الملف السياسي: كثيرة هي المؤشرات الدالة على ان اقتحام ارييل شارون للحرم القدسي بحماية ثلاثة الاف جندي صهيوني وفرهم له باراك, استهدف ايصال رسالة للشعب العربي الفلسطيني ولكل الامة العربية، مفادها ان اسرائيل متمسكة بكل اطماعها, وبأن على الفلسطينيين والعرب ان يتواضعوا في مطالبهم بمفاوضات الوضع النهائي وان يروضوا انفسهم على القبول بما تنوي اسرائيل اعطاءه للمفاوض الفلسطيني عبر باراك, فهو على قلته افضل من الحرمان الذي يمثله شارون المتصلب والمتعنت والرافض لأية تنازلات. واستنادا الى تجارب عديدة منذ انعقاد مؤتمر مدريد, فلقد افترضت الحسابات الاسرائيلية ان ايصال الرسالة سوف يكون المشهد الاول في سيناريو تكرر مرارا ونجح سابقا. فاقتحام الحرم القدسي كان مقدرا له ان يثير عاصفة من الاحتجاجات والاستنكارات الفلسطينية والعربية تتأزم فيها ما يسمى بمسيرة السلام, عندما يتدخل الراعي الامريكي لحماية (مسيرة السلام) ويطرح كعادته مبادرة تأخذ من اسرائيل تنازلات شكلية, وتنتزع من المفاوض الفلسطيني والعربي تنازلات جوهرية, فيوقع اتفاق جديد يضاف الى الاتفاقات السابقة, ثم تتأزم الامور عند بدء التطبيق فيتوقف فيتدخل مجددا الراعي الامريكي مقترحا تسوية جديدة تنتزع من المفاوض الفلسطيني والعربي المزيد من التنازلات.. الخ. ومع كل اتفاق يوقع ينتزع تنازل جوهري عن حق عربي من المفاوض العربي الرسمي ويكرس اغتصاب صهيوني له. ولكن حسابات الحقل لم تنطبق هذه المرة مع حسابات البيدر, اذ قبل ان يصدر اي تصريح احتجاجي من اي مسئول فلسطيني او عربي خرج الشعب الفلسطيني مفجرا انتفاضة الاقصى التي قلبت كل الحسابات. وبمقدار ما كانت انتفاضة الاقصى مفاجأة للحسابات الصهيونية فإن اصداءها الواسعة التي ترددت في كل الاقطار العربية شكلت مفاجأة لاسرائيل وامريكا معا. واذا كانت انتفاضة شعب فلسطين مفاجأة غير منتظرة وغير سارة. لاسرائيل على وجه التحديد, فإن اصداء الانتفاضة في الوطن العربي كانت مفاجأة لا شك فيها لأمريكا واسرائيل معا. فمنذ حرب الخليج وتداعياتها اعتبر الامريكيون والاسرائيليون وحلفاؤهم الاساسيون او الهامشيون ان ضربة قاسية تلقتها حركة القومية العربية وهي العدو الاساسي لقوى الاستعمار والصهيونية والشعوبية ونتيجة لهذه الضربة فقد بات ممكنا اعادة ترتيب اوضاع المنطقة بما يلائم المصالح الامريكية والاطماع الصهيونية بتغييب كامل للاعتبارات القومية العربية. فقد تفكك النظام العربي وزادت الصراعات العربية العربية وتعالت الاصوات والاسوار الاقليمية, وانتعشت الحركات الشعوبية واستنادا الى تداعيات حرب الخليج انطلقت اجهزة اعلامية وثقافية تحاول اقناع الانسان العربي بأن هويته القومية وهم وأن اهدافه القومية في التحرر والوحدة والعدالة سراب, وبأن الواقعية تتطلب منه ان يكيف نفسه مع القضاء الامريكي والقدر الصهيوني. وبحصيلة ذلك كله, عاد العامل القومي ليبرز مجددا باعتباره عنصرا اساسيا في تحريك احداث المنطقة, وعلى الرغم من انه محاصر ومضغوط عليه لكنه ما زال قادرا على الفعل والتأثير وقدرته مرشحة للتنامي وليس للضمور. ولعل في عودة العامل القومي الى الفعل والتأثير في احداث المنطقة ما يفسر التوجس والقلق اللذين اظهرتهما العديد من الاوساط الاستعمارية وخصوصا الامريكية والصهيونية من احتمالات المستقبل, والذي تعبر عنه تصريحات الغرب عن القلق من انهيار العملية السلمية في المنطقة والعملية السلمية في المنطقة كما اوضحت التطورات منذ انعقاد مدريد وحتى اليوم هي المدخل الاساسي لاعادة ترتيب اوضاع المنطقة, وفق الرؤية الامريكية والاسرائيلية. بعد زهاء ثلاثة اشهر من انفجار انتفاضة الاقصى, فإن ثمة سؤالين يطرحان: الاول ما هي النتائج التي ترتبت على انفجار المواجهات اليومية ما بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الصهيوني على مختلف الصعد الاسرائيلية والفلسطينية والعربية الدولية, ما هي الاحتمالات المستقبلية لهذه المواجهة هل هي مرشحة للاستيعاب ام انها مرشحة للتوسع وباتجاه اية اهداف؟ ان نظرة سريعة الى ما احدثته الانتفاضة داخل اسرائيل تبرز امامنا الحقائق التالية: 1 - فجرت الانتفاضة ازمة حكم في اسرائيل. 2 - تسببت الانتفاضة منذ اسابيعها الاولى بانتكاسة اقتصادية في اسرائيل. 3 - قلصت الانتفاضة الى حد الانهاء تيار هجرة اليهود الى اسرائيل, وتسببت بتنامي نسبة الهجرة من اسرائيل, وهو ما تحدثت عنه الصحافة الاسرائيلية والاجنبية وان تكتمت على الارقام الدقيقة حول هذا التحول. 4 - وفي اجواء الانتفاضة التي لم تقتصر على التظاهرات السلمية وعمليات الرشق بالحجارة وانما تخللتها عمليات عسكرية وصدامات مع سكان المستعمرات الصهيونية في الضفة والقطاع, سقط فيها قتلى فيها اسرائيليون عسكريون ومدنيون واصيب سكان المستعمرات الصهيونية بالذعر فتحولت مستعمراتهم الى ثكنات عسكرية تعطلت معها حركة العمل والانتاج الى حد كبير, وحمل سكان المستعمرات سلاحهم ولكن الظاهرة الاخطر على حركة الاستيطان في الاراضي العربية المحتلة تمثلت في عملية ابعاد نساء واطفال من تلك المستعمرات الى عمق الاراضي المحتلة عام 1948 وبدء الحديث عن اخلاء المستعمرات الصهيونية المعزولة تخوفا من المستقبل وما يحمله من مخاطر. انطلاقا من النتائج الاولية التي بدأت تتبلور لانتفاضة الاقصى فإن السؤال المطروح: ما هي احتمالات المستقبل؟ ان قراءة مواقف اطراف من الصراع العربي الاسرائيلي تبرز ثلاثة اتجاهات في التعامل مع الانتفاضة ومع نتائجها: الاتجاه الاول واكثر ما يمثله تكتل الليكود المدعوم من الاتجاهات الاكثر عنصرية واستعمارية في امريكا والعالم الغربي عموما وهذا الاتجاه يدعو الى اعتماد سياسة العصا الغليظة ضد الانتفاضة واطلاق يد المؤسسة العسكرية الصهيونية لانهائها بالقوة, قناعة منه بأن السلام في المنطقة هو السلام الذي ينبع من فوهة البندقية, ويراهن هذا الاتجاه العنصري الصهيوني في نجاحه على ثلاثة امور: الاول سرعة انهاء الانتفاضة وتهاويها امام العنف العسكري, والثاني استمرار حالة التفكك العربي بحيث تستحيل معه قيام اية ردة فعل يمكن ادخالها في الاعتبار والثالث ان تتولى الولايات المتحدة الامريكية تغطية العنف الاسرائيلي اقليميا ودوليا. اما الاتجاه الثاني وهو الراغب بسرعة في انهاء الانتفاضة واطفاء جذوتها واعادة احياء مسيرة مدريد وفق الاسس والثوابت التي تكرست خلال السنوات الماضية, وابرزها انتزاع كل التنازلات الجوهرية من العرب مقابل انتزاع تنازلات شكلة اسرائيلية في عملية مفاوضات ممطوطة ترعاها امريكا الموصوفة من كثير من الاطراف الرسمية العربية بأنها الوسيط النزيه رغم تحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل. وابرز دعاة هذا الاتجاه بعض اجنحة حزب العمل وبعض اجهزة الادارة الامريكية ولكن وسط لهيب الانتفاضة تظهر ملامح بعض الاطراف الفلسطينية والعربية المتعاطفة مع هذا التوجه وخاصة تلك الاطراف التي رتبت اوضاعها الشخصية والعامة على افتراض سلام قادم من مدريد وتشعر بالتالي بمخاطر جسيمة على اوضاعها اذا ما تنامت الانتفاضة وانهار معها سلام مدريد المنتظر. ان الازمة السياسية في اسرائيل ومشكلة انتقال السلطة في امريكا عاملان عطلا بلورة هذا الاتجاه في سياسات محددة حتى الآن كتابات عديدة تمكننا من استخلاص ابرز اطروحات هذا الاتجاه والتي يمكن ايجازها بما يلي: 1 - ان انتفاضة الشعب الفلسطيني واصداءها العربية والدولية تهدد المصالح الامريكية بأفدح المخاطر وتهز ركائز الكيان الصهيوني الامر الذي يستلزم سرعة انهائها واستيعابها. 2 - ان تجربة الانتفاضة الاولى للشعب الفلسطيني 87 - 93 والتي عجزت الآلة العسكرية الاسرائيلية عن انهائها في ذلك الحين تم استيعابها عن طريق اتفاق اوسلو. ففي هذا الاتفاق انتزعت اسرائيل اخطر التنازلات من المفاوض الفلسطيني (تعديل ميثاق منظمة التحرير, الغاء العداء لاسرائيل, سلطة محدودة بدون سيادة حقيقية على بقع متفرقة من الضفة.. الخ) مقابل نصر مظهري وهو اعتراف امريكا واسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني واستنادا الى هذه التجربة يرى هذا الاتجاه ان تصفية الانتفاضة يمكن ان تتم بتكرار نفس الاسلوب واستخدام ورقة اعلان الدولة الفلسطينية بنفس الصيغة التي استخدمت فيها ورقة اعتراف امريكا واسرائيل بمنظمة التحرير. 3 - ووصولا الى سرعة انهاء الانتفاضة وتطويق آثارها ونتائجها يراهن انصار هذا التوجه على ثلاثة عوامل اولها ان يوجد مفاوض فلسطيني قادر على مواكبة هذا السيناريو, او اي سيناريو شبيه يستهدف انهاء الانتفاضة, و تسويقه لدى الشعب الفلسطيني لاقناعه بإنهاء انتفاضته, وثانيها ان يكون هناك تغطية عربية للتجاوب الفلسطيني مع الاتجاه الساعي لانهاء الانتفاضة وخاصة من بعض الدول العربية الممسكة بمفاتيح القوة. وثالثها ان تقوم القوى الدولية وخاصة امريكا بدور يساهم في تسويق وانجاح اي مخطط لانهاء الانتفاضة ترغيبا وترهيبا. 4 - وحيث ان انهاء الانتفاضة التي فجرها شعب فلسطين يستلزم اقناع ابناء هذا الشعب وقياداته المناضلة بعبثية الكفاح لاستخلاص حقوقه والقبول والرضى بما يقسم له على موائد المفاوضات, فإن ذلك يتطلب تمهيدا اعلاميا ونفسيا محوره الاول تضخيم خسائر ومعاناة شعب فلسطين (وهي خسائر كبيرة شأنها في ذلك شأن كل كفاح شعبي من اجل قضية حق) وطمس خسائر ومعاناة اسرائيل, ومحوره الثاني اتهام العرب بحق وبغير حق وبمناسبة وبدون مناسبة بالتخلي عن شعب فلسطين بغية تبرير الموافقة على اتفاقيات متخاذلة تحت شعار ما باليد حيلة, وليس بالامكان افضل مما كان. اما التوجه الثالث والذي تمثله ميدانيا قوى الانتفاضة داخل الارض المحتلة والقوى الشعبية العربية, فإنه يرى ان انتفاضة الاقصى تنطوي على احتمالات واسعة لانهاء المسيرة الانحدارية التي سار عليها الواقع العربي منذ ازمة الخليج ومؤتمر مدريد واطلاق مرحلة جديدة يعود فيها العامل العربي الى ساحة الفعل والتأثير . وحيث ان القوة الذاتية العربية هي حصن الانتفاضة وقوتها الداعمة الرئيسية وقاعدة انطلاق مشروع السلام العربي فإن الاجواء المتولدة من استمرار الانتفاضة ونتائجها سوف تضغط على كل القوى العربية الرسمية والشعبية باتجاه سد ثغرات الواقع العربي, واعادة بناء القوة العربية الذاتية عبر محاصرة السياسات القطرية, وخصوصا سياسة التعامل القطري مع اسرائيل لحساب توجه عربي متكامل مركز على التضامن ومحصن ضد التفريط بثوابت قومية. ان الاسابيع المقبلة سوف تكون حبلى بتطورات تعكس في تقديرنا الصراع ما بين اتجاهات انهاء الانتفاضة بالعنف العسكري او بالخديعة وعلى الارجح بمزاوجة ما بين الاسلوبين معا, وما بين التوجه الفلسطيني العربي الشعبي الساعي الى استمرار الانتفاضة وتوسيع مجالاتها واستثمار انجازاتها وتضحيات فتية الحجارة لاستخلاص الحقوق وتحرير الارض. ان قلق اسرائيل وامريكا وحلفائهما من اندلاع الانتفاضة وتصاعدها يعكس مدى شعورهم بالخطر من امكانياتها الكامنة على مصالحهم وعلى ركائز دولة اسرائيل وفي المقابل فإن صلابة شعب فلسطين وحيوية الامة تعكس مدى رسوخ الايمان بقوة الحق عند الانسان العربي, وخلاصة دروس التاريخ تقول: ان القوة التي لا تستند الى حق لا تصمد امام حق يستمد قوته من ايمان اصحابه به واستعدادهم للتضحية في سبيل انتزاعه.