في برلين وعلى وجه التحديد في 21 يونيو 1941. يطلب السفير السوفييتي ديكانوف تفسيرا من وزير خارجية الرايخ فون رينبترول حول الاعتداء الألماني على روسيا فيأتيه الرد: (الموقف العدائي للحكومة السوفييتية تجاه ألمانيا اجبر برلين على اتخاذ اجراءات دفاعية وقد صيغ هذا الرد بعبارات دبلوماسية ملطفة. وفي الواقع فقد اراد هتلر منافسة الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت فانطلق مهاجما روسيا منتهكا بذلك اتفاق عدم الاعتداء الموقع مع ستالين. والدبلوماسي السوفييتي لم يستطع كبح جماح غضبه, وجاء رده على شكل تهديد حين قال: (سترثون لحالكم بسبب هذا الهجوم. ستدفعون ثمنه غاليا). صدقت كلمات ديكانوف, كأنها لعنة, فالهجوم على الاتحاد السوفييتي كان هلاكا للفوهرر كان بمثابة المرض القاتل الذي اصاب آلة الحرب الالمانية المهيبة والمرعبة في آن. بشكل خاص, عندما وقفت الجيوش الالمانية عاجزة في مواجهة سد ستالينجراد العظيم الذي تتكسر عليه الامواج. كانت ستالينجراد هي المعركة الاطول والاكثر دموية خلال الحرب العالمية الثانية (نصف مليون ضحية) وقد غيرت نتيجة الحرب برمتها كما كانت بداية نهاية الرايخ الثالث وارتقاء الاتحاد السوفييتي كقوة عظمي. اما المؤرخ البريطاني انطوني بيفور فلقد اعاد بشكل شامل وصارم بناء جدار ألمانيا النازية وروسيا الستالينية هذا. والنتيجة هي (ستالينجراد) الكتاب النهائي حول المعركة. واقتفى بيفور بدقة عالم حشرات ارشيفات الكرملين المقيمة في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي على انها وثائق رسمية ألمانية كما استقصى الاوراق الخاصة بالجنرالات الرئيسيين لكلا الطرفين, وانهى بحثه مع شهادات شخصية للناجين وابنائهم. وتحول الكتاب الى ظاهرة في المقالات الافتتاحية في المملكة المتحدة حيث بيع منه 400.000 نسخة, وترجم الى 14 لغة. الفكرة المبتذلة الاولى التي يفندها المؤلف هي ان قرار هتلر الاستراتيجي كان حماقة بشكل مبدئي. فالفوهرر جازف بنفسه بمهاجمته الاتحاد السوفييتي, لكنه اعد ضمانات اكيدة حيث لم يكن لألمانيا, في المقام الاول, حينها (صيف 1941) جبهة غربية ولقد تغير المشهد العام بشكل جذري, عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب, بعد بضعة اشهر ولاحقا عندما بدأ هجوم الحلفاء من شمال افريقيا. في المقام الثاني, كانت لهتلر اسبابه الحقيقية من اجل الاعتقاد بضعف الجيش الاحمر, وذلك بعد التطهيرات الداخلية التي عانى منها بسبب اوامر ستالين منذ 1937. بالاضافة الى ان القوات السوفييتية كانت رهينة الطبيعة المزدوجة لقيادتها. تدخل المستشارين السياسيين في شئون العسكريين المحترفين وكانت اوامر الكرملين تعطي عكس النتيجة المطلوبة وأدت الى اخطاء استراتيجية. شهدت بداية (عملية اللحية الحمراء) نجاحا معينا, وفي الايام الاولى للهجوم حرصت ألمانيا على تدمير جانب مهم من الطيران السوفييتي. وفي صيف 1942 وصلت الجيوش الالمانية الى مجرى نهر الفولجا حيث وجدت ستالينجراد التي كانت لهتلر مصلحة خاصة في السيطرة عليها, فلقد مثلت مجد النظام السوفييتي بصناعتها التعدينية وازدهارها الزراعي ومصنعها العملاق لجرارات اكتوبر الاحمر. وبدأ العذاب الألماني. وكما يوضح بيفور في كتابه فإن الجيوش الالمانية لم تأخذ بعين الاعتبار العناصر التي حولت المدينة الروسية الى شرك مميت, وفي المقام الاول من بينها جميعا, القدرة على المقاومة من جانب الجندي الروسي ــ السوفييتي (المسمى شعبيا ايفان) على سبيل المثال, كتب بدون عناية احد المدافعين عن المدينة على جدار العبارة التالية: (انني اموت, لكن لن استسلم دمت الى الابد ايها الوطن!) وتأتي في المقام الثاني امكانية رد الفعل عند الجيش الاحمر الذي اعيد تنظيمه وتحرر, بشكل ظاهري, من ضغط الفصاحة الماركسية ــ اللينينية. كان ستالين قادر على تحويل الكفاح ضد النازيين الى (المعركة الوطنية العظمى) حيث انها حرب لا تقتصر على الطبقة العاملة وحدها. وفي المقام الثالث, على الرغم من ان الامر يبدو كما لو كان من قبل السخرية, الا ان الجنود السوفييت كانوا مستعدين جيدا لمواجهة شدائد البرد. ودائما قيل بأن المنتصر الاكبر على الالمان كان الجنرال شتاء حيث تجاوزت اعداد المتجمدين تلك التي للجرحى كذلك المارشال وحل فلقد كان مميتا حين عطل الشاحنات, زد على هذا وذاك عدوى التهاب الكبد والدسنتاريا ان كل ذلك ثبط عزيمة الالمان وكثير منهم ألحقوا الضرر بأنفسهم من اجل اجلائهم او انتحروا فالمعركة تأخرت ستة اشهر. وفي هذه الاثناء كان السوفييت ينظمون الهجوم المضاد سرا وعززت الصناعة الحربية السوفييتية انتاجها حيث بدأ الاتحاد السوفييتي بانتاج 2200 دبابة تي ـ 34 كل شهر. واستطاع الهجوم المنسق من قبل الجنرال بيرفكو ومستشاره السياسي, نيكيتا خروشوف (الزعيم المستقبلي للاتحاد السوفييتي) حشر الجيش السادس الالماني بين القوات الروسية ونهر الفولجا., اذ بدأ حينها الكفاح المحتضر لـ 200.000 جندي وطالب الفوهرر بالمقاومة و(الموت كفاحا) ويتهمه بيفور هنا في هذه النقطة بالتعصب وأنه كان قد فقد الاتصال بالواقع لكنه يوسع نطاق المسئولية لتطال نائبه هورمان جورنج الذي خدعه عندما قال له انه كان من الممكن امداد ستالينجراد عبر جسر جوي. ويخطىء المؤلف كذلك جنرال باولوس بسبب ضعفه والنقص في قدرته على اتخاذ القرارات كما ينتقد المارشال فون مانسيتين الذي لم يشأ الاضرار بمسيرته عندما دعم باولوس في مواجهة الفوهرر واعتبر ان التركيز السوفييتي في ستالينجراد كان قد خفف الضغط على الميادين الاخرى للجبهة الروسية. وانتهى باولوس منسحبا وذلك ضد وجهة نظر الفوهرر, وتحولت الانتصارات المرغوب فيها عام 1941 الى تداع فظيع وكانت مسيرة الحرب قد تغيرت. واغرقت خسارة ستالينجراد الفرهور بالكآبة. وحسب الجنرال جودريان (كانت يده اليسرى ترتجف وظهره بدا محنيا وكانت نظرته ثابتة باتجاه بعينه وعيناه بدتا ناتئتين لكن كان ينقصه بريقه القديم). ان الحملة الروسية عموما وستالينجراد على وجه الخصوص ما هي الا بئر كارثية من الاخطاء, حيث يذكر المؤلف في كتابه ان السوفييت والنازيين على حد سواء كانوا قد اوصلوا مسلماتهم الكارثية حتى العواقب الاخيرة مستغلين جانب عدم العقاب للحرب. اما البرد والجوع والمسمى (بأس المعركة) جميعها هي عناصر جلبت الجنون للجنود الروس والألمان الذين تمركزوا في الجبهة او في الضواحي المدخنة لستالينجراد حين وجدوا انفسهم مضطرين لممارسة اكل لحوم البشر مع رفاق لهم ميتين ومتجمدين. وخط الاسرى لم يكن افضل بكثير, فمن بين 300.000 جندي ألماني والدول المتحالفة معهم (مجريون ورومانيون) الذين باشروا الهجوم بقي فقط 90.000 وذلك عندما سقطت ستالينجراد اذ انهم ارسلوا اما لمعسكرات التجمع او لاعادة بناء المدن. لكن كانت هناك ايماءات رحمة وتضامن مثل النساء الروسيات عندما كن يسعفن الجنود الالمان الجائعين او الذين بدت عليهم اعراض التجمد. او اشارات بطولة مثل حالة الاطباء الالمان الذين لم يتركوا, ابدا الجنود الجرحى في مستشفيات ارض المعركة او عندما كانوا يرفضون تجريع السم للذين وصلوا الى حافة اليأس وأرادوا الانتحار. عن (الموندو) ــ اسبانيا