يعتبر مشروع قانون الايجارات الجديد في سوريا مثيرا للجدل من حيث الهدف من اصداره ومقياس عدالته والنصوص التي يجب ان يتضمنها المشروع حتى يكون عادلا غير ظالم. فهل الهدف منه انصاف المالكين الذين تم تجميد اجور عقاراتهم حتى اصبحت لا تساوي شيئا وان ما حدث كان اقرب الى المصادرة منه الى اي شيء آخر ام الاستمرار في حماية المستأجرين لان فيهم طبقة تعيش كفاف يومها ام حل ازمة السكن التي كانت ومازالت تتفاقم وكان ابرز ظواهرها هذا الكم الهائل من الشقق السكنية في المحافظات كلها وفي مدينة دمشق ريفها بشكل خاص منها ماهو جاهز للسكن ومنها ماهو على الهيكل وكلها تشكل ثروة قومية واقتصادية مجمدة لا فائدة منها .. وكيف يساهم انجازها في حل ازمة السكن؟ ــ ومنها هذا المرض المستشري الذي يتمثل في مناطق المخالفات التي تزداد يوما بعد يوم وتشكل بؤرا في قلب المدن واطرافها تجعل كل تخطيط لحماية البيئة وتأمين اللازمة للمواطنين بشكل عام ولقاطنين في هذه المساكن بشكل خاص ضربا من المستحيل فان استطاع المسئولون تأمين بعض الخدمات لقاطني هذه المساكن كانوا كمن يشجعون على استشراء هذا الداء وان امتنعوا عن تأمين الخدمات لهم كانوا كمن يحكم عليهم بالمعاناة من الحرمان فوق ما يعانون . وهم ما عمدوا الى السكن العشوائي الا بعد ماسدت في وجوههم السبل حتى انه في بعض المناطق المجاورة للمقابر زاحم الاحياء الاموات فتداخلت المساكن مع القبور. هذا هداف يتطلع كل مواطن من زاويته الى حلها فهل تكون هذه هي مهمة تشريع الايجارات الجديدة. والحكم على التشريع الجديد انه عادل او غير عادل يقتضي البحث في معرفة المقياس الذي تقاس به لامور ومعرفة الاهداف التي يرمي التشريع الجديد الى تحقيقها بحيث لا يحقق هدفا علي حساب هدف آ]ر او مصلحة اخرى. اما المقياس فانه وفي كل الدنيا وجدت الاسس التي يجب ان تصدر وكل تشريع يخالف الدستور فهو باطل. ودستور سوريا شأنه شأن كل دساتير العالم نص على ان المواطنين مسئولون امام القانون في الحقوق والواجبات (مادة 25/3). كما ان من المبادىء التي نص عليها الدستور في المادة 15 منه: ــ لا تنزع الملكية الفردية الا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون. بــ المصادر العامة في الاموال ممنوعة. وتطبيق ذلك يأتي على ضوء ماورد في المادة الاولى من القانون المدني ونصها: ــ تسرى النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها او في فحواها. ــ فاذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بموجب مبادىء الشريعة الاسلامية فان لم يوجد فبمقتضى العرف واذا لم يوجد فبمقتضى مبادىء القانون الطبيعي وقواعد العدالة. ونخلص من هذا الى القول: ــ ان المواطنين جميعا سواسية امام القانون. وبعبارة اخرى ليس هناك مواطن او جهة اخرى فوق القانون او مستثنى من احكامه او له قانون خاصة يعطيه ميزات خاصة من دون المواطنين جمعيا. ــ ان للملكية الخاصة مصونة وللمالك وحدة حق استعماله عقاره واستغلاله والتصرف فيه (مادة 768 من القانون المدين). ــ ان العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله الا باتفاق الطرفين او للاسباب التي يقرها لقانون ( مادة 148 من القانون المدني). وعلى هدى هذه المبادىء والقواعد يجب ان يصدر قانون الايجارات لان مخالفة المبادىء التي نص عليها الدستور في اي تشريع يجعل هذا التشريع لاقيمة قانونية له كما استقر عليه الاجتهاد القضائي القائل بانه في حال وجود تشريع يخالف نصا دستوريا فان النصر الواجب التطبيق سواء بالامتناع عن تنفيذ القانون المخالف للدستور او بالاستناد الى مبدأ التفاضل بين تشريعين متعارضين. وهذا ما اكدته القرارات المتلاحقة لمحكمة النقض وهي اعلى سلطة قضائية في سوريا وذلك في العديد من قراراتها ومنها القرار 334/697 تاريخ 22/4/1974 والقرار رقم 29 لعام 1982. اما اذا وجدت بعض ظروف اقتضت تدخل المشرع لوضع بعض القيود والاستثناءات على تلك المبادىء فان تلك المبادىء والظروف تقدر بقدرها ويجب ان تزول بزوال الاسباب التي دعت الى اصدارها استئناف قرار 40/725 لعام 1979 والاهداف التي يعسى التشريع الجديد الى تحقيقها نوعان: الاول: * اهداف يحققها التشريع الجديد وحده كالنص على ان يكون بدل الايجار عادلا وان يتمكن المؤجر من اخلاء عقاره.. الخ * واهداف يحققها التشريع مع تشريعات اخرى مساهمة في حل ازمة السكن التي تنعكس على العلاقات الايجارية. ان التشريع الجديد ساهم في حل ازمة السكن نسبيا حين جعل العقود الجديدة خاضعة لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين. اما الثاني وهو حل ازمة السكن فان حلها لا يمكن ان يكون الا باصدار تشريعات اخرى في مجالات اخرى تساعد على انجاز هذا الكم الهائل من المساكن التي تقف اكثرها على الهيكل ولا سبيل لانجازها الا اذا تدخلت الدولة (وزارة الاسكان والمرافق ووزارة الاقتصاد بشكل خاص) لتوفير الخدمات لهذه المساكن وتقديم القروض لمالكيها تمكنهم من اتمام كسوتها وسكنها, وليس هناك ما يمنع ان تكون هذه الفروض طويلة الاجل وبلا فائدة اليس من واجب الدولة ان تساعد مواطنيها على تجاوز الازمات وحل المشاكل وليس هناك في ظني حل اخر لمشكلة تلك المساكن في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها العالم ومنها بوجه خاص بلدان العالم الثالث. مشروع القانون خطوة رائدة وجيدة على انه لابد ن القول ان مشروع قانون الايجارات يشكل خطوة ضرورية وهامة انتظرها المواطنون طويلا وبعد ان اصبح قانون الايجارات الحالي رقم 111/1952 وما شابه من ترقيع خلال النصف قرن مصدرا للخلافات بين المواطنين لذا فان اصدار قانون متكامل اصبح حاجة ضرورية وملحة ولكل من وضع لبنة في اصداره تحية حب وتقدير. والمشروع الجديد رغم ما فيه من نقاط ايجابية الا ان فيه بعض النقاط التي تحتاج إلى الدراسة والبحث قبل اقرارها ومنها: * عدم البحث في مخاطر جعل احكام محاكم الصلح خاضعة للطعن بالنقض بدلا من الاستئناف. * عدم البحث في العلاقات بين المؤجرين والمستأجرين في المناطق السكن العشوائي ومناطق المخالفات. * محاذير اعطاء المستأجر حق طلب اخلاء العقار الذي يشغله لقاء تعويض يدفعه له المؤجر. * نقل المشروع بعد الاستثناءات من القانون القديم كما هي ولاسيما ما يتعلق بها باستثناء الوزارات والادارات والهيئات العامة من الاخلاء اذا سلمت المأجور للغير. ذلك ان الاستثناءات انما ترد في التشريع عادة لحماية الضعيف من القوي وهذا النص جاء على خلاف القانون لانها جاء ليحمي الدولة وهي الطرف الاقوى من المواطن العادي. هذا فضلا عن ان هذا النص يحد من حقوق الملكية دون مبرر أو غاية وهو من التعديلات الطارئة على قانون الايجارات رقم 111/1952 والتي لم يأخذ بها التشريع الجديد. هذه بعض الملاحظات التي خطرت ورأيت انها جديرة بالدراسة والبحث وقد تكون هناك نقاط اخرى جديرة بالبحث والاهتمام وهذا يقتضي طرح المشروع على اوسع نطاق وان تجري مناقشته بكل وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية حتي نأتي بأحسن النتائج حتى يصدر التشريع اقرب ما يكون من الكمال وتحقيق الغاية المرجوة. مشروع قانون خطوة جديدة وايجابية, ولكن اليس من حق كل مواطن ان يسعى إلى ما هو اكمل وافضل؟ ومن خلال ذلك يتسنى لاعضاء السلطة التشريعية وهم نواب الشعب الاطلاع على وجهة نظر مواطنيهم والاخذ بها لان من حقهم على كل مواطن ان يطلعهم على وجهة نظره ومن حق كل مواطن ان يكون رأيه محل دراسة وتمحيص وتلك هي المشاركة الشعبية ابرز مظاهر الديمقراطية. فضلا عن ان دراسة المشروع دراسة وافية ومناقشته مناقشة كافية من اعضاء مجلس الشعب يجعل تلك المناقشات والدراسات اسبابا موجبة للقانون في متناول المحامين والقضاة والمتقاضين جميعا تلقي الضوء على كل نص والهدف من اصداره وكيفية تفسيره ولا تترك كل قاض أو محام يفسر النص على النحو الذي يحلو له على ضوء مصلحته فتتضارب الاحكام وتتناقض الاجتهادات وتفقد العدالة معناها.