الملف السياسي: سوف يشهد المستقبل طائفة من الامم الصغيرة والمستقلة تكون المعرفة بالنسبة لها هي خط الدفاع الاول عنها. هذه العبارة التي كتبها العالم اليهودي المولود في المانيا في نهاية القرن التاسع عشر، (تشارلز بورتيوس شتاينميتس) كانت المفتاح السحري الذي استخدمه الصهاينة لوضع اسس وجذور الدولة العبرية التي كانت ولا تزال حتى هذه اللحظة في رحم الغيب وقد استشعر الالمان خطورة هذا العالم اليهودي فلاحقوه وسجنوه بسبب معتقداته ونشاطاته الاشتراكية مما اضطره للرحيل الى الولايات المتحدة الامريكية ليضع القاعدة السحرية لكيفية انشاء دويلة صغيرة وسط امم اكبر تحيط بها وتكن العداء كل العداء لفكرها وجهودها. لقد اخذ قادة هذه الكيان الوهمي الذي يحاول الخروج الى الدنيا كلمات هذا العالم الصهيوني وحللوا كل حرف وكلمة فيها بعد ان اقتنعوا تماما انها القاعدة الاساسية لوجودهم وبقائهم. كانت الارضية سهلة جدا عندما فكر قادة اسرائيل او عصاباتها في ذلك الوقت لجمع العملاء والجواسيس والحقيقة ان كل يهودي جاسوس بطبعه حتى ولو كان يعيش في بلد ولد فيها ويحمل جنسيتها كاليهود من اصل مصري او سوري او يمني او مغربي او بولندي او روسي او حتى امريكي وبريطاني فالشخصية اليهودية تتكامل فيها كل مقومات الجاسوس او العميل السري واهم هذه المقومات الدهاء والمكر وحب المال والتضحية بأي شيء مقابله ولا مكان عنده للفضيلة والشرف والاخلاق وهو في هذا يختلف جذريا عن الشخصية العربية التي تحكمها موروثات وتقاليد وعقيدة لا يمكن التفريط فيها ابدا واذا حدث يكون ذلك امرا شاذا كما انه نادر الحدوث فالعربي يقيم وزنا للعرض والشرف والكرامة والكبرياء وهي اساس شخصيته كما ان عقيدته ودينه هما اقوى من اي اعتبار آخر بعكس اليهودي الذي يمكنه التنازل عن اي شيء وكل شيء مقابل نفسه ومصالحه الخاصة. وكان من احد اسباب قوة الموساد في بداية تكوينه هو تناثر اليهود في ارض الشتات فهم تقريبا يعيشون في كل بلاد الارض وهذا هو ما سهل عليهم جمع المعلومات والبيانات والاحصائيات السياسية والعسكرية والاقتصادية وان كانوا ركزوا في البداية جمع معلوماتهم بدول منطقة الشرق الاوسط والدول العربية بصفة خاصة. فاليهودي بصفة عامة يولد جاسوسا وتكتسب الشخصية اليهودية خلال فترة تكوينها النفسي والعلمي والاجتماعي الحقد والضغينة والقسوة وعدم احترام قانون الغير والقاعدة الاساسية لديهم ان الغاية تبرر الوسيلة. وكانت أول خطوة قام بها الصهاينة في طريق تشكيل جهاز الموساد او اجهزة المخابرات المعاونة هي تكوين عصابات ارهابية لترويع العرب من سكان واهل فلسطين تحت اسم (الهاجاناه) و(الارجون) و(شتيرن) وكانت هذه العصابات لها اجهزتها السرية التي عملت بدأب على الاستيلاء على ارض الفلسطينيين قبل اعلان الدولة في 15 مايو 1948. وترافق مع هذه الخطوات تنظيم اعلامي صهيوني يديره كبار اثرياء الصهاينة في كل انحاء العالم وتحديدا في اوروبا وامريكا قاد فكرة ضرورة عودة اليهود الى ارض الميعاد. اذن كان لابد لاسرائيل التي اعلن عن قيامها في 14 مايو سنة 1948 ان تستند في بقائها الى جهاز امن قوي يحمي وجودها الذي قام واعلن نتيجة سلسلة من العمليات السرية والخفية المنظمة حولتها قبل ان تعلن كدولة الى حكومة من الجواسيس غالبية قادتها وزعماء حركتها الاولى هم في الاصل جواسيس وعملاء مثل حاييم هيرتزوج (رئيس اسرائيل) السابق واسحاق شامير رئيس الوزراء الاسبق ومناحم بيجين رئيس الوزراء الاسبق وشيمون بيريز واسحاق رابين وحتى جولدا مائير وهي ايضا كانت رئيسة لوزراء اسرائيل وصولا الى ايهود باراك رئيس الوزراء الحالي!! في الحقيقة ان انشاء جهاز الموساد يعود الى ما قبل الدولة اليهودية وبالتحديد عام 1937 اي قبل قيام جهاز المخابرات الامريكية CIA بعشر سنوات كاملة وكان في البداية فكرة ترجمها احد عتاة الصهيونية المتطرفين وهو (شاؤول افيكور) لمقولة اليهودي الالماني تشارلز بورتيوس شتاينميتس السابق ذكرها. وكانت مسئولية المخابرات الاسرائيلية قبل اي شيء هي جمع المعلومات المختلفة عن البلدان العربية وقدراتها العسكرية وكذلك الاهتمام بمواجهة النشاط العربي ضدها وهذه الامم التي تحلم بمسحها عن الوجود والقائها في البحر. ومن هنا كان من الطبيعي ان يحتل (الموساد) موقع الصدارة في القذارة والوحشية بين كل الاجهزة السرية لقناعة القائمين على هذا الجهاز ان بقاء اسرائيل كدولة رهن بنجاحهم هم في مهمتهم. ولكن في السنوات التي اعقبت حرب 1948 كانت فروع الاستخبارات المختلفة التي تم تكوينها قد اصابتها الفوضى مثلها مثل كثير من جوانب الحياة الاسرائيلية في تلك الايام ولم يكن للمسئولية عندئذ تحديد مطلق ولا كانت للعمل خطوط ارشاد واضحة المعالم وزاد الامر تعقيدا قيام مناقشة شديدة وحسد واضح بين فروع الاستخبارات المختلفة آنذاك. ولذا في عام 1951 آخذ بن جوريون الذي كان يحكم الدولة الحديثة على عاتقه تخفيف حدة الفوضى السائدة وذلك باعادة تنظيم الاستخبارات وتعزيزها وادخل ما يعرف باسم (المهام الخاصة) على جهاز المخابرات بل وفي عنوانه الاساسي. وبعد ثلاثين عاما من قيام هذا الجهاز اعتبرته مجلة تايم واحدا من افضل اربع وكالات للاستخبارات في العالم ووضعته في مصاف وكالة المخابرات السوفييتية K.G.B والمخابرات المركزية الامريكية C.I. A والانجليزية . 16 وعمد بن جوريون وهو يعيد تنظيم جهاز المخابرات الاسرائيلي الى تعيين (راؤبين شلواح) رئيسا له بينما تولى حاييم هيرتزوج الذي اصبح فيما بعد رئيسا لدولة اسرائيل رئاسة المخابرات العسكرية وهي الجناح الثاني من جهاز المخابرات, اما رئيس جهاز الامن الداخلي الشين بيت ثم اضيف اليهم مدير الشرطة ورئيس مخابرات وزارة الخارجية. ميكانيكية الموساد وتقوم اجهزة المخابرات المختلفة بعقد اجتماع مرتين اسبوعيا برئاسة رئيس جهار الموساد وحضور مدير امان ومدير الشين بيت او الامن الداخلي ومفتش عام الشرطة ورئيس مخابرات الخارجية وعدد من كبار المستشارين. ويعتبر رئيس جهاز الموساد وهو الاكثر اهمية من رؤساء افرع المخابرات الاخرى في المخابرات الاسرائيلية ويرأس اجتماعات جهاز المخابرات تلقائيا ويتم الاجتماع دائما في اماكن مختلفة وكلها بعيدة عن المقار الرسمية لاجهزة المخابرات وتتخذ خلال هذه الاجتماعات احتياطات امنية مشددة للحفاظ على سرية الاجتماعات. ويترأس رئيس جهاز المخابرات الجهاز لمدة 5 سنوات ويمكن مدها او خفضها حسب الظروف وكفاءة رئيس الجهاز وحسب العمليات التي يتصدى لها الجهاز او التي ينفذها وسن التقاعد في الموساد 52 سنة وعند التقاعد يتقاضى معاشا يمثل ثلاثة ارباع آخر راتب له اما الجاسوس الاجنبي فراتبه 5 آلاف دولار شهريا وعند سقوطه يتم رصد نصف مليون دولار لتغطية مصاريف الدفاع عنه واعالته واسرته وغالبا يتم اختيار عملاء من الموساد من الشباب الذين يتميزون بالتطرف الشديد والذين تربوا في كيبوتزات اسرائيل او المزارع ويدخل عميل الموساد في دورة تدريبية لمدة 12 شهرا يتدرب خلالها على كل فنون التجسس وله الحق في عمل اي شىء حتى لا ينكشف او يقبض عليه ومن ضمن التدريبات النفسية التي يخضع لها ان يتم خطفه من قبل عملاء آخرين يرتدون ملابس العرب ويتحدثون العربية ثم يقومون بتعذيبه واستجوابه لاختبار مدى تحمله وقدرته على الكتمان. ويعتمد الموساد على اليهود الذين يعيشون في الشتات لجمع الاخبار التي يريدونها عن هذه الدول او الدول العربية التي يزورونها كسياح او تجار او رجال اعمال. ويتميز جهاز الموساد بأنه الاكثر براعة في تنفيذ العمليات القذرة وهو الجهاز الوحيد الذي يقيم لعملائه الذين قتلوا خلال عمليات تجسس في خدمة اسرائيل وفوق هذا النصب الذي اقيم داخل مقر المخابرات الاسرائيلية تم نقش 360 اسما جميعهم من عملاء الموساد والذين قتلوا في عمليات تجسسية لصالحها. الخلايا النائمة.. وفضيحة لافون عندما ارسى بن جوريون قواعد العمل في جهاز المخابرات الذي اعاد تنظيمه بما له من خبرة طويلة بشئون المخابرات كان يعرف ان المرحلة التي دخلت عليها اسرائيل منذ اعلانها هي بطبيعة الحال مرحلة عدم استقرار واضطرابات من كل الجوانب ليس اولها العرب من داخل (اسرائيل) ولا اخرها الدول العربية المحيطة بها من كل جانب ولهذا السبب ادخل بن جوريون تعبير المهام الخاصة في عنوان الموساد الرسمي وكان ذلك يعني ان الموساد يمكن استدعاؤه للقيام بأي عمليات غير عادية تقع خارج ميدان عمل اجهزة الحكومة الاخرى سواء اكانت عسكرية ام مدنية فقد كان بن جوريون متأكدا من ان الموساد سيكون اهم واغلى الاسلحة التي امتلكتها الدولة العبرية الحديثة في نضالها من اجل البقاء وسط غابة من الدول المحيطة بها تريد ان تقضي عليها. لذا فقد سارع بن جوريون بتعيين حاييم هيرتزوج رئيسا للموساد وهو ضابط بولندي المولد بينما عين السير هارتيل وهو الشخص الذي سيلعب دورا مهما في الموساد فيما بعد رئيسا للشين بيت او الامن الداخلي ولكن بعد الفساد الذي اصاب الموساد بعد اعلانه كجهاز للمخابرات حتى بدأ ايسر هارييل المعروف بحبه وولائه الشديد لبن جوريون العمل بطرق مختلفة ليفوز بالمنصب حتى انه استطاع في اقل من سنة اقناع حاييم هيرتزوج بالاستقالة من منصبه وبعدها بخمسة شهور استطاع ايضا ان يفوز برئاسة فرع (علياه بيت) وسرعان ما اصبح رئيسا للجنة الخدمات الامنية المسئولة عن مراقبة نشاطات مختلف فروع الامن وبعد ذلك اصبح كل جهاز المخابرات الاسرائيلي في يده كما اصبح وحده المسئول امام بن جوريون عن كل عمليات الموساد بل واصبح الرجل الثاني في اسرائيل وقتها وكان قصير القامة بشكل ملحوظ حتى اطلق عليه للتمييز بينه وبين آخرين في الجهاز يحملون نفس الاسم (ايسر الصغير) وكان شديد الحذر وكثير الشك وفائق السرية في معاملاته ذا عينين زرقاوين ثاقبتين وكان جاسوسا بطبعه وقام خلال سنوات خدمته كرئيس للموساد باجراء العمليات التجسسية ويقوم بكل عملياته ويتخذ قرارته منفردا ومخاطرا ومتحملا المسئولية امام مثله الاعظم بن جوريون. عملية سوزانا خطط ايسر هارئيل لدس عملائه في اخطر الدول العربية من نظره على اسرائيل وهي مصر وسوريا والعراق والاردن ولبنان ووضع لذلك خطة تقضي بارسال عملاء مدربين الى هذه البلدان كي ينتشروا فيها ولا يتحركوا إلا بإذن وسماهم (الشبكة النائمة) التي يمكن تحريكها في الوقت المناسب بحيث تكون معلوماتها جاهزة وارسل لتنفيذ هذه الخطة في مصر ضابطا اسمه افراهام دار وكان احد افراد البالماخ في حرب 1948 وكان كبير السن ويحمل الملامح العربية حيث ولد وعاش في عدن حيث وصل مصر عام 1951 وفي مصر اطلق عليه اسم آخر هو (جون دارلينج) ليعمل كممثل لشركة الكترونيات انجليزية يقود من خلالها الشبكة النائمة ولم يكن اختيار اسم جون دارلينج مصادفة من قبل الموساد لهذا الشخص ولكنه كان اسم ضابط انجليزي عاشت اسرته في مصر وعليه يمكن التحرك بسهولة وسط معارف اسرته وتمكن دارلينج عقب وصوله سنة 1951 من تكوين خليتين من الشباب اليهود المتحمسين لمساندة الكيان الصهيوني والوليد ثم استطاع اخراج هؤلاء الشباب الى اسرائيل للتدريب وكان التدريب في الوحدة 131 التابعة للموساد على استخدام الحبر السري ورموز الاذاعة واللاسلكي وفنون المراقبة وكان بين هؤلاء الشباب الذين وصفوا بأنهم موهوبون (ايلي كوهين) الذي اصبح فيما بعد اشهر جواسيس اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط ومارسيل نينبو رائعة الجمال لتعمل كوسيط بين الخليتين اللتين تكونتا في مصر وبقيت هذه الخلايا المدربة نائمة ثلاث سنوات حتى قامت ثورة 1952 بقيادة جمال عبدالناصر المشهور بعدائه الشديد لاسرائيل وقد حول الملكية المصرية الى جمهورية وما آثار قلق (المخابرات الاسرائيلية) توجه جمال عبدالناصر نحو امريكا ومحاولاته الدائبة للتخلص من الانجليز عندها قررت المخابرات الاسرائيل ضرورة تحريك الشبكة النائمة لاحداث اضطرابات في مصر وكان دارلينج قد تغير بضابط آخر هو افراهام سير نوبرج الذي طلب منه الذهاب لالمانيا تحت اسم (باول فرانك) ليمكث بها 9 اشهر حتى يختفي اثره ويجري عملية جراحية لتغيير الختان حتى لا تكتشف هويته اليهودية تحت اي ظرف محتمل ووصل باول الى القاهرة ليصلها في شهر ديسمبر 1953 ووصل الى الاسكندرية بعد ان اندمج في المجتمع الالماني الكبير في مصر في 30 يونيو 1954 حاملا تعليمات بعمليات التخريب التي اطلق عليها عملية (سوزانا) ولم تكن اهداف هذه العملية عسكرية او حتى مصرية بل تركزت على دور السينما ومكاتب البريد وكافة المؤسسات الامريكية والانجليزية العاملة بمصر وذلك بغرض تقليب واشنطن ولندن على قائد الثورة المتشدد تجاه (اسرائيل) وخلال تنفيذ احدى العمليات كان الشاب فيليب ناتان البالغ من العمر 19 سنة اصغر اعضاء الخلية ومعه عضو آخر هو فيكتور ليفي قد حملا القنابل في حقائب صغيرة وكانت قنابل بدائية واثناء تنفيذ احدى العمليات التخريبية بالقاهرة انفجرت قنبلة كانت في جيب فيليب ناثان واشتعلت فيه النار حيث ادركه ضابط الامن المصري النقيب حسن المناوي محاولا اطفاءه ثم اعتقاله بعد اكتشاف انه احد اعضاء العملية وكان وزير الدفاع الذي وافق على عملية سوزانا بمصر هو (بنحاس لافون) الذي اطلقت الصحافة المصرية اسمه على العملية واسمتها (فضيحة لافون) وقد سببت هذه العملية فضيحة عالمية لجهاز الموساد الذي اصدر عدة بيانات متخبطة حول العملية لكنها لم تغير النظرة لهذا الجهاز الذي فشل في اول عملياته امام الثورة الجديدة في مصر حيث اعتقل جميع افرادها وتمت مبادلة بعضهم بعد حرب 67 وكان من ابرزهم مارسيل نينبو التي تزوجت بعد وصولها الى تل ابيب من عقيد اسرائيلي وحضر حفل زفافها جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل وفيليب ناثان وروبرت داسا وفيكتور ليفي. وكان الوحيد الذي خرج من مصر بعد اكتشاف شبكة التجسس هو باول فرانك وعاد الى اسرائيل حيث استخدم اسمه القديم.