الملف السياسي : لم يطرأ تغيير كبير على موازين القوى العسكرية في منطقة الشرق الأوسط في العام ,2000 ونظرا لأن قضية الشرق الأوسط الرئيسية قد بقيت دون حل ولأن التوتر المزمن والمستمر لا يزال هو سيد الموقف, فان المنطقة بقيت سوق السلاح الرئيسية على مستوى العالم. شهد العام 2000 حدثين رئيسيين على صعيد موازين القوى العسكرية: الأول في اسرائيل والثاني في ايران. فقد أقامت اسرائيل أول بطارية صواريخ مضادة للصواريخ بعيدة المدى (الباليستية) على بعد 48 كيلومترا الى الجنوب من تل أبيب. وستنشر في العام 2005 بطاريتين آخرتين الاولى في شمال اسرائيل والثانية في جنوبها. وتعمل اسرائيل بالتعاون التكنولوجي والتمويلي مع أمريكا على تطوير نظام صاروخ (حيتس 2) أي (السهم 2) الذي اجريت عليه تجربة ناجحة صيف هذا العام وفقا لما أعلنته اسرائيل. وبذلك تكون اسرائيل قد حققت نجاحا في مساعيها الحثيثة الرامية لدرء خطر صواريخ أرض ــ أرض التي نعتقد أنها تشكل الخطر الأكبر على أمنها في ضوء المساعي السورية العراقية الايرانية للحصول على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية كما هو في سوريا أو تطويرها وزيادة مداها وفعاليتها كما هو الحال في ايران والعراق. ولقد غيرت اسرائيل كثيرا ترتيب لائحة المخاطر العسكرية التي تواجهها. ففي أعوام الخمسينيات والستينيات كانت تنظر بعين الخوف الى القوات التقليدية في الدول العربية المحيطة بها أي تعداد وتسليح وتدريب قوات الدول العربية المجاورة. وفيما بعد أي في السبعينيات والثمانينيات بدأت اسرائيل تخشى بشكل أكبر القدرات الصاروخية والكيماوية العربية وبخاصة لدى سوريا والعراق ثم بدأت اسرائيل وهي قوة نووية معروفة منذ أواخر أعوام الستينيات تخشى قبل كل شيء امتلاك الدول العربية أو الاسلامية وبخاصة العراق وايران وباكستان القنبلة النووية. ولذلك فان اسرائيل لم تتردد في ارسال طائراتها لتدمير مفاعل تموز النووي العراقي في منتصف الثمانينيات. واذا كانت اسرائيل تنظر بقلق شديد الى مساعي ايران المستمرة لاكتساب قدرات نووية.. فانها ما زالت تعتبر أن مجالها النووي الحيوي يمتد من المغرب غربا الى باكستان شرقا, وكانت أكثر الدول قلقا من التجربة النووية الباكستانية قبل عامين رغم المقصود الأول بتلك التجارب كان الهند. وكانت التجارب الباكستانية ردا واضحا عليها. ميدانيا وفي الوقت الذي استمرت فيه حالة اللاحرب واللاسلم في منطقة الشرق الاوسط وبخاصة بين سوريا واسرائيل وبالتالي بين لبنان واسرائيل, فان تبدلا طرأ على الواقع تمثل بانسحاب القوات الاسرائيلية من منطقة الشريط الحدودي بجنوب لبنان تحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية ورأس حربتها: حزب الله. وكان لهذا الانسحاب أثر واضح في معادلة القوى الشرق أوسطية حيث شكل أول انتصار عربي على اسرائيل منذ عقود من الزمن. وتأثرت المعادلة بانهيار جيش لبنان الجنوبي, حليف اسرائيل في (حزامها الأمني), وهو ما عزز مكانة حزب الله الذي تحرك فورا لملء الفراغ الذي احدثه الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان. ايران واصلت وبثبات تطوير قدراتها العسكرية, وبخاصة في مجال الصواريخ, والقوات البحرية, ففي الخامس عشر من يوليو الماضي اختبرت ايران الصاروخ (شهاب 3) الذي يبلغ مداه الفا وخمسمئة كيلومتر. كما اختبرت ايران وبنجاح ايضا تجربة لاطلاق نسخة متطورة من الصاروخ الصيني بحر ـ بحر 802 ــ الذي يمكن تركيبه على القوارب السريعة التي تملكها القوات البحرية الايرانية من طراز (هودونج). وقد واصل المتشددون في النظام الايراني الامساك بزمام القوات المسلحة والحرس الثوري وأيضا على برامج التسلح الواسعة التي تثير قلق العديد من دول منطقة الشرق الاوسط وبخاصة اسرائيل التي رأت في التجارب الصاروخية الايرانية الناجحة لسلسلة صواريخ شهاب 1 وشهاب 2 وشهاب 3 تهديدا مباشرا وجديا لأمنها. وتردد أن قيادة قوات الحرس الثوري الايراني قد اقامت خمس وحدات لتشغيل ترسانة الصواريخ الايرانية. في الوقت الذي تتوقع فيه المخابرات الاسرائيلية ان تحصل ايران على اول سلاح نووي عام 2005. سوريا وهي احدى اهم القوى العسكرية في معادلة الشرق الاوسط حافظت على اعلى مكانتها وقدراتها العسكرية رغم انها لم توقع على أية صفقات عسكرية ذات شأن في العام ألفين. فقد بقي عدد من القوات المسلحة السورية على حاله سواء في تعداد الجيش النظامي العامل او في تعداد المجندين وهو ما يتراوح بين 500 و600 الف رجل. ولم يطرأ أي تعديل ذي مغزى على ترسانة الأسلحة السورية من دبابات وطائرات وصواريخ, غير ان حاجة تلك الترسانة لقطع الغيار الروسية وكذلك تقادم تلك الترسانة, وعدم تجديدها لسبب تراجع القدرة السورية على دفع اثمان السلاح بالعملات الصعبة, نتيجة للوضع الاقتصادي الداخلي في سوريا, وايضا نتيجة للضغوط التي مارستها الدول الغربية وعلى رأسها, أمريكا على روسيا, لمنع ابرام صفقات سلاح او قطع غيار روسية الى سوريا. يضاف الى ذلك كله نضوب المساعدات المالية التي كانت تقدمها الدول العربية لسوريا لتمويل عمليات شراء الاسلحة في السبعينيات, وتحول جزء كبير منها الى العراق في بداية الثمانينيات لسبب الحرب بين العراق وايران. ولا يزال الجيش السوري بأمس الحاجة الى نقلة تكنولوجية كبيرة غير ان هذه النقلة المرجوة التي ألمح اليها الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب القسم الصيف الماضي. العراق أمضى عام 2000 كما أمضى الكثير من الأعوام التي سبقته سجينا داخل قفص العقوبات الدولية المفروضة عليه. وعلى الرغم من ان بغداد تواصل منذ عامين تحدي مطالب وقرارات مجلس الأمن الدولي فيما يختص بوجود مفتشي الاسلحة الدوليين الساعين لاستكمال نزع اسلحة (الدمار الشامل العراقية) فان القدرات العسكرية العراقية تراجعت بشكل ملحوظ بسبب تركيز الجهود وعلى التخلص من نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق. ونظرا لحظر السلاح الصارم, والذي يلقى شبه اجماع دولي, فانه يمكن القول أن القدرات العسكرية العراقية قد واصلت التراجع الذي بدأ منذ الضربة القوية التي منيت بها القوات العراقية في أعقاب غزو الكويت في صيف عام 1990. وقد جاءت تلك الضربة في أعقاب التطور النوعي والكمي الذي حققته القوات المسلحة العراقية قبل وخلال أعوام الثمانينيات والتي اكسبتها ثماني سنوات من الحرب مع ايران خبرات عسكرية كبيرة. ومن الملاحظ ان حجم الانفاق العسكري في الشرق الاوسط قد بقي على حاله تقريبا في اعوام ,1998 ,1999 2000 ويتراوح في حدود 60 مليار دولار أمريكي, بالرغم من نسبة زيادة قدرها خمسة في المئة نجمت عن زيادة القدرة الشرائية لدول النفط العربية لسبب الارتفاع الذي شهدته سوق النفظ في عام الفين. وعلى أية حال فان منطقة الشرق الأوسط بقيت على رأس قائمة مشتري الأسلحة في العالم. مصر, وعلى الرغم من توقيعها معاهدة سلام مع اسرائيل منذ أكثر من عقدين من الزمن, فانها استطاعت المحافظة على نوعية قواتها المسلحة اكثر من غيرها من الدول العربية وبخاصة سوريا والعراق واليمن. ويرجع ذلك الى العلاقة الطيبة نسبيا التي تربط مصر بدول الغرب عموماً وهو ما يجعلها تتجنب الوقوع في فخ الحرمان مع جزء من التكنولوجيا الغربية, ويسمح لها باجراء المناورات المشتركة وبالتالي اكتساب الخبرات العسكرية الغربية من خلال الاحتكاك بين القوات المصرية وقوات الدول الغربية وبخاصة الأمريكية التي أجرت العديد من المناورات في مصر. وفي معادلة الشرق الاوسط تبرز تركيا كواحدة من اكثر دول المنطقة انفاقا على التسلح حيث يقدر مجمل الانفاق العسكري بأكثر من عشرة مليارات دولار سنويا. ويغذي هذه الفاتورة التركية مشاكل مع جميع دول الجوار على وجه التقريب وبخاصة ايران واليونان, اضافة الى سوريا والعراق, وأيضا مشكلة جزيرة قبرص المقسمة. كما تغذيها ايضا القوات المسلحة التركية غربية الهوى التي تهيمن من وراء الستار على الحياة السياسية في البلاد باعتبارها حامي حمى الارث الاتاتوركي والعلمانية. وتلعب تركيا دورا لا يستهان به في زيادة الانفاق العسكري في المنطقة بسبب المخاوف التي تثيرها مساعي تركيا واسرائيل للتعاون العسكري. ولم يطرأ أي تغيير يذكر على القدرات العسكرية الاردنية التي حافظت على مستواها, اما القوات اللبنانية فقد استطاعت زيادة تدريباتها وتسليحها, ولكن دون أثر يذكر لقوات الدولتين على الميزان العسكري الشرق أوسطي. أما على المستوى العالمي فقد تراجعت تجارة السلاح الدولية عامي 1999 و2000 حيث بلغت في العام الأول 4.53 مليار دولار بعد أن كانت 58 مليار دولار. وبلغت حصة الولايات المتحدة من هذه التجارة 1.49% عام 1999 مقارنة بـ 6.47% في العام الذي سبقه. وجاءت بريطانيا في المرتبة الثانية بحصة بلغت 7.18% وبعدها فرنسا 4.12% بعد ان كانت حصة فرنسا 6.17%. لكن هذا التراجع في حصة فرنسا مرده الى عمليات التسليم ويتوقع أن يتوقف التراجع في العام الجديد 2001. أما روسيا فقد جاءت في المرتبة الرابعة. وقد استطاعت زيادة مبيعاتها من 6.4% عام 1998 الى 6.6% عام 1999 مستفيدة بذلك من تراجع قيمة الروبل ومن تزايد الطلب على السلاح الروسي من جانب الصين والهند ومن جانب بعض الدول الافريقية. وأخيرا فقد حافظ الانفاق العسكري الدولي عام 1999 على مستوياته عام 1998 في حدود 9.8 مليارات دولار أمريكي.