الملف السياسي : ان حالة الانفجار الشامل التي وصلت إليها الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة, واستمرار انتفاضة الأقصى المباركة, ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم, وتواصل إجراءات القمع والحصار الاجرامية ضد، الشعب العربي الأعزل, فضلا عن الاستفزازات والاعتداءات التي تقوم بها عصابات الاستيطان, وتدنيسها للمقدسات, وانتهاكها للحرمات, يؤكد كل ذلك وجود حالة حرب بالمعنى الكامل للكلمة, هي على النقيض من كل دعاوى السلام التي تتشدق بها إسرائيل. ولعل استراتيجية إسرائيل الثابتة التي تعمل على تطبيقها منذ قيامها وحتى الآن, هي تمسكها باللجوء إلى خيار القوة والعنف والقمع للشعب الفلسطيني, مما يؤدي إلى جمود عملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي, ووصولها إلى حافة الهاوية, وإعادة المنطقة برمتها إلى أجواء التوتر والحرب التي ظلت عليها العلاقات العربية الإسرائيلية على مدى نصف القرن الفائت. ان تمسك قادة إسرائيل بالحرب ومواصلة رؤساء وزاراتها على اختلافهم, منذ بن جوريون وحتى باراك, العدوان على الفلسطينيين والعرب عامة, كان له دوافع علنية على الدوام, هي استعراض العضلات حتي يدرك العرب مغبة الوقوف ضد إسرائيل ودوافع خفية في نفس الوقت ترمي إلى رفع الخوف الداخلي من السلام, لتحافظ على وحدة الكيان الاجتماعي, ذلك أن السلام يهدد مقومات الحياة التي قامت عليها الدولة, ويلغي في الوقت ذاته الطموحات المتطلعة إلى الوطن القومي اليهودي الكبير, فوق كل أرض الميعاد. ان من يدرس الأيديولوجية الصهيونية, وتاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين, ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي حتى اليوم, يمكنه أن يدرك للوهلة الأولى أن الحرب, هي بمثابة أسطورة مغلقة تدخل في إطار البنية العامة للعقيدة الصهيونية, شأنها في ذلك شأن الأساطير المغلقة التي يتعامل معها الفكر الصهيوني العنصري, مثل اسطورة أرض الميعاد, والحق التاريخي في فلسطين, والشعب المختار, التي هي بمثابة اكاذيب مثل اسطورة شعب بلا أرض لأرض بلا شعب. وهكذا أصبحت الحروب بمثابة تجسيد ومتنفس حتمي وضروري للروح العدوانية لدى الشخصية اليهودية الإسرائيلية, مهما حاولت العقيدة الصهيونية أو الامبريالية الإسرائيلية أن تلبسها من أردية الشرعية المختلفة. إن تاريخ إسرائيل على مدى الخمسين عاما الماضية يقوم تأكيدا على تأصيل ظاهرة الحياة في ظل الحروب بالنسبة للشخصية اليهودية الإسرائيلية واحتياجها الدائم لمثل هذه الحروب, كرد فعل للخوف من الدمار والهزيمة التي لا تعني سوى شيء واحد هو الموت, مما جعل هذه الشخصية تتعايش مع أحاسيس الروح العدوانية كسلوك جماعي. وبالرغم من أن إسرائيل قد انتصرت في معظم الحروب التي خاضتها ضد العرب, إلا أن هذه الانتصارات لم تحل مشكلة الوضع الإسرائيلي الحرج, وقد أورد المؤرخ الإسرائيلي المشهور يعقوب تلمون قول الفيلسوف هيجل المأثور (عجز النصر) كوصف ملائم لمأزق إسرائيل, ورسم صورة غير جذابة لمستقبل إسرائيل إذا استمر الوضع الراهن, وتنبأ بأن المزيد من الانتصارات سوف يجعل الإسرائيليين يواجهون بعد كل انتصارات مشاكل أكثر تعقيدا. وعليه, فإن الحقيقة الثابتة والدائمة التي لازمت الاستيطان الصهيوني في فلسطين, منذ أن وطئت أقدام أول مهاجر صهيوني هذه البلاد, وحتى اليوم, أي منذ حوالي مائة عام, هي أن هذا المجتمع يعيش في حالة حرب دائمة مع العالم العربي الذي يحيط به, وبالرغم من أن هذه الحروب كانت تقطعها من حين لآخر, فترات من التوقف, أو الهدنات, أو وقف اطلاق النار, أو الاتفاقيات المؤقتة, إلا أن هذا لم يؤد على الاطلاق إلى جعل المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة من السلام, ولو سلام مؤقت, وحتى لو لم يكن هناك تهديد جدي لأمن إسرائيل, لأن الشعار الذي رفعته الصهيونية كان هو: من يتقدم لقتلك أسبق أنت واقتله ولذلك فإنها بين حرب وأخرى, تستعد لخوض حرب جديدة. وقد أصبحت الحرب, نتيجة لذلك, بمثابة المحور الزمني الذي تتحرك إسرائيل وفقا له في كل مجالات حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية, بل ان هذه الحروب كانت هي الخطوط الحمراء القوية التي ينتهي عندها جيل ويبدأ بها جيل جديد, لقد غدت الحرب هي الوسيلة الواضحة جدا من أجل التصنيف ووضع الفواصل. وقد انعكست هذه الظاهرة الملازمة على نفسية الإنسان الإسرائيلي, بحيث أن من يتأمل مناخه النفسي يصطدم على الفور بمساحة معترف بها هي (الحرب) التي لازمت الجيل الصباري منذ ولادته وحتى الآن, وستظل تلازمة باعتبارها المأزق الرئيسي الذي وضعته فيه الحركة الصهيونية وإسرائيل وسط المحيط العربي الرافض لمقومات هذا الوجود. ان هذه الحرب, بانتصاراتها, واخفاقاتها, بذراها وأعماقها السحيقة, هي واقع يعيش فيه الإنسان الإسرائيلي المعاصر. إنها موجودة في وعيه ومختبئة في داخله كالبركان الذي على وشك الانفجار بين لحظة وأخرى يحتاج نظام حياته اليومية, أو كالذكريات المختبئة في المغارات المظلمة. وتؤكد عالمة النفس الإسرائيلية عاميا ليبليخ على هذا الواقع بقولها (ان الحرب في إسرائيل جزء من الماضي, ومن الحاضر, ومن المستقبل, وإذا كنا نتحدث من السلام, فلابد من الاستعداد للحرب المقبلة. ومما يستخلص من هذا هو أن الحروب أصبحت بالنسبة للوجدان الإسرائيلي, حقيقة وجودية لا مفر منها, وعليه فإن المجتمع الإسرائيلي قد تحول بفعل هذا الادراك إلى ثكنة عسكرية تعطي فيه للقيم العسكرية, وعلى رأسها النزعة العدوانية, المقام الأول, وفي جو يكون فيه العربي هو العدو اللدود. فإذا كان الاحساس بحتمية الحرب هو سياج يستشعر الإنسان الإسرائيلي في إطاره بالأمان, فإن الوجه الآخر للعملة, وهو السلام, أصبح يشكل كابوسا مخيفا لا يستطيع تصور وجوده, لأن ما قر في الوجدان الإسرائيلي هو أن الحرب هي الحياة وأن السلام هو الطريق الى الزوال. ومن هنا ذلك الفزع الذي يعيشه الإسرائيلي من فكرة السلام. وحتى نعرف كيف ينظر الإسرائيليون انفسهم إلى مخاطر السلام عليهم, نستشهد بما يقوله إيلان جريلسمير, استاذ علم السياسة بجامعة تل أبيب (ان حالة السلم لا تقل خطرا عن حالة الحرب على دولة إسرائيل, فإذا كانت الحرب تهدد بقاء الدولة اليهودية المادي, فإن السلام بدوره قد يشكل تهديدا مخيفا للنسيج الاجتماعي الإسرائيلي وسبب للإنحلال الصاعق للدولة أو انفجارها من الدخل). فمن المعروف أن المجتمع الإسرائيلي يكون أكثر تلاحما في لحظات الح ب والتوتر الخارجي, وأكثر تفككا في لحظات الهدوء والأمن والسلام, وقد تبين في كثير من الأحيان أن هذا الكيان المصطنع لا يستطيع التوازن والاستمرار من دون ممارسة العدوان للتخلص من فائض التوتر الداخلي والقائه في الخارج, وذلك لارغام المجتمع الاستيطاني التنوعي إلى حد التفكك, على الانشغال في قضايا كبيرة تصرفه عن الهموم الصغيرة التي ترتبط باختلاف التطلعات الايديولوجية والثقافية بشكل خاص. ان مكمن الأزمة في إسرائيل هو المشروع الصهيوني ذاته التي قامت الدولة من أجل تحقيقه, والذي يتمثل في مشروع إسرائيل العنجهية والتوسعية الاستعمارية, إسرائيل بن جوريون والنخبة المتطرفة من الحركة الصهيونية التي سارت على منواله, مشروع إسرائيل التي تعتبر أن شرط الأمن الذي تسعى إلى توفيره هو التفوق الدائم والاستيطان الزاحف. فالمشروع الصهيوني هو مشروع اغتصاب واع للأرض والتاريخ لايمكن أن يقوم إلا على أساس التفوق العسكري والسيطرة وحروب الاجهاض والحروب الانتقامية والحملات التأديبية في الداخل الفلسطيني وفي المحيط العربي معا. لقد نجحت الصهيونية حتى الآن في اقناع الرأي العام الإسرائيلي واليهودي والعالمي, بأن تأسيس الدولة الإسرائيلية على السيطرة والتفوق والهيمنة والضرب والانتقام والتوسع الاستيطاني, هو شرط حتمي لضمان بقاء الإسرائيليين, ولضمان حياة اليهود وتجنيبهم في كل العالم مخاطر اللاسامية, وأن الثمن الوحيد لاستمرار ذلك هو مواصلة ممارسة الفظاظة والعنجهية والعنف, أي بقتل الضمير اليهودي نفسه, وتمهيد الأرض لظهور نازية يهودية معكوسة تعتبر كل شيء مباحا لضمان أمن إسرائيل ومصالحها الحيوية. ويعمل اليمين الصهيوني في إسرائيل على دفع الأزمة داخل الصهيونية نحو التفاقم, وهو يراهن على توتير الأجواء الداخلية وادامة جو الحرب والصدام داخل فلسطين في المنطقة ككل والهدف من ذلك هو زيادة قدرته على الابتزاز في موضوع الأمن وجر القسم الأكبر من الرأي العام الإسرائيلي الخائف, أو الذي يشك في مستقبل إسرائيل وقدرتها على البقاء في مناخ السلام في محيط عربي واسع من حولها, إلى صفة, لكنه يراهن بشكل أكبر على استغلال الروح العنصرية القوية التي غذتها خلال العقود ولاتزال مشاعر التفوق والظهور بمظهر القوة عند الإسرائيليين الذين شاركوا في إذلال السكان الفلسطينيين, وفى طردهم من أراضيهم المخصصة للاستيطان, ووضع اليد على ممتلكاتهم. وتدغدغ هذه العنصرية حلم القوة وجنون العظمة الذي ينم و في إسرائيل ويترسخ في موازاة تهافت المعسكر العربي وضعف مقاومته واستعداده لقبول التسويات البائسة. يستطيع اليمين الصهيوني أن يستفيد من مشاعر العنصرية وتغذيتها للبقاء في الحكم وتوسيع رقعة الاستيطان, بيد أن مشروعه محكوم بالفشل, فهو لن يستطيع أن يعيد غلق الملف الفلسطيني, ولا التملص لوقت طويل أمام الرأي العام الدولي من مسئوليات إسرائيل والتزاماتها تجاه الفلسطينيين, وليس له طريق إلا الهرب إلى الأمام, أي الانزلاق المتسارع نحو دوامة العنف الخارجية مع الفلسطينيين والعرب, والداخلية بين اليهود أنفسهم, ولن يستطيع أن يستمر في إسرائيل نفسها إلا عبر تخريب النسيج الوطني. ان بقاء القضية الفلسطينية دامية ومن دون حل, يعني أن إسرائيل سوف تحتفظ في جوفها بغرغرينا خطيرة ستعمل على قتلها من الداخل, وسوف تصبح في النهاية رهينة رغما عنها, وضحية لميولها العدوانية وجنونها الاستعماري. وإذا كانت إسرائيل تطالب بمعادلة الحرب في ظل التظاهر بالسلام, لتثبيت تفوق قوتها على العرب, ولتفرض سيطرتها على الإقليم, فإن على الفلسطينيين إذاقتها ويلات الحرب بتكثيف الأعمال الفدائية والنضالية ضدها, وضربها في أهداف موجعة تزعزع كيانها, لتجعل من حالة الحرب التي تتبناها, سببا في تفكك الروابط الاجتماعية وهدما لكيان الدولة وتقويضا لدعائمها, ليثبت الغضب الشعبي من داخل فلسطين المحتلة فساد الاستراتيجية الإسرائيلية التي ترى في الحرب لما للشمل الوطني وحفاظا لكيان المجتمع.