تلاشت تقريبا المواجهات والمظاهرات الجماهيرية ضد قوات الاحتلال في جميع أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية وأكثر من ذلك حل الفتور الشعبي تجاه أشكال المقاومة هذه بعد أكثر من ثلاثة شهور من التصدي للاحتلال بالحجارة والصدور العارية والذي أوقع مئات الشهداء وعدة آلاف من الجرحى. (البيان) استطلعت آراء عدد من القيادات الفلسطينية حول أسباب ذلك الانحسار, وهل هو نتيجة اليأس من الواقع وتخوف المواطنين من ضياع تضحياتهم الجسام على مذبح أوسلو أو التسوية أم انه ناتج عن تصاعد وتيرة العمل العسكري الذي يوقع الخسائر ويكون دائما هو الأكثر ايلاما للعود ويكسر شوكته. الشيخ نافذ عزام الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين قال: ان من أهم الأسباب التي أدت إلى انحسار المشاركة الشعبية في يوميات الانتفاضة المباركة هو الضيق الذي يعاني منه المواطنون بشكل عام وخاص عند شعورهم بأن المفاوضات السياسية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني تجرى في الخفاء مما يؤثر على معنوياتهم واحساسهم بأن ما يقدمونه يذهب أدراج الرياح في اطار اتفاقيات وتفاهمات لا تجلب للشعب الفلسطيني سوى المزيد من الويلات. أضاف عزام ان الانتفاضة الجماهيرية يجب ان تكون مساندة وداعمة للعمل العسكري المسلح ضد الاحتلال حيث لا يمكن الاستغناء عن أي منهما في اطار جهاد الشعب الفلسطيني المتواصل. ودعا عزام إلى وقف المفاوضات السرية منها والعلنية مع الجانب الصهيوني وأكد على ضرورة الالتحام مع خيار الشعب المنادي بأهمية استمرار الانتفاضة حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني مهما كلفنا ذلك من دماء وشهداء. وأشار إلى ان الحق لا يستجدى إنما ينتزع انتزاعاً مدللا على ذلك بانجازات حزب الله والمقاومة اللبنانية في جنوب لبنان من تحرير وانتصارات. وشدد الناطق باسم حركة الجهاد الاسلامي من انه لا يستطيع أي أحد مهما كان ان يوقف الانتفاضة مهما لجأ إلى سبل ووسائل. وقال: الانتفاضة الحالية جاءت لتقول لكل المراهنين على (حروب الطاولات السياسية) انه لن تجدي ولن تجلب لنا سوى المزيد من ضياع الحقوق والأوطان خاصة بعدما اكتشف الشعب الفلسطيني الحقيقة بعد سبع سنوات من التضليل والتشويه في الحقائق والمعلومات. من جهته أعرب المهندس اسماعيل أبو شنب الناطق باسم حركة حماس بقطاع غزة عن مخاوفه على استمرار الانتفاضة جراء تواصل قنوات التفاوض مع الجانب الاسرائيلي التي تشكل خطرا حقيقياً على الانتفاضة كما انها ستؤدي إلى حالة انقسام كبيرة داخل الشارع الفلسطيني الذي يشهد الآن أوضح صور الوحدة فيما بينه في ظل هذه الانتفاضة. وأوضح أبو شنب ان الانتفاضة حاليا تسير في خطين متوازيين هما خط سير الحياة اليومية للمواطنين حيث لا يمكن ان تتوقف حياة المواطنين اليومية والاعتيادية والخط الآخر هو استمرار الانتفاضة بكافة أشكالها الشعبية والمسلحة. واعتبر ان الانتفاضة والأراضي الفلسطينية شهدت منذ ثاني أيام عيد الفطر المبارك تصعيدا مميزا ونوعيا في العمل الفلسطيني المسلح الذي أدى إلى مقتل واصابة العديد من الصهاينة والمستوطنين. وكانت عمليات استشهادية ومواجهات مسلحة وقعت ثاني أيام عيد الفطر في قطاع غزة وفي تل أبيب ونابلس ورام الله. أما أحمد قطامش القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, فقال ان الاحتلال الاسرائيلي مشروع عنيف وقهري يجثم على صدر شعبنا الفلسطيني وهو يمارس سياسة الاعتقال يوميا ويطلق العنان لسياسة الاغتيال المدروسة بأكثر شراسة مما قبل والضغوط المتراكمة على شعبنا الفلسطيني أدت إلى انفجار في الوضع السياسي. وقال ان هذا دليل على ان النهج التفاوضي ليس هو المنهج والخيار الوحيد أمام شعبنا وان المشروع الأمريكي الاسرائيلي اليوم يحاول احباط الأهداف الفلسطينية وأهمها حق العودة كونه الحلقة المركزية. وأشار قطامش إلى ان الشعب الفلسطيني قادر في كل الأحوال على التصدي والصمود, ولكن ما أشيع في هذه الآونة عن قضية المفاوضات والتسوية وعن اتفاقات قد تعيدنا إلى ما كنا فيه سابقا جعل الشارع الفلسطيني يعيد حساباته مرة أخرى خوفا من ان تنتهي هذه الانتفاضة المباركة لما انتهت إليه الانتفاضة الكبرى في نهاية الثمانينيات. وأضاف ان ما يدور اليوم ليس خطة أو برنامجاً مرسوماً بدقة بل هو اتجهات وحركة فيها غموض وليس فيها وضوح. وقال: في رأيي ليس ثمة حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي, وبالتالي العربي الاسرائيلي إلا بعودة اللاجئين وزوال الاحتلال بكافة أشكاله المختلفة. عبد الجواد صالح عضو المجلس التشريعي ووزير الزراعة السابق عزا الانحسار في المشاركة الجماهيرية في الانتفاضة إلى الطريقة التي أديرت بها هذه الانتفاضة والنشاطات الحالية في مختلف الأراضي الفلسطينية إلى جانب ان القوى الأخرى لم تتمكن من أخذ زمام المبادرة في القيام بنشاط خارج نطاق المواجهة على خطوط التماس مع العدو الاسرائيلي. واقترح صالح ان تخرج مسيرة بتعداد يتجاوز 100 ألف فلسطيني وان تتجه إلى القدس وألا تتخذ منهج التصادم بل تكون مسيرة سلمية تحمل الشعارات حول حق العودة وحقنا في القدس. وأضاف: على الرغم من انني متأكد من ان اسرائيل لن تسكت وقد يقع شهداء وجرحى إلا ان ذلك ينبغي ألا ينهي المسيرة ويجب ان تكون القيادة في المقدمة حتى تبرز الترابط بين القيادة والشارع الفلسطيني. وأوضح النائب صالح ان من الأمور الأخرى التي حالت دون استمرار التفاعل الشعبي طبيعة انتفاضة الأقصى والسمة التي تتسم بها من عدم اشراك الناس بأشكال نضالية مختلفة في حين كانت الانتفاضة الشعبية الأولى قد شهدت تفعيلا أكثر للشارع الفلسطيني وتشكيل اللجان, أما اليوم فالناس اعتمدت على وجود السلطة الفلسطينية, وقد يكون ذلك من أهم العوامل. وأضاف صالح: صحيح ان هناك وحدة وطنية في الميدان لكن الحقيقة ان اتخاذ القرار يؤخذ في اتجاه واحد وهذا الاتجاه قد تكون قراراته مرتبطة بعوامل سياسية وليس بقرارات أو ثوابت فلسطينية. من ناحيته قال الدكتور نافع الحسن استاذ القانون الدولي في جامعة القدس أولا يجب ألا نتوقع للانتفاضة ان تسير بنفس الوتيرة التي بدأت بها ويجب دائما ان نتوقع مدا وجزراً حيث ان الانسان تتأثر طاقته بعوامل عديدة. وأشار الحسن إلى ان الشارع الفلسطيني مدرك ان انتفاضته في ظل سلطة مسلحة تختلف عن انتفاضة لم يكن هناك وجود للسلطة أساسا, وبالتالي فالجماهير تدرك ان الانتفاضة في وضعها الجديد تتداخل فيها أشكال جديدة من النضال, وأوضح انه في السابق كانت الجماهير التي تختار الشكل النضالي الذي تريد أما اليوم وفي ظل وجود أجهزة أمنية وسلطة فلسطينية فالجماهير تتوقع لهذه الأخيرة ان تأخذ بزمام المبادرة وتتطلع لتكامل أشكال الصراع خاصة في ظل عمليات الاغتيال للقادة الفلسطينيين دون وجود رد مكافئ. ويضيف الدكتور الحسن ان من العوامل التي تؤدي إلى انحسار المشاركة الجماهرية أيضا الاحباط في الشارع وهذا سببه عدة عوامل أهمها المفاوضات التي تظهر فجأة فتصدم رجل الشارع الفلسطيني خاصة وان هذه المفاوضات تستأنف في ظل الوضع الحالي الذي تعلن اسرائيل ان لا عودة للاجئين ولا لقدس مجزأة, وبالتالي استئناف المفاوضات في هذا الوضع ودون شكل جديد هو عامل هدام. وأكد الحسن وجود أسباب أخرى مثل التنظيمات الفلسطينية العاملة على الساحة بالذات في ظل عدم وجود تنظيم كاف بين هذه الفصائل وبالذات حركة فتح التي تملك الوزن الأكبر. وبين الحسن وجود حالة من فقدان آليات التشغيل والتنسيق بين فعاليات المنظمات وقال ان حركة فتح لا تعمل بكل طاقتها وتحركها في الشارع الفلسطيني لا يعكس دورها الحقيقي.
