الملف السياسي : مع بدايات القرن الـ 21 هناك اشخاص يضعون الامم المتحدة اكثر من اي وقت مضى في مركز حياتهم تقريبا اذ عند العمل في سبيل التطور والوسط البيئي والصحي والحفاظ على السلام, فإننا بذلك نساعد الامم والمجتمعات على بناء مستقبل افضل اكثر حرية وازدهارا. لأجل ذلك تولينا في المقام الاول, التزاما بالحيلولة دون ان يرى اي فرد حقوقه الانسانية وقد انتهكت او احتقرت كان ما كان جنسه او عرقه او سلالته. تلك الفكرة مكرسة في (خطاب الامم المتحدة) و(الاعلان العالمي لحقوق الانسان), هي المصدر الرئيسي لالهامنا وهي محرك جهودنا الكبرى كذلك. ونحن نعرف اليوم اكثر من ذي قبل ان اية امة او مجتمع او جماعة لا يمكنها ان تكون حرة بشكل حقيقي اذا لم تحترم حقوق الفرد. وسواء كانت محاولة لدفع التطور قدما او التشديد على اهمية النشاط الوقائي او التدخل ــ على الرغم من تشابك الحدود ــ من اجل وضع حد للانتهاكات الفاحشة لحقوق الانسان, فإن مسلكياتنا تتركز على الفرد ذاته. اما الارتقاء بأوضاع حقوق الانسان والدفاع عنها فإننا نضعه في قلب جميع مهامنا وفي كل نص من الخطاب. وفوق كل شيء اني مقتنع بأن حقوق الانسان تشكل نواة رباطنا المقدس مع شعوب الامم المتحدة. عندما يهاجم المدنيون ويذبحون بسبب انتمائهم العرقي, كما في حالة كوسوفو, وعندما يعتدى على الناس ويتم التمييز بين النساء والرجال, كما في سيراليون, وعندما ينكر على الاطفال والنساء حقهم في المساواة, مثلما يحدث في افغانستان, فإن العالم يوجه ناظريه الى الامم المتحدة كي تتحدث وتستنكر باسمه. ذلك ان النضال في سبيل حقوق الانسان ربما هو نشاط الامم المتحدة الذي له اكبر صدى بين الشعوب التي تشكلها كما انه يختص بحياة الناس الاكثر حاجة: المعذبين والمضطهدين وضحايا الظلم و(التطهير العرقي) اذا لم نرفع صوتنا في مواجهة تعسفات مماثلة واذا لم نتحدث بدون التستر عليها وإذا لم نتحرك في الدفاع عن حقوق الانسان وشموليتها الخالدة, كيف السبيل اذن الى التجاوب مع شعوب العالم تلك؟ في عالم حدّت العولمة فيه من امكانية الدول في السيطرة على اقتصادياتها واصلاح سياساتها المالية او الوقوف على الحياد من مسألة الهجرات الانسانية والاضرار بالوسط البيئي حيث لا يمكن ولا يجب ان يكون آخر حق لدولة ما في استعباد وملاحقة او تعذيب مواطنيها انفسهم. ان الانجازات التي حققتها الامم المتحدة في هذا الحقل, على مدار نصف قرن, تتأصل في الموافقة العالمية على الحقوق المسماة في (الاعلان) والمقت المتزايد باضطراد للممارسات التي لا تغتفر في اية ثقافة وفي اي حال. على الاقل من وجهة نظري لا يكفي للأمم المتحدة ان تكون معروفة من قبل ذلك الذي يقاتل فالعالم بحاجة لأن يعرف وبشكل واضح ضد من نحن وفي عصر حقوق الانسان يجب على الامم المتحدة ان تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأنه مثلما يوجد اهداف مشتركة يوجد ايضا اعداء مشتركون. لا يجب علينا ترك ادنى حيز من الشك بأن عدم عقاب (مرتكبي التطهير العرقي) الذين يقتلون بالجملة ومذنبي الانتهاكات الفاضحة والرهيبة لحقوق الانسان, هي مسألة لا يمكن الموافقة عليها وهؤلاء لن يجدوا مطلقا ملجأ لهم في الامم المتحدة ولا عزاء او تبرير في رسالتها, اذ ان التحدي الاكثر اهمية يتمثل في محاربة الانتهاكات الاكثر وحشية التي تشتمل في حالات كثيرة على اعدامات جماعية ونزوحات واسعة بالقوة ومذابح وهجمات مرتكبة ضد مدنيين ,من بينها جميعها ليس للابادة العنصرية مثيل في التاريخ الانساني. وبسبب سخرية التراجيديا فإنه في عصر حقوق الانسان هذا الذي ربما يتمتع فيه اناس اكثر من اي وقت مضى بهذه الحقوق, قد اظلمت الدنيا مرات متكررة بسبب انفجارات العنف والمجازر المنظمة. حدث ذلك في سنوات السبعينيات في كمبوديا حيث قتل نظام بول يوت اكثر من مليوني شخص. وفي التسعينيات من البوسنة حتى رواندا آلاف وآلاف من الكائنات البشرية قتلوا بسبب انتمائهم لعرق ما وفي كل مناسبة يقول العالم (ولا مرة بعد الآن) لكن الافعال تتكرر. ان الفساد الاخلاقي و(التطهير العرقي المنظم) الذي مارسته السلطات الصربية في كوسوفو ما كان له الا هدف وحيد وهو طرد او قتل اكبر عدد ممكن من ألبان كوسوفو. وبذلك انكر على شعب حقوقه الاساسية المتمثلة في الحياة والحرية والأمان. وجاءت النتيجة على شكل كارثة انسانية على مستوى المنطقة, وكلنا نأسف لأن المجتمع الدولي لم يقم بمنعها وذلك على الرغم من شهور المفاوضات الدبلوماسية الطويلة لكن ما اثار الاستنكار العالمي والذي قرر في النهاية عودة ألبان كوسوفو الى ديارهم يعطيني طموحات كبيرة ويجب ان يرعب اي متطلع الى (التصفية العرقية) او التخطيط لمذابح باسناد حكومي. بخطوة بطيئة لكن اعتقد انها اكيدة تتوالد قاعدة عالمية ضد القمع العنيف للاقليات التي يجب ان ترتقي بالمسائل التي تتعلق بالسيادة. انه مبدأ يحمي الاقليات (والاكثريات) من الانتهاكات الواضحة. لذلك سأكون صريحا جدا: حتى لو كانت منظمة للدول الاعضاء الا ان الامم المتحدة موجودة لحماية حقوق ومثل الشعوب العليا حيث لا يحق لأي حكومة حماية سيادتها الوطنية من اجل انتهاك حقوق الانسان او الحريات الاساسية لشعبها, بعضها او كلها مقدس في كل شخص ينتمي اولا لمجموعة الاكثرية.