الملف السياسي : دون الدخول في النقاش حول ما إذا كان العام 2000 هو المكمل للألفية الثانية أم أنه بداية للألفية الثالثة التي صدعوا رؤوسنا بها مع الاحتفال بوداع العام 1999 واستقبال العام ,2000 ، ولكن ما لا شك فيه أن قارة أمريكا اللاتينية عاشت عاما مليئا بالأحداث الإيجابية, التي يمكن اعتبار بعضها تاريخية, لأنها شهدت تحولات كبيرة في المسيرة السياسية والاقتصادية لشعوبها التي كانت الألفية الثانية ليست أقل تعاسة من النصف الثاني من ألفيتها الأولى, لأنه بسبب تلك التعاسة التي جلبها عليها كولومبس وشركاه من الطامعين في ذهب وفضة الهنود الحمر لم نعرف شيئا عن النصف الأول من الألفية الأولى لتاريخ شعوب تلك القارة, لسبب بسيط, أن تاريخها تم محوه مع انصهار الذهب والفضة التي سرقها المستعمرون الأوائل وضيعها بعد ذلك التاج الكاثوليكي الإسباني في حروب لا طائل من ورائها سوى الخراب الذي عم أوروبا, ولم يتوقف إلا بعد أن نضب هذا الذهب. لكن أمريكا اللاتينية ظلت رهينة (ثرائها) بعد ذلك لقرون عديدة, فاستقبلت المغامرين من كل أنحاء أوروبا الباحثين عن الثراء على حساب شعوبها, فيما انقرضت شعوبها الاصلية, ومن تبقى منهم بقي رهينة للأساطير التي تحاك عنهم, ومن أفلح منهم في الإفلات من تلك الأساطير عاش على هامش المدن التي يسكنها الوافدون, ومن كان سعيد الحظ منهم استقر في الدرجة الأدنى من الحياة الاجتماعية, باعتبارهم من بقايا (بشر انقرضت سلالاتهم). لذلك إذا تحدثنا عن الشعوب التي تسكن في دول أمريكا اللاتينية وخاصة الطبقات التي تتولى السلطة فيها الآن, فإننا في الحقيقة نتحدث عن بقايا الاستعمار القديم, الذي أذاق شعوب البلاد الأصلية كل أنواع العذاب والهوان, الحكام الجدد ورثوا السلطة برحيل الآباء المستعمرين, و تركوا سكان البلاد الأصليين في (محميات) تشبه حدائق الحيوان التي لا تفتقدها أي عاصمة أوروبية. إذا تطلعنا إلى الخلف للعام الذي ودعناه قبل قليل, نقول انه كان من افضل الأعوام في الألفية الثانية من تاريخ أمريكا اللاتينية, مع وضع التحفظات التي أشرت إليها موضع الحسبان, لأن بداية هذا العام 2000 جاءت بالاحتفال برحيل القوات الأمريكية عن بنما, تلك القوات التي كانت تتربص بتلك الشعوب وعلى استعداد للانقضاض عليها عندما تستشعر خطرا يتهدد مصالح الشركات الأمريكية هناك. وخلال هذا العام شهدنا انفراجة في الأزمة التي كانت تعيشها الشعوب الهندية في بعض دول وسط أمريكا اللاتينية مثل جواتيمالا, التي أفلحت زعيمتها الهندية (روجو برتا منتشو) في استغلال حصولها على جائزة نوبل للسلام في تحريك قضية شعبها بحثا عن العدالة المفتقدة في بلادها تحت حكم العسكر, الذين وجدوا أنفسهم لأو ل مرة في قفص الاتهام بسب ما ارتكبوه من مجازر في حق تلك الشعوب. يضاف إلى هذا الأمل في أن يبدأ الرئيس الفنزويلي (هوجو تشابث) رئاسته لمجموعة الدول المصدرة للبترول (اوبك), فبدا زعيما جديدا في تلك المنطقة, تجري في عروقه بعض الدماء الهندية التي اختلطت بالطبع بدماء أوروبية بيضاء, لكنه يعرف أن هذا وطنه وأن أوروبا لم تعد تمثل له سوى فترة الاستعمار التي لم يعرفها, لأنه نشأ في وطن مستقل, وأن كان الاستقلال شكليا, والشكل الديمقراطي الذي أقيم على أنقاض الاستعمار كان يريد في الحقيقة المحافظة على علاقة التبعية من خلال ربط أحزاب المنتفعين السياسيين بمصالحه. نجح هوجو تشابث في محو آثار الأحزاب التقليدية القديمة من خلال ثورته عليها عبر برنامج انتخابي وجد فيه الشعب الفنزويلي طريق الخلاص لحقبة كانت فيها بلاده من أكبر الدول المصدرة للنفط, وفي الوقت نفسه من أكثر البلاد فقرا, وهي معادلة غريبة لا يفهمها إلا من يعرف أسرار علاقة الأحزاب التي حكمت فنزويلا خلال النصف الثاني من القرن العشرين بالاستعمار القديم. بفضل الإصلاحات التي أعلن عنها الرئيس الفنزويلي, وان كانت نتائجها لا تزال في طور التحقق مما يجعل الحكم عليها مسألة صعبة, يمكن القول ان شعبا من شعوب أمريكا اللاتينية المقهورة وجد الطريق الصحيح نحو توجيه مستقبله, على الرغم من كل ما يقال عن توجهات هوجو تستابث, لأنها في النهاية توجهات وطنية, تحاول السيطرة على ثروات الوطن لصالح سكانه, أما نتائج تلك الإصلاحات فالحكم عليها ليس الآن. بالطبع لا يمكن الحديث عن أمريكا اللاتينية وبلدانها دون الالتفات إلى ما وصلت إليه قضية دكتاتور التشيلي السابق وعميل المخابرات الأمريكية الجنرال أوجوستو بينوتشيه, الذي اعتقد البعض أنه هرب من حبل المشنقة بعد الإفراج عنه من سجنه الانفرادي في لندن بعد أكثر من 500 يوم من القبض عليه, لكن لم تكن عودته لبلاده انتصارا لقادة الانقلابات العسكرية كما اعتقد البعض, بل أنه أصبح هدفا لملاحقة العدالة في بلاده, هذه العدالة التي كانت غائبة كل الغياب في ظل حكمه للتشيلي خلال الثمانية عشر عاما التي تولى فيها السلطة المطلقة, أو كان هو فيها السلطة المطلقة منذ أن قاد انقلابه الدموي ضد الحكومة الشرعية المنتخبة برئاسة سلفادور الليندي. يعيش السابق حاليا قيد الإقامة الجبرية في انتظار أن يتم استجوابه لتحديد مسئوليته عن تعذيب وقتل آلاف من المعارضين الوطنيين, وتشريد عشرت الآلاف, ولجوء مئات الآلاف إلى دول أخرى بسبب عمليات القمع المستمرة, التي كانت اقذر نتائجها تلك العمليات التي جرت في السبعينيات والثمانينيات والتي أطلقوا عليها اسم (الكوندور), والتي كان يتم فيها إلقاء المعارضين أحياء في عرض المحيط. في الجوار باتجاه شرق القارة الأمريكية اللاتينية نجد أن البرازيل نجحت في التغلب على أزمتها الاقتصادية, التي ألقت بها فيها عملية السقوط المريعة للنمور الآسيوية, والتي كادت أن تأخذ معها إلى قاع الخراب كل مجموعة دول سوق الجنوب (ميركوسور). من ناحية أخرى تمكنت أخيرا البيرو من التخلص من دكتاتورها الصغير الرئيس ألبيرتو فوجيميوري, الذي جلس على مقعد رئاستها بريئا من كل ذنب, وتحت شعار التخلص من السياسيين التقليديين الذين ألقوا البلاد في مستنقع الفساد, ولكن بعد عشر سنوات من ممارسة جميع أنواع الفساد التي ورثها عن هؤلاء السياسيين التقليديين تبين أنه لم يكن أقل فسادا. بل تبين أنه لم يكن الحاكم الفعلي لبلاده, بل كان واجهة باهتة لضابط الجيش السابق (مونتيسينوس), المحكوم عليه في قضية خيانة عظمى ضد الوطن, وأيضا عميل المخابرات الأمريكية ورجلها في البيرو, وتبين أن الرئيس فوجيموري لم يكن سوى التابع في كل هذه السنوات, وأن الحاكم الفعلي كان ذلك الضابط الخائن والعميل, وعندما اكتشف الشعب اللعبة وهرب الضابط السابق, اسقط في يد الرئيس الذي لم يعرف كيف يحكم وطنا بلا مساندة, فهرب هو أيضا بحثا عن مأوى له, بل تبين أنه رئيس يمكن وصفه بالخيبة, لأن الضابط السابق استولى على كل الأموال التي كان يقوم بتهريبها لحسابهما معا, فخرج فوجيموري من المولد بلا حمص, ولكن شعب البيرو كسب معركة في مواجهة الفساد, بل كسب حريته التي افتقدها طوال عقود. خلال العام ,2000 استطاع أيضا الشعب الأرجنتيني التخلص من مخادع سياسي آخر, هو الرئيس كارلوس منعم, الذي استخدم كل أساليب الخداع ليخرق قواعد دستور بلاده بالبقاء في السلطة لفترتين متتاليتين, وهو ما كان محرما في دستور الارجنتين, ولكن منعم خدع الجميع بتقديم أرقام ضخمة في ميزانية فترته الأولى تبين أن الاقتصاد الأرجنتيني حقق تقدما كبيرا, وبقاؤه في الحكم لفترة تالية تتيح له تنفيذ المزيد من الإصلاحات الاقتصادية. لكن ما أن ترك الحكم حتى تبين الرئيس الجديد فرناندو دي لاروا أن تلك الأرقام ليست سوى أكذوبة كبرى, استغلها الرئيس السابق كارلوس منعم في خداع الشعب للبقاء في السلطة وخداع السياسيين لتغيير مواد الدستور التي كانت تمنع ترشيحه لفترة ثانية. واضطرت الإدارة الجديدة في الأرجنتين في طلب 40 مليار دولار كعون عاجل من صندوق النقد الدولي لدفع فوائد ديون البلاد, ومحاولة وقف الانهيار المتزايد في الاقتصاد, ليرتفع رصيد الديون الأرجنتينية إلى أرقام فلكية. وربما كان الحدث التاريخي الحقيقي في تاريخ دول أمريكا اللاتينية نجاح الشعب المكسيكي في التخلص من الحزب الثوري الدستوري, الذي ظل يحكم باسم الثورة لصالح الإقطاع والشركات الأجنبية لأكثر من سبعين عاما, حتى أصبح الحزب الأوحد في البلاد, ولم يكن من السهل التخلص من جذوره المتشعبة في شرايين الوطن كالسرطان. خلال الانتخابات الأخيرة التي جرت مع نهاية الصيف الماضي تمكن المرشح المحافظ (فيثنتي فوكس) من شق سيطرة الحزب الأوحد, وألقى به لأول مرة خلال هذا القرن في مقاعد المعارضة, بل كان نجاح فوكس بداية لتفسخ الحزب الذي حكم المكسيك بالرشوة والقمع, لأن قادته لم يكونوا من محترفي السياسة لممارستها لصالح الشعب, بل كانت السياسة بالنسبة لهم مجرد وسيلة لتحقيق غايات ومصالح خاصة, وعندما فقدوا السلطة تحول كل منهم ضد الآخر, لذلك كانت هذه الهزيمة البداية نحو الهاوية, خاصة بعد أن بدأت تظهر خبايا الفساد التي كانت خافية عن العيون طوال فترة تولي السلطة. ربما كان توجه الرئيس المكسيكي الجديد نحو منح الهنود الحمر حقوقهم الشرعية, ووضعهم في مكانهم على خريطة الأعراق التي يتكون منها شعب المكسيك الذين يمثلون ما يزيد على عشرة بالمئة من مجموع السكان, من الأمور الإيجابية التي حدثت هذا العام أيضا, بعد كفاح طويل استمر ما يزيد على قرن ونصف من الثورات المجهضة, إلى أن كانت ثورة الهنود الحمر الأخيرة التي خرجوا بها على العالم مع احتفالات أعياد الميلاد عام ,1994 ولكن الحكومة السابقة تعاملت معهم بطريقتها القمعية المعهودة عنها في التعامل مع سكان المكسيك المهمشين, الذين لا حقوق لهم, ولكن يبدو أن الضوء بدأ يظهر في نهاية هذا النفق التاريخي المظلم الذي عاش فيه الهنود الحمر منذ وصول كولومبس إلى أراضى العالم الجديد عام ,1492 لتبدأ معاناتهم التاريخية. لكن يبقى جرح أمريكا اللاتينية الأبدي, تلك الحرب الأهلية غير المعلنة في كولومبيا, تلك الحرب التي استنزفت الشعب الكولومبي لما يقرب من نصف قرن دون أن يكون هناك أمل في وضع حد لها, بل يمكن أن تتسبب تلك الحرب في مزيد من الدمار للعديد من الدول المجاورة, التي تخشى أن تجد فيها الولايات المتحدة ذريعة لتعود إلى تهديد ما استطاعت أن تحققه شعوب تلك الدول خلال العام الأخير.