بيان الاربعاء : لم يكن احد يتوقع ان تصبح البناية الزجاجية التي تنتصب في شارع فرمانية شمال العاصمة طهران والتي تحمل اسم (المركز الدولي لحوار الحضارات) مقرا لوزير الثقافة والارشاد (المستقيل) عطاء الله مهاجراني, وذلك بسبب ان وزارة الثقافة والارشاد تحولت طيلة السنوات التي قضاها مهاجراني في منصبه, إلى ساحة نزاع بين الجناحين الرئيسيين في البلاد, ولذلك فان تعيين خاتمي لمهاجراني مديرا للمركز الدولي لحوار الحضارات جعل المحافظين يتساءلون عن المغزى وراء هذا التعيين, وهم يرددون بفرح غامر سجل انتصارهم على برامج الرئيس الثقافية, ان من اخفق في الحوار داخل بلاده لن ينجح في تفعيل مشروع حوار الحضارات. ولكن اولئك الذين يملكون صلة ما بهذا المركز يدركون بالتأكيد سر هذا التعيين, لان مهاجراني هو الذي اعرب عن رغبته في ادارة المركز الدولي لحوار الحضارات واعدا بتحول كبير سيشهده هذا المركز في القريب, لكي ينسجم مع ما يريده الرئيس الايراني, ومعه الامم المتحدة التي قبلت اقتراحه واعتبرت العام 2001 عاما لحوار الحضارات. في عام 1998 قدم الرئيس الايراني محمد خاتمي مشروعه بشأن حوار الحضارات, إلى الجمعية العامة للامم المتحدة, واسس في هذه السنة مركزا دوليا لمتابعة تنشيط اقتراحه, ولكن المركز لم يحقق حتى الان شيئا رغم التكاليف الباهظة والميزانية الكبيرة المخصصة له, وقيل ان المركز واجه خطر الانهيار خصوصا وان الميزانية واجهت عجزا كبيرا دفعت بمديره السابق إلى ان يضحي بعشرة آلاف كتاب قيم ونادر, ويضعها بتصرف بلدية طهران مقابل انقاذ المركز من خطر الافلاس المالي. وقبل عدة اشهر قدم مدير المركز الدولي السابق لحوار الحضارات (فريد زادة) استقالته وبررها بسبب مرضه, لكن المقربين من خاتمي أكدوا انه فعل ذلك بتعليمات مباشرة من الرئيس الذي رأى في استقالة وزيره (السابق) للثقافة والارشاد, فرصة ذهبية لكي يحقق من خلالها عدة اهداف في آن: فهو سينقذ المركز الدولي لحوار الحضارات على اعتاب الالفية الثالثة, من احتمالات الفشل التي باتت (في تلك الايام) شبه مؤكدة, خصوصا وان مهاجراني نفسه كان يرغب في ادارته, وهو ايضا اي الرئيس خاتمي سيظهر امام المرشد الاعلى علي خامنئي بالمطيع لامره فيما يتعلق بمهاجراني الذي اكد خامنئي في مناسبات عدة انه غير راض عن ادائه, وبالتالي فان خاتمي سيحصل على تأييد مراجع الدين واقطاب الحوزة الدينية الذين دخل معهم مهاجراني في صراع بسبب ما يصفونه بالردة الثقافية والقيمية التي حملوه مسئوليتها في البلاد. وبرأي عارفين فان خاتمي الذي عرف حتى الان كيف يمسك بالعصا من وسطها, ونزع بسياساته المعتدلة اسلحة قوية بيد حساده ومنافسيه وخصومه (من اتباع ولاية الفقيه, أو المختبئين تحت عباءتها الواسعة) لشن حرب مباشرة عليه تتهمه بالمعاداة لولاية الفقيه, تمكن بذكاء (واخلاص) من معالجة موضوع استقالة مهاجراني التي كانت مطروحة منذ فترة ليست بالقليلة, بالشكل الذي نزع فيه فتيل التوتر من المجتمع, وازاح قلق المرشدين في الحوزة, لكنه ايضا لم يتخل عن انصاره والمقربين منه المؤثرين في نجاحه ونجاح برنامجه الاصلاحي. وبدا واضحا من طريقة قبول خاتمي الاستقالة, والاشادة الهامة من الرئيس الايراني بوزيره المستقيل اذ وصفه بالمتدين الملتزم, وهي اشارة إلى رفض الاتهامات الموجه له من قبل المحافظين بأنه يقف وراء الردة القيمية في البلاد, ان خاتمي كان بالفعل مجبرا على قبول استقالة مهاجراني الذي لم يكن ينفذ الا برنامج خاتمي نفسه في الاصلاح الثقافي, وتحول بذلك (مهاجراني) إلى درع صد البلاد عن الرئيس وباقي افراد طاقم الحكومة (وهو التعبير الذي استخدمه حجة الاسلام هادي خامنئي شقيق المرشدي, واحد ابرز مؤيدي الحركة الاصلاحية). وقال مهاجراني انه استقال بسبب عدم تمكنه من اداء وظيفته بشكل صحيح في الظروف الراهنة, مشددا على انه كان يطبق برنامج الرئيس, مشيرا ايضا لي انه يتمثل بذلك لرغبة المرشد ولتبديد قلقه في (الردة الثقافية). واصبح مهاجراني في الفترة الماضية, هدفا لانتقادات المحافظين الشديدة, بسبب سياساته الثقافية المتسامحة, واتهموه بالتشجيع على انهيار المعايير الاخلاقية وفتح الطريق امام الليبراليين للترويج للردة القيمية. انتقادات المرشد كما انتقد مرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي في الشهر الماضي مرة اخرى وفي اجتماع ضم بعض قياديي حركة الاصلاح, اداء وزارة الثقافة خصوصا في موضوع دعم الانتفاضة الفلسطينية بطريقة من شأنها ان تجعل مهاجراني يصر على استقالته, والرئيس خاتمي يقبلها ولكن ليس من غير شروط. وكان الرئيس خاتمي اكد في لقاء طلابي عقد في طهران مؤخرا بان مهاجراني قد قدم استقالته وان الاستقالة قيد الدراسة. واكدت مصادر رئاسية ان قبول خاتمي استقالة مهاجراني جاء وفق صفقة مع المحافظين باسقاط القضاء التهم المنسوبة له بشأن فساد مالي في وزارة الثقافة والارشاد والذي استدعي على اثره مهاجراني إلى المحكمة كشاهد وسط توقعات بصدور مذكرة توقيف بحقه. واشار مهاجراني قبل الاعلان عن قبول استقالته إلى حصول مثل هذه الصفقة, عندما ربط بين خروجه من وزارة الثقافة, واغلاق القضاء الذي يسيطر عليه المحافظون, ملف الفساد المالي والاتهامات له بشأنه. الا ان صدور تلميحات من بعض متطرفي التيار المحافظ, باحتمال نقض الصفقة, وجر مهاجراني إلى القضاء, وذلك من خلال الضغوط التي مورست مؤخرا من قبل هؤلاء وهم ينددون بأي (صفقة تخل باستقلالية القضاء في البلاد), كما جاء في صحيفة (كيهان) ادى إلى بروز مخاوف جدية من ان يصبح مصير مهاجراني كمصير وزير الداخلية السابق عبدالله نوري اي ان يدخل معه السجن. وكما هو واضح فان الرئيس خاتمي باصراره على صفقة التسوية مع المحافظين, اراد ان يؤكد لانصاره انه لن يتخل عنهم أو يتركهم وحيدين في ساحة المواجهة, خصوصا وان تجربة سجن عبدالله نوري, التي اسقطت ما في يد خاتمي الذي لا يريد ان يظهر وكأنه يناقض شعاره الرئيسي, في تعزيز واحترام سلطة القانون, هي التي اجبرته على سلوك (طرق التسوية السياسية) التي يرفضها بالجملة وهو يحصد النجاحات لصدقه مع نفسه والناس قبل كل شىء. وحتى بالنسبة لمهاجراني الذي كان يردد في السابق انه لن يستقيل أو يخضع للضغوط فان استقالته, ستعطي الانطباع بانه (احنى رأسه للعاصفة واطاع المرشد واحترم رغبات المحافظين), بما سيسهل عملية ترشيحه ومروره من بوابة مجلس صيانة الدستور المسئول عن تأهيل المرشحين للانتخابات, اذ قالت مصادر قريبة منه انه ينوي الترشيح للانتخابات التشريعية التكميلية عن دائرة شيراز, الا ان مصادر خاصة في تيار المحافظين اكدت ان المجلس الدستوري لن يسمح لمهاجراني بخوض سباق الانتخابات التشريعية التكميلية, ولا حتى الرئاسة المقبلة في ضوء ما يتردد من احتمال ترشحه من قبل اوساط في الاصلاحيين. وقد رفض مهاجراني الادلاء بأي تصريح حول استقالته, الا ان بعض اصحابه اكد ان رسالة استقالته جاءت في الواقع في 50 صفحة تضمنت شرح الاسباب التي دفعته, وان الرئيس خاتمي طلب منه تغيير بعض ما فيها, وسيقدم إلى مجلس الشورى احمد مسجد جامعي (نائب مهاجراني السابق الوزير بالوكالة الحالي), وزيرا لحين انتهاء ولاية خاتمي الاولى في اغسطس المقبل, فيما تروج اوساط من الاصلاحيين ومن المحافظين ان خاتمي قد لا يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية, وقد ذكرت مصادر مقربة منه, انه يجري مداولات مع المرشد لمعرفة رأيه في هذا الموضوع, وتشير اوساط من الاصلاحيين إلى ان حزب كوادر البناء الذي يستعد لانتخاب مهاجراني امينا عاما له بدلا من الامين العام الحالي غلام حسين كرباستشي (رئيس بلدية طهران السابق) يخطط لطرح مهاجراني كمرشح قوي للانتخابات الرئاسية المقبلة في مايو المقبل بعد ان عجز الحزب عن الحصول على عفو خاص من القضاء لكرباستشي الذي ادين بتهم الفساد ودخل السجن وحرم من تولي أي منصب حكومي لمدة عشر سنوات اذ تؤكد مصادر الحزب ان كرباستشي كان يفترض به ان يرشح للانتخابات لولا الحكم القضائي. الحلقة الاضعف وقال مراقبون ان مهاجراني كان بمثابة الحلقة الاضعف في ساتر حكومة الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي, وقد توجهت صوبه السهام من كل صوب, وكادت تطيح به في الاول من مايو من العام الماضي في استجواب حجب الثقة الذي قاده البرلمان بهيمنة المحافظين السابقة. وزاد في الهجمة عليه ان مهاجراني وبالقدر المحكوم, هو صهر رجل الدين الليبرالي محسن كديور, الذي دخل السجن 18 شهرا بعد ان ادين بنشر ثقافة معارضة للاسلام والذي يوصف بانه من ابرز عناوين الضجة في ايران خصوصا وانه انزل نظرية ولاية الفقيه من البحث الاكاديمي في الحوزات الدينية, إلى الشارع, وجعل المطالبات بالغائها أو اضعافها تتزايد, وهو ايضا أي كديور, كان احد اثنين (الثاني المفكر الليبرالي عبدالكريم سروش) اتهما بانهما كانا السبب في اندلاع اضطرابات دموية في مدينة خرم آباد (اقليم لورستان) عندما حال الثوريون والاصوليون والمحافظون بينهما والمشاركة في مؤتمر طلابي لمكتب تعزيز الوحدة تحول إلى صدامات واضطرابات مازالت تداعياتها قائمة. وكذلك فان مهاجراني الذي دخل في معركة مكشوفة مع كبير زعماء الحوزة الدينية في قم ناصر مكارم سيرازي, ومع منظر الاصولية في المؤسسة الدينية محمد مصباح يزدي, وهو زوج الصحافية المثقفة والنائبة الاصلاحية جميلة كديور التي شاركت في مؤتمر عقد في برلين في ابريل واثارت جدلا, وخضعت بذلك إلى جانب اصلاحيين وليبراليين اخرين, لمحاكمة (ثورية) وهو اول من اطلق مقولة (الحوار المباشر) مع الولايات المتحدة في العام ,1991 وفجر في تلك الايام صراعا قاده عليه حلفاؤه الحاليون في جمعية علماء الدين المناضلين (روحانيون مبارز), ولم يخلصه من غضبه الثوريين (سابقا) الا تدخل الولي الفقيه علي خامنئي الذي تعمد الادلاء بخطاب, رد فيه على دعوة مهاجراني اجراء حوار مباشر مع امريكا, واثنى ايضا مهاجراني الذي كان آنذاك, مساعدا للرئيس السابق هاشمي رفسنجاني للشئون البرلمانية ومسئولا عن لجنة الثورة الاسلامية في فلسطين. وقد حرص الرئيس محمد خاتمي وهو يوزع حقائب الحكومة في بداية ولايته الرئاسية عام ,1997 على أن يأتي بمهاجراني للمضي في مشروعه بالتنمية الثقافية, بينما جاء بوزير الداخلية السابق الشيخ عبدالله نوري ليقود برنامج التنمية السياسية, ما اثار حفيظة المحافظين, وقد جاء تسلسل الوزيرين متدنيا في اجتماع منح الثقة لوزراء خاتمي, وكان مهاجراني في اسفل القائمة, ولم يكتف المحافظون بذلك لان كلا من مهاجراني وعبدالله نوري تعرضا للضرب من قبل متشددين اثناء مشاركتهما في احدى صلوات الجمعة عام ,1998 واطاح بعدها المحافظون بعبدالله نوري وحجب البرلمان الثقة عنه, وادخلته محكمة علماء الدين الخاصة السجن بتهمة نشر افكار معارضة للاسلام من خلال صحيفته الموقوفة (خرداد) وها هم اليوم يتصدون لبرنامج التنمية الثقافية بتكثيف الضغوط على الرئيس ليتخلى عن مهاجراني, ونظموا تظاهرات في قم وطهران ومدن اخرى نادت بالموت له وتوسلوا ايضا بالمرشد.