الملف السياسي : في صباح 18 ديسمبر الماضي وفي مؤتمر صحافي حضره عدد محدود من مندوبي اجهزة الاعلام, اعلن مجلس المخابرات القومي الامريكي تقريره المنتظر والذي استغرق اعداده عاما كاملا. المجلس هو اعلى مؤسسة مخابراتية امريكية وهو يجمع ممثلين عن كل اجهزة المخابرات في الولايات المتحدة من المخابرات المركزية الى مخابرات وزارة الدفاع الى وكالة الامن القومي الى مكاتب المخابرات في الوزارات الاساسية اما التقرير فقد اختاروا له عنوانا دقيقا (اتجاهات عالمية 2015). ذلك ان التقرير لا يتناول اية معلومات او تفصيلات انه بدلا من ذلك يستند على آلاف المعلومات والتفصيلات ويحللها ويستخلص منها ما سيحدث في المستقبل, بناء على المعلومات التي جمعتها الاجهزة الامريكية في الحاضر, والتي لا يذكر التقرير ايا منها بسبب سريتها ولعل هذا ما جعل اجهزة الاعلام ومراكز الدراسات تنتظر بصبر فارغ ـ صدور التقرير. الا ان تزامن صدور التقرير مع بدء تشكيل اركان الادارة الامريكية الجديدة اكسبه اهمية اكبر, وذلك على الرغم من ان الامرين اي صدور التقرير وتشكيل الادارة لا يتصلان. فقد تقرر اعداد هذا التقرير دون معرفة مسبقة بالمدى الزمني الذي يلزم لذلك. وفي كل الاحوال فإن المؤكد الآن هو ان التقرير سيكون من اول الاوراق التي سيقرأها كل من وزير الخارجية الجديد الجنرال كولن باول ومستشارة الامن القومي المقبلة كوندوليسارايس رايس,. ذلك انه يلخص رؤية مكثفة لأهم التطورات التي ستشهدها الساحة العالمية على امتداد الاعوام الـ 15 المقبلة. وفي الخطاب الذي قدم به مدير المخابرات المركزية جورج تينت لهذا التقرير الجديد اوضح المسئول الامريكي الهدف من اعلان التقرير بقوله: (اننا نأمل ان يثير هذا التقرير حوارا استراتيجيا داخل مكاتب الحكومة المعنية بما يثيره التقرير من قضايا, فمحاولة وضع تصور للمستقبل هي عملية مستمرة دائما وهي تحتاج في تجددها هذا الى مزيد من فهم ما يحدث, ومن مراجعة الاحكام السابقة على ضوء التطورات الجديدة. الا ان هذا التقرير ليس في واقع الامر الا ملخصا غير كامل لتقرير اكبر لم يشأ المسئولون الامريكيون اخراجه الى العلن. فعلى الرغم من ان الهدف الاصلي من تخصيص عام كامل من البحث من اجهزة كبيرة كالاجهزة الامريكية كان اصدار تقرير علني, الا ان المسئولين وبعد ان قرأوا النتائج ــ قرروا تصنيف التقرير تحت بند (سري للغاية) ولأن الجميع كانوا ينتظرين التقرير فقد تفتق ذهن البعض عن وضع (ملخص غير واف) للتقرير الاصلي, اي مع اغفال العديد من جوانبه الحساسة ووضعها في نسخة تصلح لاخراجها الى العلن. وهكذا فإن ما قدم للصحافيين في 18 ديسمبر كان اختصارا منقحا لما انتظروه طويلا. ويمكن وضع النقاط الاساسية في هذا التقرير على النحو التالي: اهم ما سيطرأ على الساحة العالمية خلال الاعوام الـ 15 المقبلة هو التغير الجذري في موازين القوى فسوف تتحول كل من الصين والهند الى قوتين عسكريتين عظيمتين فيما سيتراجع الوزن النسبي لروسيا رغم ترسانتها النووية الى حد كبير. فبحلول العام 2015 سيكون لدى الصين مئات من الصواريخ الموجهة بعيدة المدى والمصوبة نحو الولايات المتحدة. وسوف تتمكن الهند من انجاز تقدم هائل على قدراتها في مضمار الصواريخ ذاتها, وفي مجال تطوير انماط الاسلحة النووية التي لديها الآن واضافة انماط جديدة. وتستند الدولتان الى قاعدة اقتصادية متماسكة وسريعة النمو والى قدرات بشرية متطورة خصوصا في مجال التقنيات الالكترونية. وسوف تتمكن الصين من نشر عشرات من بطاريات الصواريخ الموجهة قصيرة المدى ايضا والموجهة نحو آسيا هذه المرة. فقد حصلت بكين على احتياجاتها الضرورية من تكنولوجيا نقل الرؤوس النووية بالوسائط الصاروخية وذلك عن طريق صفقات مشروعة واعمال غير مشروعة (تجسس) دارت في بلدان كثيرة منها بعض دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة واسرائيل واليابان وتوشك الصين الآن على تحقيق اختراق استراتيجي هام هو الدمج العملياتي الكامل لقوتها الضاربة البحرية وقواتها الجوية, وسوف يصبح بوسعها ـ ان ارادت ذلك ــ الاستيلاء على تايوان دون عناء كبير. ومن المتوقع في هذه الحالة ان يؤدي ذلك الى ازمة كبيرة لا يمكن رصد ابعادها مقدما. الا ان على الولايات المتحدة ان تواجه مثل هذه الخطوة بحزم رغم ذلك فإن من المستبعد ان تقدم الصين على هذه الخطوة, خاصة لو كانت واثقة من ان الولايات المتحدة لن تسمح بذلك ويرجع السبب في ترجيح احجام الصين عن غزو تايوان الى ان بكين تدرك ان ذلك سوف يهدد بالتأكيد مستقبل نموها الاقتصادي ويعرف القادة الصينيون انه من المستحيل لهم الحفاظ على الاستقرار الداخلي لبلادهم بدون مواصلة هذا النمو بل انهم على الارجح سيواصلون اعطاء الاولوية في الانفاق على تطوير اقتصادهم وليس على الانفاق العسكري ذلك ان اية ازمة اقتصادية يمكن ان تسفر عن اضطرابات داخلية واسعة النطاق. سيتعرض دور روسيا كلاعب دولي رئيسي الى تخفيض كبير بحلول العام 2015 فحتى ذلك الوقت ستكون روسيا عاجزة عن دمج اقتصادها بالاقتصاد العالمي. وبافتراض ان اكثر السيناريوهات تفاؤلا هو ما سيتحقق بالفعل بحلول ذلك العام فإن الحجم الاجمالي للاقتصاد الروسي لن يتجاوز 20 % من حجم الاقتصاد الامريكي في اسوأ اوضاعه. ومع التراجع الشديد في القرارات الاقتصادية الروسية لن تجد الحكومة المركزية في موسكو الاعتمادات الكافية لصيانة ترسانتها النووية وجعلها قابلة للاستخدام ويعني هذا ان اعدادا متزايدة من الصواريخ والرؤوس النووية الروسية لن تصبح قابلة للاستخدام وسوف يكون لدى روسيا آنذاك اعداد اقل من الحدود المسموح بها في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بهذه الصواريخ النووية وذلك لاسباب قسرية ترجع الى العجز عن صيانتها وسوف تحاول الحكومة الروسية ان تجد مخرجا من هذا الوضع عن طريق تطوير انماط مختارة وسرية من اسلحة الدمار الشامل. ستواجه اليابان صعوبات متزايدة في الحفاظ على موقعها كثاني اكبر قوة اقتصادية في العام. ويرجع ذلك بصفة اساسية الى عجز اليابانيين عن التحلي بالمرونة الكافية في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية التي استدعاها اصلا تزايد وزنهم الاقتصادي والانجازات المهمة التي حققوها على ذلك الصعيد. فقد كان المفترض ادخال تعديلات هيكلية تدريجية لملاءمة التزايد المقبل في حجم الاقتصادي, الا ان ذلك لم يحدث وحتى اللحظة الراهنة يقاوم اليابانيون ادخال هذه الاصلاحات. وقد يؤدي ذلك الى صدمة داخلية ترغم المؤسسات السياسية والاقتصادية في اليابان على مراجعة منطقها والتخلي عن جمودها الراهن الذي لابد ان يؤدي الى ضغوط اقتصادية مستمرة اذا ما ظل سائدا. ستحقق اوروبا قدرا كبيرا من الرخاء الاقتصادي والاجتماعي ومن السلام داخل القارة الا ان من المتوقع ان تتعمد القارة تقليص دورها الدولي وان تركز اهتمامها داخليا, وهكذا فإن الاولويات الاوروبية ستكون في الاساس اوروبية مع ذلك فإن القارة تواجه مشكلات لا يمكن التقليل من شأنها اهمها الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات الانجاب ان ذلك يؤدي من الوجهة الاقتصادية الى تراجع معدلات الاداء الاقتصادي وخلق عجز واضح في قوة العمل المدربة والماهرة. ستعاني امريكا الجنوبية خلال الاعوام الـ 15 المقبلة من الفساد الحكومي وانتشار الجرائم والتمردات وعصابات المخدرات وفشل الحكومات في الاستجابة للمطالب الشعبية وفيما ستكون المكسيك والبرازيل اقوى اصوات القارة فإن الدول التي ستعاني من متاعب بصورة واضحة هي بوليفيا واكوادور وجواتيمالا وهندوراس ونيكارجوا وبارجواي. اما افريقيا فإن تدهور اوضاعها على كل الاصعدة سيستمر بصورة حثيثة فسوف تتخلف عن مشوار التنمية الاقتصادية الذي يتحقق عالميا ومن التطورات الكبيرة في الحقول العلمية والتكنولوجية وسوف تزداد هذه الامور سوءا مع قطع اوروبا لعلاقاتها مع مستعمراتها السابقة اي مع وقف تدفق المعونات ومع تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ستزداد حدة الصدامات القبلية والعرقية وستنمو على نحو اكثر وضوحا عصابات المرتزقة وجماعات الجريمة المنظمة وشبكات تهريب المخدرات والمنظمات الارهابية المحلية. اما بالنسبة للشرق الاوسط الذي تتزايد اهميته كمصدر عالمي للطاقة فإن دخل النفط سيؤدي الى التقليل من الاحساس بضرورة تطبيق اصلاحات اقتصادية هيكلية ومن السعي نحو تنفيذ برنامج جاد لتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط تدريجيا ومن المتوقع ان تؤدي زيادة عدد السكان التي تتراوح بين 26% في الجزائر الى 39% في ليبيا الى 56% في المملكة العربية السعودية (على امتداد الـ 15 عاما المقبلة) الى تعقيدات اضافية تتمثل في انخفاض دخل الفرد وتمركز نسبة اكبر من السكان في المدن المكتظة والتي لا تسمح بنيتها التحتية المتداعية باستيعاب المزيد. ولابد من ان يسفر ذلك في بعض البلدان غير النفطية الى اضطرابات داخلية والى احتمال وصول قوى المعارضة الاسلامية الى السلطة. وبالنسبة للولايات المتحدة فإنها ستبقى القوة الاكبر في العالم وذلك على الرغم من ان بعض الاطراف سيحاولون امتحان قدرتها على القيادة وهذه الاطراف هي دول او اتحادات مثل الصين والهند والمكسيك والبرازيل والاتحاد الاوروبي الا ان دور الولايات المتحدة سيتعرض بدوره لاعادة صياغة من زاوية ان النزاعات الدولية ستكون في اغلبها نزاعات داخل البلدان وليس فيما بينها. وستأخذ هذه النزاعات طابعا اكثر ضراوة واطول زمنا واصعب في انهائه. وبسبب العولمة فإن هذه النزاعات قد تؤدي الى الحاق اضرار اكبر باستقرار الساحة الدولية ككل. اما النزاعات بين الدول فإنها ستكون اكثر قسوة واعلى تكلفة من حيث الخسائر البشرية والمادية وذلك بسبب تطور الاسلحة وتحسن قدرتها على الفتك وهي حالة نراها مثلا في النزاع بين الهند وباكستان, وهما الدولتان الاقرب الى الحرب الآن على ساحة العالم. وذلك بسبب حصولهما على امكانيات نووية وصاروخية اكثر تطورا يوما بعد يوم. وتزداد هذه المشكلة تعقيدا بانعكاس الاضطرابات الداخلية على النزاعات الاقليمية. ففي حالة الهند مثلا هناك نصف مليار انسان يعيشون تحت خط الفقر. ومع اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء تتزايد احتمالات اشتعال ازمة داخلية وهي ازمة تزيد بدورها من احتمالات نشوب الحرب مع باكستان. وفي حالة باكستان التي تتزايد فيها حالة عدم اليقين فإن الحكومة المركزية ستفقد السيطرة على مناطق من البلاد بحلول العام 2015 وسوف تفقد سيطرتها ربما على اقليم البنجاب وعلى المدن التجارية الاساسية مثل مدينة كراتشي وغيرها. وفيما يتعلق بظاهرة الارهاب فإن ظاهرة الارهاب الذي ترعاه الحكومات ستتراجع وسوف يحل محلها ارهابا خاصا تقوم به جماعات صغيرة تعمل بين القارات بمساعدة تقنية المعلومات وما حدث فيها من تطور. وسوف تصبح الشركات الامريكية, وليس السفارات او المنشآت العسكرية هي الهدف. ويبقى الخطر الاكبر في هذا السياق هو خطر انتشار اسلحة الدمار الشامل. ويمكن للعراق مثلا بحلول العام 2015 اختبار صاروخ عابر للقارات بحمولة نووية صغيرة. وعلى الساحة العالمية سيظل احتمال استخدام الاسلحة الكيماوية والبيولوجية اعلى بكثير مما كان عليه خلال سنوات الحرب الباردة ذلك ان التهديدات ستأتي من بلدان ذات ترسانات عسكرية اصغر كثيرا مما كان لدى الاتحاد السوفييتي قبل انهياره. بالنسبة لوضع الاقتصاد العالمي فإنه على وجه العموم سيواصل مسيرة نموه القوي وذلك على نحو مشابه لما تحقق في الستينيات ومطلع السبعينيات وسوف تؤدي العولمة الى قدر كبير من الاستقرار في اغلب مناطق العالم وذلك على الرغم من بعض التقلبات الاقتصادية ومن تزايد الفوارق ومن الاوضاع المالية المعرضة للهزات بصورة دائمة.