لم تثر الصور التي عرضت مؤخرا لوزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر وهو يضرب رجل شرطة في مظاهرة جرت عام 1973 قدرا كبيرا من الجلبة والانتقادات لما عرف عنه من ماضيه الشهير كرجل مظاهرات ومشاغب يساري عندما كان شابا. وصرح فيشر في حوار مع مجلة شتيرن (أجل لقد كنت متشددا) وذلك بعد مواجهته بالصور التي تبينه وهو يشارك في مظاهرة في فرانكفورت ويهاجم رجل شرطة ويطرحه أرضا ثم يركله ويلكمه بمساعدة يساريين آخرين. واعترف فيشر للمجلة بأنه قام أيضا بإلقاء الحجارة على الشرطة أثناء المظاهرات التي شارك فيها, ولكنه قال انه لم يستخدم قط زجاجات حارقة أو أسلحة نارية. وقال فيشر ان شعوره بالاشمئزاز إزاء عملية اختطاف طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت متجهة لعنتيبي بأوغندا عام ,1976 والتي قام خلالها الخاطفون ــ الذين كان من بينهم يساريان ألمانيان, بفصل الركاب اليهود عن غير اليهود, دفعه إلى نبذ العنف ضد الدولة. إلا أن فيشر, الذي ساند بوصفه وزيرا للخارجية, الضربات الجوية التي نفذها حلف شمال الاطلسي (الناتو) ضد يوغسلافيا عام ,1999 أكد أنه ليس من دعاة أتباع الطرق السلمية وأنه مازال يؤمن بشدة بأن هناك قضايا تستحق أن يقاتل المرء من أجلها, كالحرية وحماية أرواح الناس. وقد أدت الصور الخمس التي يظهر فيها فيشر وهو يرتدي خوذة دراجة بخارية ويضرب رجل الشرطة إلى مطالبة الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض باستقالته. ويعد توقيت ظهور الصور والحوار الذي أجرته معه مجلة (شتيرن) حساسا بالنسبة لفيشر نظرا لان المحكمة استدعته للشهادة في محاكمة هانز ـ يواكيم كلاين, وهو صديق سابق لفيشر وإرهابي ينتمي لفصيل الجيش الاحمر, والتي ستجرى في 16 يناير الحالي. وكلاين متهم بارتكاب جريمة قتل في الهجوم الذي وقع عام 1975 على اجتماع لمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) في فيينا والذي قتل خلاله ثلاثة أشخاص. وقد اختفى كلاين في أعقاب الهجوم على اجتماع الاوبك, ولم يتم اعتقاله سوى عام 1998 بعد أن تبين أنه يعيش بهوية مزورة في فرنسا. وكان يقوم أصدقاؤه اليساريون بمساعدته ماليا, إلا أن فيشر أنكر القيام بأي دور في مساعدته. كما كرر فيشر إنكاره الشديد لمعرفته أي شيء بشأن قيام كلاين باستخدام سيارته لنقل بندقية استخدمها فيما بعد لقتل هاينز هيربرت كاري وزير الاقتصاد بولاية هيسن الالمانية عام 1981. وقال فيشر انه أعطى سيارته لكلاين ليقوم بإصلاحها, وأن كلاين استخدمها دون علمه. وكان رد فعل وسائل الاعلام الالمانية على الصور التي تظهر فيشر وهو يضرب رجل الشرطة, هو الالتفاف حول الوزير لمؤازرته. وكانت أكثر المفاجآت هي التأييد الذي حظي به فيشر من بيتر بوينيش الذي كان هدفا لفيشر عندما كان محررا لصحيفة (بيلد) الشعبية عام ,1971 وبعد أن أصبح المتحدث الرسمي باسم المستشار الالماني المحافظ السابق هيلموت كول. وكتب بوينيش في مقال بصحيفة بيلد (لم يكن (فيشر) إرهابيا على الاطلاق, بل كان متظاهرا متشددا كما كان كثيرون آخرون عام 1968), وأضاف (إن ما يهم الان هو النتائج الدبلوماسية التي يحققها وليس صورا من الماضي مليئة بالكراهية والعنف من كلا الجانبين). وكتبت صحيفة (تاجيشبيجل) البرلينية أنه على الرغم من أن الصور توضح الجانب (الرث) من ماضي فيشر, إلا أن المهم الان هو أنه (تحول من عدو للدولة إلى رجل دولة كبير). وقالت صحيفة (ناخريشتين) التي تصدر في ولاية آخين أن الصور لم تكشف شيئا جديدا لم يكن الشعب يعرفه في السابق عن فيشر, وأضافت (لقد كنا نعرف منذ أعوام أنه تحول من متشدد ومتظاهر مشاغب معاد للامبريالية إلى ضيف العشاء الاثير لدى وزيرة الخارجية الامريكية مادلين ألبرايت). ومن جانبها, ذكرت جريدة (أنتسايجر) التي تصدر في ولاية ويستفاليا أن تلك التحولات الدرامية في حياة فيشر العاصفة هي نفسها التي أكسبته شعبية لدى الناخبين. وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مجلة (دير شبيجل) واسعة الانتشار أن فيشر هو أعلى السياسيين الالمانيين مكانة خلال الاعوام القليلة الماضية وأنه تفوق على الجميع بمن فيهم رئيسه المستشار جيرهارد شرويدر.
