الملف السياسي : مع تصاعد انتفاضة الأقصى, وخروجها عن سيطرة أي من الطرفين الفلسطينـــي والإسرائيلي, وما واكب ذلك من توقف ما يسمى بعملية السلام رغم الجهود الدولية والاقليمية التي تبذل ، لاحيائها, تزايد الحديث في المنطقة وخارجها حول احتمالات اتساع دائرة التوتر في المنطقة لتشمل دوائر أوسع خارج إطار المناطق الفلسطينية المحتلة, حصرها بعض المراقبين في سوريا ولبنان, ووسعها آخرون لتشمل كل المنطقة العربية وإيران وتركيا. وهو ما اقلق القيادات السياسية والعسكرية ليس في المنطقة فحسب, بل وفي دوائر غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بعد أن تهددت مصالحها بفعل تأييدها المطلق ومساندتها لإسرائيل, وهو ما انعكس في حادث المدمرة الأمريكية ( كول) في عدن في 12 أكتوبر الماضي. والتفجيرات التي وقعت أخيرا في الرياض, خاصة بعد أن تداولت أجهزة المخابرات المعنية بالمنطقة تقارير تشير الى مخطط (أصولي) يستهدف جر المنطقة الى حرب شاملة تماثل الحرب في افغانستان التي أجبرت الاتحاد السوفييتي السابق على الرحيل من هناك, لاسيما وأن اقتحام إسرائيل للمقدسات الإسلامية (المسجد الأقصى) في الصراع العربي الإسرائيلي بالصورة الاستفزازية التي برزت في الأشهر الأخيرة, سواء من حيث إصرارها في مفاوضات ( كامب ديفيد 2) على بسط سيادتها على الحرم المقدس الشريف توطئة لهدم المسجد الأقصى وإقامة ما يسمى بهيكل سليمان على انقاضة, أو نتيجة تدنيس الارهابي شارون لحرمة المسجد الأقصى في حراسة آلاف الجنود الإسرائيليين, والذي كان سببا مباشرا في اشعال الانتفاضة, بل القشة التي قصمت ظهر البعير بعد أن بلغ الغضب واليأس والاحباط بالفلسطينيين مبلغه,وفرض بالتالي على الصراع العربي الإسرائيلي طابعه الديني الذي طالما حاول دعاة السلام من الجانبين إخفاءه. وقد دعم من احتمالات جر المنطقة الى حرب جديدة, ما يتردد في بعض الأوساط السورية والفلسطينية وحزب الله في لبنان أن الانتفاضة قد فرضت واقعا جديدا تجاوز ما سبق تداوله في مفاوضات السلام في أوسلو أو واي ريفر أو شرم الشيخ أو (كامب ديفيد 2) وأنه لابد من استثمار هذا التغير على صعيد المقاومة العربية لاجبار إسرائيل من خلال تورطها في حرب استنزاف طويلة على أكثر من جبهة في فلسطين والجولان وشمال إسرائيل, تتكبد فيها خسائر بشرية جسيمة على الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة, وذلك في ضوء المعتقد السائد بأن إسرائيل لن تنسحب إلا في ضوء وقوع هذا السيناريو, وذلك من واقع حرب أكتوبر 1973 والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو الماضي. عزز هذه الاحتمالات ما أشارت إليه تقارير مخابرات غربية حول رصد وصول تعزيزات تسليحية جديدة الى حزب الله في جنوب لبنان قادمة من إيران عبر سوريا, وتعاون وتنسيق عسكري بين حزب الله وجماعات فلسطينية, كما أن مناطق حدودية في جنوب لبنان متاخمة لإسرائيل تحولت الى تحصينات دفاعية قوية تستكمل قاعدة هجوم ضد شمال إسرائيل, وتضم مرابض أسلحة مضادة للدبابات وكاتيوشا ومدفعية وعربات مدرعة ومراكز قيادة, لاسيما في أحراش بلدة بارون التي أصبحت منطقة مغلقة يجري فيها تدريب ميليشيات حزب الله على أيدي خبراء إيرانيين على إدارة معارك حرب العصابات, بل لقد وصفت التقارير المشار إليها أن هذه التحقيقات تحول صواريخ روسية طراز (خروج ) ذات المدي 70كم, وتغطي بالتالي منطقة حيفا الصناعية في شمال إسرائيل وما تحويها من أهداف استراتيجية أبرزها مصفاة النفط هناك. وقد واكب ذلك تهديدات لسوريا أطلقها رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال شاؤول موفاز أخيرا, زعم فيها أن الرئيس السوري بشار الأسد متحمس لشن حرب شاملة ضد إسرائيل بعد أن وضع يديه في أيدي حزب الله, وأن سوريا تستعد لذلك بتطوير صواريخها ( سكود سي, دي ) طويلة المدى التي تطول العمق الإسرائيلي. مما لاشك فيه أن الاحتمالات القوية لوصول حزب الليكود اليميني سواء برئاسة نتانياهو أو شارون الى الحكم بعد الانتخابات المقبلة, حيث تتضاءل فرص فوز باراك, سيدعم من التوجهات المتطرفة الداعية لتشديد قبضة إسرائيل الحديدية على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة, وعلى المقاومة اللبنانية والحكومة اللبنانية, بل والحكومة السورية أيضا في كل من لبنان وسوريا. سيناريوهات التصعيد في المناطق الفلسطينية المحتلة أ- بمبادرة فلسطينية : يفترض هذا السيناريو أن تمضي الانتفاضة في طريق التصعيد باستخدام الأسلحة النارية على نطاق واسع ضد المستوطنين الإسرائيليين وقوات الجيش الإسرائيلي ويشارك في ذلك قوات الأمن الفلسطيني الذي تفترض إسرائيل أنهم أصبحوا يشملون فرقة مشاة قوامها 45- 50 ألف جندي مسلحين بأسلحة خفيفة وثقيلة تشمل عربات مدرعة وصواريخ كاتيوشا بعيدة المدى وصواريخ مضادة للدبابات ودانات وبما يكبد الإسرائيليين خسائر بشرية جسيمة, خاصة إذا ما اقترن ذلك بعملية تفجير ضخمة أو عملية انتحارية داخل أرض إسرائيل تخسر فيها عشرات القتلى والمصابين. في هذه الحالة يتوقع أن يكون رد الفعل الإسرائيلي عنيفا, ويتمثل أساسا في اقتحام الجيش الإسرائيلي مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ومخيمات الفلسطينيين, وإدارة عمليات إبادة وحشية ضد الفلسطينيين, مع تدمير مرافق وأهداف البنية الأساسية وهو ما يعني وقوع حمامات دم واسعة بين الفلسطينيين, سيكون لها بالضرورة رد فعل عربي إنتقامي واسع على الساحتين اللبنانية والعربية يتمثل في شن ضربات قوية بواسطة ميليشيات حزب الله, وفصائل المعارضة الفلسطينية ضد أهداف منتقاة داخل إسرائيل, وبما يدفع الأخيرة الى توجية ضربات جوية وصاروخية ضد أهداف حيوية داخل إسرائيل بالصواريخ (سكود), وهو ما قد يدفع الأحداث الى مواجهة شاملة بين إسرائيل وسوريا, تستهدف إسرائيل من ورائها تدمير البنية الأساسية العسكرية للجيش السوري, لاسيما في مجال ما يمتلكه من اسلحة دمار شامل ووسائل اطلاقها الصاروخية ( مصانع الصواريخ ومنشآت البحث والتطوير الخاصة بها ومستودعاتها وبواقع اطلاقها وأماكن تمركز وحداتها ), بالاضافة للمصانع الحربية السورية, ومراكز القيادة الاستراتيجية, ومناطق تجمع الفرق المدرعة والميكانيكية السورية, وستشترك في هذه المواجهة بجانب الوحدات الصاروخية القوات الجوية من الجانبين ( حيث لا تتجاوز المسافة بين الأهداف الحيوية في الطرفين 50 ميلا تقطعهم المقاتلات في حوالي 7 دقائق ). ب ــ عبارة إسرائيلية: قد تؤدي النتائج الوخيمة لحرب الاستنزاف التي يشنها الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل الى اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قرارا سياسيا يستهدف اعادة احتلال مدى الضفة الغربية وقطاع غزة, واغتيال عرفات والقيادات الفلسطينية واعتقالها, وفرض الحكم العسكري على المناطق, وهو الوضع الذي كان قائما قبل أوسلو, وهو ما سيؤدي الى نشوب مواجهات دموية عنيفة بين الفلسطينيين والمستوطنين وقوات الاحتلال ويؤدي بالتالي الى وقوع نفس التداعيات التي سبق تناولها في السيناريو السابق. وستكون بدرجة أشد قد تطول المصالح الأمريكية في المنطقة, خاصة إذا ما ترافق معها اغتيال القيادات الفلسطينية أو المساس بالمقدسات الإسلامية كقصف المسجد الأقصى ومسجد الصخرة بالصواريخ أو تفجير عبوات فيها أو اشعالها أو احتلالها بواسطة الإسرائيليين. ذلك أن حدوث أي من هذه الاحتمالات سوف يثير الرأي العام العربي والإسلامي بشدة وربما يولد ضغوطا عنيفة على الحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ مواقف متشددة ضد إسرائيل, وبالتالي نشوب مواجهات واسعة لن تقتصر على دول المواجهة العربية فحسب بل ستمتد الى دول العمق العربي وإيران. وقد تقع هذه المبادرة من جانب إسرائيل فيما لو أعلن الرئيس عرفات من جانب واحد قيام الدولة الفلسطينية. ورغم أن الجيش الإسرائيلي في ظل حكومة حزب العمل برئاسة باراك يضع خططه إزاء الانتفاضة على أساس التعامل معها من منطلق ( المستوى المنخفض للاشتباكات ) بضرب أهداف منتقاة داخل مناطق السلطة الفلسطينية دون اقتحامها, وفي اطار رد الفعل القومي المحسوب, إلا أن هذا الجيش في ظل حكومة أخرى يسيطر عليها نتانياهو أو شارون ستختلف خططه عن ذلك, حيث ستسعى مثل هذه الحكومة الى تفويض جميع الاتفاقيات السياسية التي سبق أن أبرمها باراك مع عرفات, وبما في ذلك مشروع اتفاق (كامب ديفيد 2) وتشديد الضربات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لإجبارهم على إنهاء الانتفاضة, وبما يضع أسس جديدة للتفاوض تتمثل في ضم إسرائيل 10% من أراضي الضفة الغربية, والسيطرة على المناطق الحيوية في غور الأردن وهضبة الشمرون واغلاق ملفات القدس وعودة اللاجئين والمستوطنات نهائيا, وهو ما عرف بخطة (مزارع الشوك) التي أعدتها رئاســة الاركان الإسرائيلية منذ عدة سنوات لمواجهة احتمالات تؤثر على الموقف سياسيا وعسكريا مع الفلسطينيين. العوامل المؤثرة على المسار العسكري مما لاشك فيه أن أيا من الدول العربية وإسرائيل تتجنب حاليا التورط في حرب شاملة تشتبك فيها الجيوش النظامية, وذلك لأسباب عديدة أبرزها أن التوازن العسكري رغم الخلل الذي أصابه لصالح إسرائيل, لاسيما في بعده النووي, لا يسمح لإسرائيل بالمغامرة بشن حرب شاملة ضد واحدة أو أكثر من الدول العربية. ذلك لأنه رغم تفوقها النوعي على الجيوش العربية, إلا أن التفوق الكمي ليس في صالحها إذا ما اضطرت للقتال على أكثر من جبهة عربية, بالاضافة للجبهة الفلسطينية, وعرب إسرائيل الغاضبين في الداخل, ذلك لأن مصر والأردن رغم توقيعهما على معاهدات سلام مع إسرائيل, إلا أن حكومتي القاهرة وعمان لن يستطيعا الصمود أمام الضغوط الشعبية الداخلية التي ستطالب بالتدخل لنصرة الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين إذا ما تعرضوا لحرب شاملة من جانب إسرائيل, نفس الأمر سينطبق على دول العمق العربي وإيران, وهو ما ليس بمقدور إسرائيل مواجهته بحرب تقليدية, أما إذا لجأت علنا للتهديد باستخدام رادعها النووي, فإن النتائج ستكون وخيمة عليها. لأنها بذلك ستعطي الفرصة للجيوش العربية لاستخدام ما في حوزتها من أسلحة دمار شامل أخرى كيميائية أو بيولوجية ضد الأهداف الحيوية والمدن الإسرائيلية ولكن تدرك القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية جيدا, أنه في الوقت الذي تستطيع فيه البلدان العربية والإسلامية تحمل ضربة أو اثنتين نوويتين من قبل إسرائيل, ثم يواصلوا التحدي لإسرائيل بما يملكونه من أسلحة دمار شامل, فإن إسرائيل لا تستطيع تحمل نصف ضربة واحدة كيميائية أو حتى تقليدية بالنظر لعيوبها الجيوبوليتيكية العديدة, وأبرزها ضيق المساحة وقلة العمق الاستراتيجي, وتركز معظم أهدافها الحيوية في المنطقة الساحلية والوسطى, بالاضافة للضعف السكاني الذي تعانية. لذلك فإنه في أي مواجهة عسكرية قادمة بين إسرائيل والدول العربية, لن يكون بمقدور إسرائيل أن تحقق إنتصارا سهلا, بل من المؤكد أنها ستدفع ثمنا باهظا مقابل مبادرتها بأي عمل عسكري ضد أي من الدول العربية, وحتى لو تمكنت من تحقيق إنتصار عسكري, فإن مردودة سيبقى محصورا في النطاق التكتيكي ولن يكون له تأثير على الصعيد السياسي. كما لا يمكن تجاهل تأثير العامل الدولي, خاصة الولايات المتحدة التي لها في المنطقة مصالح استراتيجية عديدة, تتطلب حمايتها توفير مناخ آمن ومستقر في المنطقة, وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل التوتر السائد في المنطقة الذي تسببه إسرائيل بإصرارها على عـدم الانسحــاب من الأراضي العربية المحتلة في الضفة وغزة والجولان ومزارع شبعا اللبنانية. إلا أنه في جميع الأحوال, ورغم حرص جميع الأطراف على تجنب التورط في صدام عسكري شامل, فلا يمكن تجاهل إمكانية وقوع ما يسمــي بـ ( سيناريو الحرب الخطأ ). والناتج عن أخطاء في حسابات القيادات السياسية والعسكرية عند اتخاذ القرارات المصيرية والمهمة, خاصة فيما يتعلق بإساءة تقدير إسرائيل لعوامل القوة العربية الكامنة, والبعد المعنوي للشعوب العربية الكارهة والرافضة بطبيعتها للوجود الإسرائيلي في المنطقة, وما يمكن أن يحدثه ذلك من آثار مدمرة لإسرائيل والمصالح الغربية في الشرق الأوسط, لاسيما إذا ما تحدت إسرائيل المشاعر الدينية للمسلمين بالمساس بالأماكن المقدسة في القدس.