للخصوم, وتقديم المشورة السياسية لصانعى القرار فى الحكومة الإسرائيلية, بالإضافة إلى القيام بالأنشطة السرية العديدة, وفى مقدمتها تغذية ظروف الانفصال فى الدول العربية ودول المنطقة, واختراق المجتمعات العربية, وتنفيذ الإجراءات المضادة من اجل ضرب الجماعات الفلسطينية واحتواء العمليات الفدائية لتلك الجماعات, متابعة التطورات الجارية فى القوات المسلحة العربية, وبالذات فى كل من سوريا ومصر والمملكة العربية السعودية, بالاضافة الى متابعة التطورات التسليحية الجارية فى القوات المسلحة الايرانية, مع التركيز فى جميع هذه الحالات على التطورات الجارية فى مجال اسلحة الدمار الشامل والقدرات الصاروخية. سلسلة من الفضائح ويؤكد أحمد ابراهيم محمود انه على الرغم من السمعة الهائلة التى يسعى الإسرائيليون دائما إلى إسنادها إلى جهاز الموساد, باعتباره جهازا شديد الفاعلية, ولا يخطىء فى عمله, ويصارع أجهزة الاستخبارات الأمريكية والروسية والأوروبية, إن لم يكن يفوقها, إلا أن هناك العديد من الانتكاسات التى شهدها جهاز الموساد طوال تاريخه, وكان أقربها بطبيعة الحال سلسلة من الفضائح والاخطاء الفادحة التى جرت للموساد فى عهد رئيس الحكومة السابق بنيامين نتانياهو, والتى أدت إلى استقالة رئيسه وقتذاك دانى ياتوم. وبصفة خاصة, كانت هناك ثلاث فضائح محددة, تمثلت الفضيحة الاولى منها فى المحاولة الفاشلة لاغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) فى العاصمة الاردنية, والفضيحة الثانية هى انكشاف امر العميل الاسرائيلى يهودا جيل الذى ظل يمد الموساد على مدى 21 عاما بمعلومات ملفقة عن استعدادات الجيش السورى, بصورة كادت ان تؤدى الى نشوب حرب لا داعى لها بين سوريا واسرائيل عامى 1980 و1996.اما الفضيحة الثالثة, فقد تمثلت فى القبض على عملاء تابعين لجهاز الموساد فى العاصمة السويسرية برن, على اثر محاولتهم زرع اجهزة تنصت فى منزل احد اللبنانيين المتعاطفين مع حزب الله. وقد سببت كل فضيحة من هذه الفضائح ازمة ما فى اداء وعمل جهاز الموساد. وقد ألحقت هذه الفضائح أضرارا فادحة بجهاز الموساد نفسه, سواء على صعيد سمعته الداخلية والخارجية او على صعيد فاعليته فى اداء الاهداف والمهام المنوطة به خلال الفترة الحالية والمقبلة. ولكن يظل أخطر هذه الفضائح فضيحة العميل البارز فى الموساد يهودا جيل, والتى مثلت سابقة بالغة الخطورة من نوعها, حيث انطوت على خيانة للامانة بالنسبة للمعلومات الحيوية فى مجال الاستخبارات, فقد ظل جيل يزعم لسنوات طويلة انه يلتقى مع عميل سرى سورى, وهو يحمل رتبة عسكرية كبيرة فى الجيش السورى, وكاد جيل ان يتسبب فى اغسطس 1996 فى نشوب حرب بين سوريا واسرائيل, حينما قام بتلفيق تقارير عن رغبة سوريا فى استعادة هضبة الجولان المحتلة عن طريق الحرب. وكادت هذه المعلومات الملفقة أن تشعل حربا بين البلدين عامى 1980 و,1996 ولكن حال دون وقوع الحرب بينهما, ان الولايات المتحدة نفت هذه المعلومات, كما تدخلت مصر من اجل احتواء الموقف وقتذاك. مكاسب شخصية ويشير أحمد ابراهيم محمود إلى أن جهاز الموساد يعانى فى الوقت الحالى من العديد من الظواهر الخطيرة, واخطرها على الاطلاق ظاهرة تسرب المعلومات السرية, التى تحدث إما فى إطار نزاعات داخلية فى جهاز الموساد او لتحقيق مكاسب شخصية. وقد ادت هذه الظاهرة الى ازدياد حالة القلق والغضب فى المحافل الامنية الاسرائيلية, ووصل الامر الى درجة مطالبة حزب العمل المعارض بسن قانون ينظم عمل الموساد وإجراء تحقيق لكشف المسئولين عن تسريب المعلومات السرية. وهناك أيضا مشكلات مجتمعية عامة يعانى منها المجتمع الاسرائيلى , وتنعكس بالضرورة على جهاز الموساد, وتتمثل فى ان هناك شعورا عاما فى المجتمع الاسرائيلى بوجود حالة سلام بين اسرائيل والدول العربية, ولم يعد كيان دولة اسرائيل مهددا بخطر الحرب والزوال. وبالتالى, شاعت قناعة عامة فى المجتمع الاسرائيلى, وبالذات لدى العناصر المثقفة والذكية والنشيطة من الشباب الاسرائيلى, بانه لم يعد من الضرورى - من وجهة نظرهم - القيام بما قام به آباؤهم فى المجالات العسكرية والامنية والاستخبارية. ولذلك, فقد تقلص سحر الاجهزة الامنية الاسرائيلية, واصبح التفضيل الشائع فى اوساط كثيرين من الاشخاص الذين كانوا سيدخلون جهاز الموساد ان ينتقلوا الى الخارج بحثا عن زيادة فى الراتب او الانضمام الى شركات التكنولوجيا المتقدمة فى المدن الساحلية الاسرائيلية, حيث يكون خطر نشوب حرب بعيدا هناك, وهوما يقلل بالضرورة من حجم الوعاء البشرى الذى يمكن للموساد الحصول على احتياجاته منه فى المستقبل. وفيما يتعلق بطبيعة نشاط الموساد فى الفترة الحالية وبعد الدخول فى العملية السلمية مع الجانب العربى يقول أحمد ابراهيم محمود المعلومات القليلة المتاحة تشير إلى أن هناك العديد من الأولويات التى يركز عليها جهاز الموساد فى الوقت الحالى, وأبرزها تطوير طرق وترتيبات جمع المعلومات من الدول البعيدة عن اسرائيل, والاصلاح الجذرى للقوة البشرية العاملة فى الموساد, ولوسائل التأهيل والتدريب, من خلال استقطاب عناصر شابة ومؤهلة وجاهزة لهذه المهمات الخطيرة, بالإضافة إلى تغيير طريقة التعيينات الداخلية فى الموساد, بحيث يجرى اختيار المسئولين على اساس شروط شديدة الصرامة حتى يكونوا قادرين على اعطاء مايريده منهم رؤسائهم. وأخيرا, فإن هناك تركيزا كبيرا على إدخال إصلاحات على اهداف عمليات الموساد التى تقوم بها, وتحسين وسائل الاعداد والتجهيز للعملية.