بيان الاربعاء : تحت عنوان (زراعة المخدرات سلاح سياسي) تزامن اتهامان ضد لبنان, اولهما (المباغتة) من الامم المتحدة بقرار الغاء برنامج التنمية والزراعات البلدية في منطقة البقاع ـ الهرم, والثاني رسالة نقلها السفير الامريكي في بيروت دايفيد ساترفيلد الى رئيس الحكومة رفيق الحريري, ومسئولين لبنانيين آخرين من الادارة الامريكية التي حذرت فيها لبنان من السماح بعودة زراعة الحشيشة والمخدرات والممنوعات (تحت طائلة اعادة اعتباره دولة ارهابية مجددا). لكن المسئولين اللبنانيين ردوا على ذلك بدورهم بابراز حقيقتين, اولهما ايضا, ان الدولة كافحت تلك الزراعات بقوة وحزم خلال السنوات الاخيرة, بالتعاون مع الاجهزة الامنية السورية, وجرى تحقيق انجازات على مستويات عدة في هذا الاطار والثانية ان الغاء الامم المتحدة لبرنامج الزراعات البلدية يحرم تلك المنطقة, واهلها من انجازات عدة تحققت على هذا الصعيد. على الصعيد الاول برز اعتراف عالمي بجهود لبنان لمنع زراعة الممنوعات, كان منه تكريم الامم المتحدة نفسها لثلاث شخصيات امنية عربية نجحت في تثبيت المنع منها المدير العام لقوى الامن الداخلي اللبناني اللواء عبد الكريم ابراهيم, الى جانب مدير الادارة لمكافحة المخدرات في مصر اللواء فاروق حلمي أبو بالعطا, ومدير الادارة العامة لمكافحة المخدرات في السعودية اللواء بن سلطان عائض الحارثي. ويذهب الممثل الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة, لمكافحة المخدرات ومنع الجريمة للشرق الاوسط وشمال افريقيا الدكتور مهدي علي الى ابعد من التكريم في تقدير نجاح لبنان على ذلك الصعيد فيشير الى ان تلك المبادرة التكريمية جاءت نتيجة الجهود المتواصلة لقوى الامن الداخلي في التصدي الحازم والمكثف لابادة الزراعات غير المشروعة, ولعمله الدؤوب والفعال لايجاد زراعات ونشاطات اقتصادية شرعية بديلة وتفانيه في كبح حجم التجارة غير المشروعة للمخدرات بلبنان الذي حظي باهتمام الدول المانحة والمحافل الدولية خلال عام 1999. بالاضافة الى دوره في تفعيل وتطوير آليات التعاون الاقليمي بين ادارات مكافحة المخدرات بالمنطقة العربية. ويربط د. علي الامر بما هو دور لبناني مميز على صعيد التنسيق اقليميا ودوليا في ذلك الاطار فيقول: ان تعاطي المخدرات يعتبر مشكلة عالمية تتضافر في مواجهتها كافة دول العالم من خلال الاجهزة والكيانات الحكومية والشعبية وقد حثت الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للامم المتحدة والمنعقدة في يونيو 1998 على تعبئة كافة المجهودات الوطنية والاقليمية والدولية لحماية الشعوب من اخطار المخدرات, وكمبادرة فريدة من نوعها من المكتب الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة لمكافحة المخدرات ومنع الجريمة للشرق الاوسط وشمال افريقيا في القاهرة في تقدير المجهودات الوطنية المتمثلة في دور وزارات الداخلية في خفض العرض لمواجهة آفة المخدرات تقرر عقد مراسم تكريم سنوية للشخصيات البارزة بالاقليم والتي قامت بمجهودات ذات اثر ملموس وفعال في مواجهة آفة المخدرات وحماية الشباب من اخطارها. ماذا حقق لبنان؟ ذلك الانجاز اللبناني يؤكده بالتفصيل قائد الشرطة القضائية العميد الركن سمير صبح, وكذلك رئيس مكتب مكافحة المخدرات المركزي في لبنان العقيد ميشال شكور, اذ يؤكد الاثنان ان الاجهزة اتلفت خلال العام الماضي وحده, وفي تلك المنطقة, حوالي ثمانية ملايين من حشيشة الكيف, و 24 الف متر من نبتة الخشخاش. ويوضح العميد صبح اهمية الزراعات الممنوعة ومخاطرها بالنسبة للاهالي هناك مشيرا الى انها كانت تشكل المصدر الرئيسي لدخل السكان في قضائي بعلبك والهرمل, وبالفعل فالمساحة الكلية لمنطقتي بعلبك والهرمل تبلغ نحو 2640 كلم2 وتمثل بدورها 28% من مساحة لبنان, ويسكن في هاتين المنطقتين ما يقارب الربع مليون نسمة ومنهم 210 آلاف نسمة في منطقة بعلبك و 40 الف نسمة في منطقة الهرمل على وجه التقريب, علاوة على ذلك, هاجر من المنطقتين تقريبا حوالي مئتي الف نسمة الى ضواحي بيروت والى خارج لبنان, ولان العناية والاهتمام الرسميين كانتا غائبتين عن هناك, فقد لجأ الاهالي الى الاعتماد على زراعة المحاصيل الممنوعة, ولذلك في الماضي القريب كان لبنان منتجا للقنب الهندي الذي يسمونه الكانابيس او حشيشة الكيف ومادة الافيون لانتاج الهيروين, وفضلا عن كونه كان مركزا رئيسيا لمرور المخدرات الى اوروبا والشرق الاوسط وشمال امريكا ومناطق اخرى من العالم. وكانت زراعة القنب الهندي والافيون محصورة بوادي البقاع الشمالي في منطقتي الهرمل وبعلبك حيث لعب انتاج هذين المحصولين في هاتين المنطقتين دورا هاما في خلق مجتمع استهلاكي واضح فيما اصبح الاقتصاد في هذه المنطقة معتمدا الى حد ما على المحصولين المذكورين. * ماهي مدة الالتزام الذي ابدته الحكومة اللبنانية في مكافحة ذلك؟ ــ يشير العميد صبح الى ان التخلص من الزراعات الممنوعة ليست سوى اشارة واضحة الى مدى التزام الحكومة اللبنانية بمعالجة مشكلة المخدرات, وبعد احلال وترسيخ السلام الاهلي واستقرار الاوضاع في البلاد قررت الحكومات اللبنانية والسورية معا في 1991 التخلص من هذه المزروعات في وادي البقاع حيث اتخذ الاجراء الفوري وتم تدمير 80% من المحاصيل المزروعة وفي الوقت نفسه فقد رافق هذه العملية حملات تثقيفية واعلامية تستهدف المزارعين للاقلاع عن تلك الزراعات او عدم الرجوع اليها. واستمرت اعمال التخلص من هذه الزراعات طيلة عامي 1992 ـ ,1993 وبفعل ذلك وطبقا لتقارير برنامج الامم المتحدة لمكافحة المخدرات تقلصت مساحات الزراعات الى 300 هكتار في عام 1993 مقارنة بـ 30 الف هكتار في موسم 1990 ــ 1991 كما افادت بعثة البرنامج نفسه التي زارت المنطقة في شهري ابريل ومايو من عام 1994 بعدم وجود اي زراعات في الاقليم, وبناء عليه فقد طلبت الحكومة اللبنانية مساعدة برنامج الامم المتحدة للانماء وبرنامج الامم المتحدة لمكافحة المخدرات في هذا المجال من اجل الحد من التأثيرات السلبية الناجمة عن التخلص من الزراعات من ناحية ثانية, ولايجاد مصادر بديلة للدخل في ظل الظروف القاسية السائدة في المنطقة من ناحية اخرى. وعلى ضوء ذلك قامت الحكومة اللبنانية بمؤازرة الحكومة السورية التي قضت على النباتات المخدرة من افيون وقنب هندي وتصنيعها والاتجار بها وتوقيف جميع الرموز المعروفة في عالم الاتجار وتهريب المواد المخدرة. المجتمع الدولي لم يف بالتزاماته تجاه لبنان وبرنامج الامم المتحدة بتنفيذ برنامج انمائي متكامل لمنطقتي بعلبك الهرمل اللتين كانتا تعتمدان كليا على زراعة النباتات المخدرة. وكان مورد رزقها الاساسي, وبرنامج الامم المتحدة لمكافحة المخدرات قام ببعض المشاريع في هذه المنطقة. ولكن للاسف كل هذه المشاريع التي قام بها لا تشكل 5% من حاجات سكان المنطقة وهذا ما شكل نوعا من الاحباط للمزارعين والفلاحين وحملهم على محاولات زراعة النباتات المخدرة مجددا, بالرغم من الاجراءات التي تقوم بها قوى الامن الداخلي لاسيما وحدة الشرطة القضائية للقضاء على هذه المحاولات. وهنا اقول ان الدولة اللبنانية ما زالت حتى الآن ملتزمة بالقضاء نهائيا على اي محاولة لزراعة النباتات المخدرة بالرغم من اتساع المساحات التي تتلف سنويا, وبالرغم من حدة المواجهات مع المزارعين الفقراء. وهذا ما اكدته الاجواء والتصريحات التي احاطت بزيارة مدير برنامج الامم المتحدة التنفيذي الدكتور بينو اولاكي, والتي كانت بناء لدعوة من الحكومة اللبنانية ليطلع عن كثب على وضع منطقة وادي البقاع ومشكلة المزارعين ودور برنامج الامم المتحدة الانمائي في المنطقة وايجاد الحلول المناسبة التي تكفل عدم عودة المزارعين الى زراعة النباتات المخدرة. ونتيجة الزيارة تم الاتفاق على مايلي: دراسة مشروع انمائي متكامل يتم تنفيذه على مراحل بتمويل من الامم المتحدة والدول المانحة والدولة اللبنانية, وهذا ما نطمح الى رؤيته وتنفيذه في القريب العاجل وتدرج الزراعات البديلة ضمن هذا المشروع الذي يتضمن ايضا حفر آبار ارتوازية, ري المنطقة, طرق مواصلات, مصانع غذائية, سوق لتصريف الانتاج, بالتعاون مع الامم المتحدة والدول الصديقة وهذا البرنامج يتم على مراحل, المرحلتان الاولى والثانية نفذتا وهي كناية عن طرق مواصلات بين القرى ومستشفيات ومدارس ومستوصفات وكهرباء ومياه وحفر آبار ارتوازية واعطاء سلف للمزارعين وتوزيع ماشية على المزارعين, اما المرحلة الثالثة مرحلة المزروعات البديلة فلم تنفذ. الامن الداخلي * ماذا قدمت قوى الامن الداخلي في هذا الاطار؟ ــ يجيب العميد صبح بمبادرة من المديرية العامة لقوى الامن الداخلي انطلق مشروع الزراعات البديلة نهاية عام , 1999 وهو يتضمن دراسات لقضاءي بعلبك والهرمل, لادخال زراعات بديلة مكان الزراعات الممنوعة قام بها المهندس الزراعي الدكتور حسان مخلوف, وفي هذا المشروع عدد كبير من الزراعات منها الفستق الحلبي, البندق, الكستناء, الكابر, الجوز, الزعفران, والجوجوبا. واول غرسة في هذا المشروع سورية الهوية, وبناء عليه استقدمت اغراس الفستق الحلبي والكستناء على شكل هبة من جانب وزارة الزراعة في الجمهورية العربية السورية الشقيقة. كما تلقى المشروع هبة من دولة بلغاريا بلغت 3500 غرسة بندق وخمسة آلاف عقلة (شتلة بندق صغيرة) كما استقدمت الف غرسة جوز من دولة بلغاريا ايضا بواسطة المديرية العامة لقوى الامن الداخلي, كما تلقت هذه الاخيرة خمسمئة غرسة كستناء من ايطاليا, وسيصل الزعفران عما قريب. كما استقدمت كمية اربعين الف بذرة من الجوجوبا من الولايات المتحدة الامريكية اما الكابر فلم يصل حتى تاريخه والجدير ذكره ان فريقا فنيا قوامه ثلاثين مهندسا وفنيا سوريا من جانب وزارة الزراعة السورية وباشراف الدكتور حسان مخلوف قام بتطعيم تسعة آلاف وثلاثمئة شجرة بطعم من جرود الهرمل ومنطقة برقا لتحويلها الى فستق حلبي. * تمت زراعة الاغراس التي استقدمت في مساحة من الارض موزعة على اربعين ضيعة في منطقتي بعلبك ــ الهرمل وتقدر بـ 250 هكتارا, اي ما يعادل 2500 دونم. كيف كان تجاوب الاهالي مع تلك الخطط البديلة؟ ــ يقول العميد صبح الاهالي تجاوبوا مع مثل تلك البرامج والمخططات خاصة وان آخر تقرير فني وضع حول تلك الزراعات في لبنان يفيد بانه في جميع المناطق التي تم الاعتناء فيها بهذه الزراعات, اعطت نتائج ايجابية, اما لدى المزارعين الفقراء الذين لم يستطيعوا تأمين عناصر انجاح الزراعة ( ري, ادوية, اسمدة و .. ) فان بعض الغرس لم تعط نتيجة وهذا امر طبيعي, وتتعرض دوريات مكتب مكافحة المخدرات في الشرطة القضائية من وقت الى آخر لحوادث مع المزارعين والفلاحين اثناء تنفيذ مهامها, مما يتطلب المؤازرة فيستمدونها من قطاعات وحدة الشرطة القضائية او من وحدة الدرك الاقليمي او احيانا من الجيش اللبناني, او احيانا من الجيش العربي السوري الموجود في المنطقة. وبالرغم من كل الصعوبات التي تعترضهم من ناحية التنفيذ, فان الشرطة القضائية وعبر مكتب مكافحة المخدرات مازلوا عازمين وبمساعدة من الجيش السوري على التزام القرار الاستراتيجي, الا وهو القضاء نهائيا على اي محاولة لاعادة زراعة النباتات المخدرة في وادي البقاع, اذ تعقد الآمال على برنامج الامم المتحدة وبنوع خاص على مديره التنفيذي الدكتور بينو اولاكي في المساهمة بدعم وتمويل البرنامج الانمائي لمنطقة بعلبك ــ الهرمل, ويتأمل اللبنانيون من الدول المانحة المساهمة في تمويل المشروع الحيوي لهذه النباتات المخدرة من رؤوس المزارعين القضاء عليها على ارض الواقع. ومكتب مكافحة المخدرات تابع لقيادة الشرطة القضائية عبر رئاسة قسم المباحث الجنائية العامة, وهو مكتب اختصاصي لمكافحة المخدرات ومتخصص بها حتى لو حصلت في اي منطقة من لبنان او خارج لبنان وللبنانيين علاقة بها. ويوجد مكتب مركزي لمكافحة المخدرات وثلاثة مكاتب اقليمية: مكتب اقليمي في طرابلس مسئول عن منطقة الشمال, مكتب اقليمي في زحلة مسئول عن البقاع ومكتب في صيدا مسئول عن الجنوب, ويعمل المكتب المركزي في كل الاراضي اللبنانية وخصوصا جبل لبنان ومراكز العمليات المهمة. والمهمة الاساسية لهذه المكاتب هي مكافحة تجارة المخدرات والاتجار بها وزراعتها وترويجها وهي تدخل ضمن عبارة واحدة هي مكافحة العرض, اما مكافحة الطلب فتعني منع الناس من طلب المادة اي تخفيف المتعاطين ونسبتهم او منع المتعاطي من الحصول على هذه المادة. اما مديات نجاح الزراعات البديلة فيشير الى ذلك شكور مؤكدا انه في عام 1994 ازيل اسم لبنان عن اللائحة السوداء لزراعة المخدرات ومنذ ذلك العام لا توجد زراعة مخدرات, وتوجد محاولات سنويا من المزارعين لزراعة المخدرات ولكنها تتعرض للاتلاف فعلى سبيل المثال تم اتلاف 8 ملايين و 180 و 210 امتار مربعة سنة 1999 من الحشيشة و 24 الف متر مربع من الخشخاش. وفي سنة 1998 تم اتلاف ثلاثة ملايين و 231 الف متر مربع من الحشيشة اي اقل من سنه 1999 والفي متر مربع من الخشخاش ولسنة 1996 على سبيل المثال تم اتلاف 1500 متر مربع من الخشخاش و 2 دونم من الحشيش لقد كانت الكميات قليلة في سنة 1996 بعد ان شعر المزارعون بان الدولة جدية فلم يزرعوا ووعدوا بزراعات بديلة, وبعد سنوات لم يتلق المزارع اية مشاريع بديلة فتشجع وعاد الى الزراعة. ويلاحظ من الاحصاءات ان محاولات الزراعة في السنوات 95ـ 96 ــ 97 كانت قليلة خصوصا بعد التلف الذي اصاب سنة ,1994 ومنذ سنة 94 وحتى الان فان محاولات زراعة المخدرات تزيد, ويمكن ان تكون المحاولات لهذه السنة مثل السنة الماضية وربما اكثر لكن هناك جداول زمنية بعمليات التلف يتوقع ان تبدأ قريبا ولكل المناطق, كل بدوره, ويستغرق البرنامج شهرين للاتلاف الذي هو مكلف ماديا ويتطلب قوى امن اضافية يشارك فيها الجيش اللبناني فعلا. ويذكر المسئولون انه على سبيل المثال فقد دفع في السنة الماضية خمسين مليون ليرة لبنانية كأجرة لجرارات وعمال اتلاف الحشيشة.