بيان الاربعاء : يواجه خالد كرامات علي, المدير التنفيذي لمؤسسة برايم التي تتخذ من مدينة كراتشي بجنوب باكستان أسوأ فترات حياته المهنية. فالمبيعات في هبوط مطرد, والأمل في تجاوز العثرة يتضاءل. ومع ذلك تجده معجبا بالسياسات الاقتصادية التي تبناها النظام العسكري الحاكم بقيادة الجنرال برويز مشرف, الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب نواز شريف في انقلاب أبيض في أكتوبر 1999 إذ يصف رجل الأعمال الباكستاني هذه السياسات بأنها إنجاز حقيقي ينبغي الاعتراف به, ويثني بالتحديد على جهود الحكومة العسكرية لإنقاذ اقتصاد البلاد المنهار . إذ استعادت ما قيمته 200 مليون دولار بتطبيق نظام إعفاء ضريبي جديد, وتزامن ذلك مع زيادة في الدخل بنسبة 18 في المئة وارتفاع في إجمالي حصيلة الضرائب, علاوة على تطبيق آلية صارمة في استعادة قروض ضخمة أخذها البعض من البنوك في وقت سابق . وقد أثمرت الآلية الأخيرة عن تحصيل ما قيمته 400 مليون دولار . والحقيقة أن خالد هو واحد من قليلين من رجال الأعمال الباكستانيين الذين يعترفون بأن الكثير من ويلات بلادهم الاقتصادية إنما نجمت عن تجاوزات داخلية, بالتحديد من قبل الصفوة وكبار الملاك ورجال الأعمال وأباطرة الصناعة, الذين استغلوا موارد الدولة ــ لسنوات عديدة ــ لخدمة مصالحهم الشخصية . لكن الوضع تغير في عهد الجنرال مشرف, الذي لم يتردد في اعتقال نحو مئتين من السياسيين النافذين ورجال الأعمال الكبار والمسئولين وضباط الجيش المتقاعدين, وتقديمهم للمحاكمة. كما تعهد نظام مشرف بتوسيع القاعدة الضريبية وزيادة العائدات الحكومية. وبموازاة ذلك, يعد المسئولون لطرح عدد من ممتلكات الدولة للبيع, ولتخفيض تعريفة الجمرك على الواردات . وبالرغم من احتجاجات رجال الأعمال والتجار, فقد مدت الحكومة العسكرية مظلة ضرائب المبيعات لتشمل القطاع الزراعي, كما بدأت مسحا قوميا شاملا للمشروعات التجارية وممتلكات رجال الأعمال, وحررت أسعار المنتجات النفطية, وقامت بتعويم العملة الوطنية . وبعد عامين من الريبة والنفور وتجميد كل أشكال المساعدات والقروض, لاحظ صندوق النقد الدولي التطورات الإيجابية الأخيرة على صعيد الاقتصاد الباكستاني, فعاود تمويل مشروعاته. واليوم تنتظر هذه الجمهورية الآسيوية المسلمة تلقي ما مقداره 596 مليون دولار في شكل قروض دولية ميسرة تمتد على فترة عشرة اشهر. كما سيفتح برنامج صندوق النقد الدولي الطريق أمام مساعدات لباكستان من البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي, تزيد قيمتها على مليار دولار . وقد أعلن هورست كويهلر رئيس الصندوق الدولي, في بيان علني مؤخرا أن برنامج الصندوق يهدف إلى نقل باكستان إلى طريق نمو مستقر عبر تقوية وضع ميزان المدفوعات, وإعادة بناء الاحتياطيات الرسمية, وتقليص حجم ديون القطاع العام. وكما حدث في كثير من بلدان العالم النامي, فقد أضر الارتفاع الأخير في أسعار النفط, وتفاقم الكساد الاقتصادي, بباكستان أشد ضرر. وباتت تحتاج إلى 5 مليارات دولار سنويا لتسديد الفواتير المتراكمة عليها, والتخلص من فوائد الدين الخارجي المقدر بنحو 38 مليار دولار. لكن الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي سيؤهل باكستان لمطالبة نادي باريس للدول الدائنة بإعادة جدولة ديونها الخارجية في يناير 2001 . وإذا ما نجحت الحكومة الباكستانية في تنفيذ الإصلاحات المتفق عليه, فسيكون بمقدور إسلام آباد الحصول على قرض طويل المدى. لكن الطريق ما زال طويلا قبل الخروج من الأزمة الاقتصادية, حسبما يرى ثاقب شيراني المحلل الاقتصادي في بنك خء أمرو بإسلام آباد, الذي يضيف موضحا تحقيق نظام ضريبي فعال, وعدم تنوع الصادرات, وتراكم الديون الداخلية والخارجية, وضعف رؤوس الأموال .. جميعها مناطق حرجة, ما زالت في حاجة ماسة لمعالجتها. ويؤكد الخبير الاقتصادي أنه بالرغم من أن الموسم الزراعي الحالي انتهى بمحاصيل أوفر من القمح والقطن والأرز, فإنها (أي المحاصيل الوفيرة) لن تكفي لإخراج البلاد من أزمتها . ويمكن التأريخ ــ نسبيا ــ لمشكلات باكستان الراهنة بشهر مايو من عام ,1998 حين أثارت تجارب إسلام آباد النووية نوعا من عدم الاستقرار السياسي, والعزلة الدولية, والتراجع الاقتصادي. وفرضت الولايات المتحدة واليابان, وغيرهما من الدول الكبرى الدائنة عقوبات على باكستان. وأدت معارضة هذه الدول لأي قروض جديدة تقدم إلى باكستان من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي, إلى تعليق برنامج المساعدات المخصصة لها في يناير 1999 . والواقع أن تجديد ثقة المستثمرين في السوق الباكستانية يشكل عقبة كأداء أخرى, تكبح مساعي الحكومة لإخراج الاقتصاد الوطني من الركود. ووفقا لأرقام بنك خء , فقد اقترض القطاع الخاص حوالي 4.10 مليارات روبية من البنوك خلال العام المالي 2000 , مقارنة بنحو 4.96 مليار روبية تم اقتراضها في العام 1999. ويعترف فروخ سليم, المدير المختص بالقروض المشتركة في البنك, بأن الوضع ينذر بالخطر. لكنه يؤكد, من جهة أخرى, أن (الإقراض غير المدروس) قد توقف عمليا. إذ كان المسئولون السياسيون ــ في عهد ما قبل مشرف ــ ورجال الأعمال يحصلون على قروض من البنوك الوطنية, بضمانات غير كافية, ثم يرفضون التسديد عندما يحين موعد السداد. وقد تسبب هذا الفساد في تراكم أكثر من 5و3 مليارات دولار مما يسمى بالديون المعدمة, على البنوك الباكستانية . وفي صراعها الدموي ضد الهند حول السيادة على كشمير (ذات الأغلبية المسلمة), تنفق إسلام آباد ما يعادل 7.2 مليار دولار سنويا على التسليح, في مقابل 200 مليون دولار هي إجمالي ما تخصصه لشئون الصحة والتعليم. يقول سليم إن باكستان في حاجة حقيقية لخلق مصادر تمويل لتسديد ديونها, ولتقليص ميزانيتها الدفاعية المبالغ فيها, بحيث تنتج فائضا في عائداتها يغطي القصور الواضح في القطاع الاجتماعي. ويتفق المراقبون على أن استمرار برنامج مساعدات صندوق النقد الدولي, واستعادة دعم الدول المانحة الكبرى, يتوقف إلى حد بعيد على سرعة إعادة النظام الديمقراطي للبلاد (كما وعد الجنرال مشرف مرارا). وثمة عامل آخر يرتبط بمدى قدرة مشرف على استخدام نفوذه لإقناع حكومة طالبان الأفغانية بطرد المنشق السعودي (المطلوب أمريكيا) أسامة بن لادن المتهم بتفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998 . لكن المؤكد أن قرار صندوق النقد الدولي الأخير باستئناف برنامج مساعداته لباكستان قد منحها فرصة لالتقاط أنفاسها, والتراجع عن شفا كارثة اقتصادية كادت تسقط في ظلماتها دون رحمة. وفي هذا السياق, يدعو الكثير من المحللين حكومة إسلام آباد إلى التخلي عن (عادات الماضي السيئة), والعمل على تحديث اقتصادها المتهالك سريعا. ويرى البعض أن تقليص الميزانية العسكرية قد تمثل نقطة انطلاق لا بأس بها . و. ن. ل