غيب الموت امس الرئيس اللبناني الاسبق شارل الحلو اثر نوبة قلبية حادة عن عمر ناهر 88 عاما وفق ما اعلنته مصادر رسمية لبنانية امس. وكان اخر من زاره في داره بمنطقة الكسليك الرئيس اللبناني الحالي اميل لحود اذ جمعت بينهما صداقة روابطها المدرسة الشهابية نسبة للجنرال فؤاد شهاب الذي خلفه الحلو. تولى الحلو رئاسة لبنان عام 1964 وحكم لست سنوات حفلت بانجازات مهمة لعل ابرزها كان اتفاق القاهرة عام 1969 الذي وقعه مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اعطى بموجبه الفلسطينيين الحق في استخدام منطقة العرقوب في شرق جنوب لبنان منطلقا للهجمات على اسرائيل. وعدّ كثيرون هذا الاتفاق الاطلاقه الاولى للحرب الاهلية التي اندلعت في لبنان لأول مرة بين عامي 1975 و 1990, وبقيت إلى ذلك منطقة العرقوب تعرف باسم (ارض فتح) حتى الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 الذي اخرج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من كل لبنان. عرف الحلو بطبيعته المسالمة وعدم احتماله للعنف مما جعل من الطبيعي ان يغيب عن المسرح السياسي اللبناني ابان الحرب الاهلية التي عصفت بلبنان. ولد الحلو في 25 سبتمبر عام 1913 لوالد صيدلاني هو الكسندر الحلو وام سورية من عائلة نحاس, وانهى دراسته الثانوية عام 1929 في جامعة القديس يوسف حاصلا على مرتبة الشرف في مادة الفلسفة, ثم نال جائزة مماثلة من الخريجين القدامي في الجامعة تحت عنوان (الرياضيات هي شكل انساني ايضا) واستمر حتى تخرج من كلية الحقوق ببيروت عام 1934. وكان لشغفه بالصحافة قد انشأ في العام 1930 وأدار صحيفة (نور الشرق) ثم جريدة الاوريون لوجور وكلتاهما ناطقتان بالفرنسية, وكنتيجة لمساهماته السياسية والاعلامية باللغة العربية, ترأس عام 1948 مكتب (العلاقات العربية للدفاع عن فلسطين) عام 1948. عين وزيرا في فترات عدة للعدل, الصحة, الاعلام, والتربية, اضافة لمناصب رسمية اخرى في مختلف المجالات وصولا إلى تعيينه عضو شرف في المجلس الاعلى للفرانكفونية في العالم. وكان الحلو واحدا من ابرز الدعاة العاملين لتعزيز العلاقات اللبنانية بالدول الفرانكفونية نتيجة عمق ثقافته وفكره المنفتح, فقاد بلاده إلى دور الشريك الفرانكفوني الفاعل في مجموعة تضم 260 مليون شخص. ربطته صداقات وثيقة بكبار قادة الحركة الفرانكفونية بدءا من شارل ديجول مرورا بفرانسوا ميتران والرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك, دون ان يقطع اتصالاته وعلاقاته بالقادة والمسئولين العرب الذين سعى لتعزيز علاقات بلاده معهم ولعل ابرزهم كان الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر. وفي بداية حياته كما هو معروف كان ابرز اصدقاء الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سيدار سنجور احد رجال الفرانكفونية وربما هو من دفعه للتيار الفرانكفوني إذ بدأ محاميا وصحفيا واديبا. شغل الحلو منصب عضو في الحزب الدستوري الذي ساهم بقوة في انتزاع استقلال لبنان من فرنسا عام 1943 وتم تعيينه اول سفير للبنان في الفاتيكان قبل دخوله المعترك السياسي في 1951. انتخبه انصار سلفه الرئيس اللواء فؤاد شهاب في 1964 رئيسا للجمهورية, وكان الشائع فعلا وقتئذ ان الحلو وصل إلى سدة الرئاسة بدعوة من شهاب نفسه الذي ترأس البلاد بين عامي 1958 و1964, مما جعل الامر يبدو كأنه استمرارية للعهد الشهابي, لكن الحلو سرعان ما انقلب على اركان العهد الشهابي وقلص من نفوذ مخابرات الجيش اللبناني وتدخلها في الشئون السياسية ووصل به الامر إلى درجة انه طارد بعض رموز جهاز المخابرات الذين لجأ البعض منهم إلى سوريا. ربطته بالرئيس الحالي اميل لحود صداقة متينة وشخصية فهما من المدرسة نفسها, وكان لحود قد زاره معايدا له في منزله بالكسليك قبل حوالي الاسبوع بعد ان زار البطريرك الماروني صفير في بكركي المجاورة للمعايدة ايضا. وتأكيدا للروابط رعت عقيلة رئيس الجمهورية اندريه اميل لحود قبل حوالي الشهر حفل اهداء الرئيس الحلو مكتبة إلى مدرسة الجمهور قرب بيروت وهو من خريجيها. وكان قد حضر الحفل على كرسي متحرك دأب على التنقل بواسطته بمساعدة الاصدقاء عندما ثقلت صحته وتراكمت عليه السنوات. رحل الحلو نتيجة قصور في حركة القلب بعد نقله بصورة طارئة إلى (مستشفى الارز) قرب بيروت امس وفق ما أكده طبيبه سهيل مطر في الساعة العاشرة من صباح امس. ويعتبر الحلو الرئيس اللبناني الرابع منذ الاستقلال بعد بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب. رحل وفي قلبه غصتان وفق ما كانت اخر تعليقاته قبل اسبوعين لوفد اعلامي زاره للمعايدة وشاركت (البيان) فيه اذ قال: (ما يحز في قلبي ليس مرضي وقعودي, بل ان الدولة لم تأخذ مشورتي حتى الان في قمة الدول الفرانكفونية الذي سيعقد في بيروت خلال اكتوبر المقبل, والغضة الاكبر ان ارى هذا التشتت العربي المتمادي وهذه الانقسامات والخلافات بين الاشقاء في الوقت الذي يكتب الحجر الفلسطيني في كل لحظة ملحمة وحدوية ونضالية عربية. وهكذا رحل الرئيس الحلو وهو ينزف قومية ووطنية وعتبا على جمهورية ترأسها لست سنوات.