الملف السياسي : لم يكن يدر في خلد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر, عندما دعا لانعقاد مؤتمر قمة عربية عام , 1963 ان مجرد انعقاد هذا المؤتمر سيصبح في يوم من الايام هدفا بحد ذاته. وفكرة القمة العربية التي راودت، الرئيس الراحل وعمل جاهدا على انجاحها كانت تتمحور حول لم الشمل العربي وتجميع قوة الانظمة العربية المنفردة وصهرها في مؤسسة عربية واحدة ذات شأن, تستطيع ان تجتمع وتناقش وتأخذ قرارات قابلة للتطبيق لجمع شمل الامة ابان فترة النهوض القومي والحس الجماهيري المفعم في ذلك الوقت بأحلام الرومانسية الثورية وقوة المثل الاشتراكي. لقد كانت فلسطين دوما الهاجس والمحرك وراء اي عمل عربي مشترك سعى اليه الرئيس الراحل, على الرغم من الخلافات والتباعدات التي كانت قائمة بين الانظمة العربية المختلفة وانقسامها الى معسكرات مختلفة التوصيف من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. لقد تسلح عبدالناصر بالمد الجماهيري الطاغي المناهض للاستعمار, والتواق لايجاد مركز عربي موحد يكون عنوانا للامة العربية في ظل تعدد العناوين وفي ظل اشتداد الحرب الباردة التي كانت تدور رحاها بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي آنذاك, وبين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. وبغض النظر عن اختلاف وتباين التقييمات للنتائج السياسية لمؤتمرات القمة التي انعقدت في الستينيات الا ان الثابت ان نتائج تلك المؤتمرات قد تركزت حول الحفاظ على حق الشعب الفلسطيني في وطنه وضرورة اعداد العدة العربية لاستعادة هذا الحق. وقد تعزز هذا الموقف بعد هزيمة يونيو عام 1967 بكل مآسيها. ان استمرار انعقاد مؤتمرات القمة العربية بعد رحيل عبدالناصر يدل على صوابية الفكرة كأساس وان دلت الوقائع السياسية والنتائج العملية لهكذا مؤتمرات في فترة السبعينيات وحتى الآن على تضاؤل وتراجع النتائج السياسية الايجابية لها. وبالتأكيد ان عملية المراجعة لنتائج مؤتمرات القمة العربية يجب ان تقرأ بدقة متناهية طبيعة الظرف السياسي الذي انعقدت فيه وحجم الانظمة المؤثرة في كل مؤتمر من المؤتمرات, خاصة بعد انتقال مركز الثقل العربي بعد موت عبدالناصر وتوقيع الرئيس السادات لاتفاقات كامب ديفيد عام 1978 من القاهرة الى عواصم اخرى متعددة. لقد اعتبرت الولايات المتحدة الامريكية ومعها اسرائيل ان حركة الشارع العربي المناهضة للتفاوض والصلح بمثابة مؤشرات خطيرة وتهديد حقيقي لمصالحها ومحاولة اختراقها للجسد العربي عبر الاتفاقات التي وقعها الرئيس السادات وخوفا من ان ينعكس كل ذلك سلبا على حقيقة وجودها ومصالحها في المنطقة العربية بأسرها وعليه بدأت في التحرك وبعدة اتجاهات لمحاولة ايقاف التمدد العربي الرافض لوجود اسرائيل وبالتالي المناهض لسياساتها في ظل تعزز دور الاتحاد السوفييتي آنذاك في المنطقة العربية كحليف في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية. وكان لابد لهذا التحرك الامريكي السريع من اعطاء نتائج سريعة في ظل قبول رسمي عربي وان كان غير معلن, وتمثل ذلك بدفع اسرائيل للقيام بعدوانها على لبنان عام 1982 واجتياح مواقع الثورة الفلسطينية وسحق بنينها التحتية تمهيدا للقضاء على تلك القوة الضاربة آنذاك وتهديدا مباشرا لسوريا في الوقت نفسه, في محاولة لاعادة رسم الخارطة السياسية العربية واعادة خلط الاوراق تمهيدا لترتيبها من جديد حسب الاهواء الامريكية ومصالحها النفطية في المنطقة العربية. لقد ادى نجاح الولايات المتحدة واسرائيل في تنفيذ سياساتها لنتائج مباشرة ليس على منظمة التحرير الفلسطينية فحسب, بل على مجمل الوضع السياسي في المنطقة العربية, وعلى طبيعة المواقف السياسية للانظمة العربية بكل تأكيد. وبدت تعلو في سماء المنطقة العربية اصوات اليأس للترويج لسياسة المهادنة مع اسرائيل وبحتمية التفاوض معها, وامتداح (السياسة الحكيمة للرئيس السادات) باعتبار من ان الوضع العربي غير مؤهل بكل المقايسس لامكانيات تحقيق النجاح والانتصار على اسرائيل وايقاف سلسلة احتلالاتها المتكررة لاراض عربية جديدة بعد كل حرب معها, كما حصل في حروب ,48 و,67 و73 وصولا لاجتياح لبنان عام 82 واحتلال جزء من اراضيهم. لقد وجدت هذه الاصوات التي بدأت تصف نفسها بالعقلانية والموضوعية, والبرجمائية, فرصتها للترويج لضعف الامة العربية وعدم قدرتها على تحقيق انتصارات ميدانية في مواجهة اسرائيل, وبالتالي ما على الامة العربية سوى الاستجابة واقتناص الفرصة الامريكية لتقديم مشاريع تسوية سياسية للقضية الفلسطينية. واستمرت المراوحة في المواقف السياسية في اطار الانظمة العربية ومن خلال مؤتمراتها العتيدة, والشيء الابرز لنتائج تلك القمم, هو فقدانها ثقة الجماهير العربية, واصبح انعقاد هذه القمم شأنا رسميا يخص الانظمة فقط. ودخلت الحالة الجماهيرية العربية في مرحلة اليأس وعدم اللامبالاة في ظل فقدان امل الكثيرين بإمكانية اصلاح المؤسسة السياسية العربية الاولى الممثلة في مؤتمر القمة. وقد زاد من هول هذه النتيجة وفداحة الخسائر التي لحقت بالامة العربية وقضاياها المصيرية, نتائج حرب الخليج الثانية وما جرت على المنطقة العربية من ويلات ومصائب سياسية بغض النظر عن اسباب ومبررات تلك الحرب. اذ انغرس في ذهن المواطن العربي حقيقة قيام حلف عسكري يجمع الولايات المتحدة مع بعض الدول العربية بقيادة الولايات المتحدة لتكريس حالة من الانقسام والتمزق ليس في اطار الشعوب العربية فحسب والتي اكتوت جميعها بنتائج هذه الحرب سواء في العراق او الكويت بل ايضا في البلدان العربية الاخرى والبعيدة عن ساحة المعارك, والتي رأت ولمست سقوط شعارات القومية العربية والوحدة وتحرير فلسطين في سلة الولايات المتحدة الامريكية بشكل مباشر, ناهيك عن حالة الانقسام والعداء الذي نشأ بين بعض الانظمة العربية نفسها والتي ما زالت نتائجها وآثارها قائمة حتى اليوم, بالرغم من حجم التبدلات التي حدثت على الساحة الدولية من انهيار الاتحاد السوفييتي وحلفائه, الى بروز وحدانية المركز العالمي, وما خلفته سياسة السير وراء وحدانية القطبية. وانعقاد لوائها للولايات المتحدة من مآس والام في منطقتنا العربية ولكن هذه المرة ملونة بألوان مختلفة وبيافطات تدعي العقلانية وتهتف بحياة البيت الابيض الامريكي. لقد كان من نتائج هذه المرحلة السوداء بكل معنى الكلمة, هو ليس فقط اتساع الهوة بين مؤسسة القمة العربية والشعوب العربية فقط, بل ادت هذه المرحلة الى تعطيل واحداث شلل تام في مؤسسة القمة العربية نفسها, وبحيث اصبح مجرد الدعوة لانعقادها هو عمل خارج عن المألوف, وعادت سياسة المحاور والاستقطاب العربية هي التي تتحكم في الموقف السياسي الرسمي لهذا النظام العربي او ذاك. وقديما قيل ان فلسطين تفرق وتجمع ويبدو ان هذه العبارة المأثورة قد اصابها النجاح في الفترة الاخيرة, فمع اندلاع انتفاضة الاقصى المباركة في 28/9/2000 وفي ظل استمرار العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني الاعزل في وطنه والفاقد للحماية العربية والدولية بكل معنى الكلمة, اصبح لاستمرار الانتفاضة وقع السحر على الجماهير العربية التي نهضت من سباتها بعد ان رأت بأم اعينها ماذا تفعل اسرائيل باطفال فلسطين وشعبها. وهنا ارتفعت الاصوات منادية بضرورة رأب الصدع العربي وتجاوز الخلافات انتصارا لفلسطين, وجرت الدعوة لانعقاد القمة العربية واصبحت الظروف السياسية مهيأة اكثر من اي وقت مضى لاعادة الحياة لهذه المؤسسة التي اعتراها الجمود طيلة عقد من الزمان. ان تجاوب الملوك والامراء والرؤساء العرب وعقدهم لقمة عربية في القاهرة واقرار مبدأ دورية انعقاد مؤسسة القمة العربية, يحمل في طياته موقفا سياسيا ايجابيا يجب وبالضرورة ان يعكس نفسه على الحالة العربية عموما. وبغض النظر عن الاختلاف في تقييم النتائج السياسية والعملية لمؤتمر القمة الذي انعقد في القاهرة لنصرة الانتفاضة الا ان الانعقاد يحمل مؤشرات عديدة يمكن الاشارة لابرزها: 1ــ عودة الروح لمؤسسة القمة العربية بعد طول غياب. 2ــ امكانية تجسيد الهوة بين الشعوب العربية وتطلعاتها, وبين الانظمة العربية القائمة في هذا القطر او ذاك واهمية استجابة هذه الانظمة لنبض الشارع العربي. 3ــ اعادة الاعتبار للشعارات القومية ومبدأ التضامن العربي وامكانية نجاح العمل العربي المشترك ولو كان في اضيق الحدود. 4ــ كشف انعقاد القمة العربية عن مدى حاجة الانظمة العربية مجتمعة ومتفرقة لعمل عربي مشترك يساندها في قضاياها القطرية المختلفة. 5ــ ان الانظمة العربية ومن خلال مؤسسة القمة يمكن ان تصل لقواسم مشتركة سياسية تتوحد حولها على الساحتين العربية والدولية. 6ــ صحيح ان مدخل التوحد السياسي الراهن هو دعم الانتفاضة ولكن الاكثر صحة هو امكانية انتقال العمل الرسمي العربي الى بحث ملفات عربية ساخنة اخرى مثل ملف حرب الخليج الثانية وانهاء ذيول هذه التراجيديا العربية المدمرة. 7ــ لقد اصبح في حكم المؤكد ان الانظمة العربية بدأت تشعر ان الولايات المتحدة كونها اللاعب الوحيد في المنطقة لا تريد لمؤسسة القمة ان تنعقد ولا تريد لهذه المؤسسة ان تتوحد على قواسم سياسية مشتركة لما يعنيه ذلك من امكانية فتح ملفات الخلاف مع الادارة الامريكية نفسها سواء كان الاختلاف حول صيغ التسوية المطروحة للقضية الفلسطينية او ملفات الاختلاف في تباين المصالح السياسية والاقتصادية مع هذا النظام او ذاك. 8ــ اعطى انعقاد قمة القاهرة اشارة واضحة للادارة الامريكية؟ ان استمرار الانحياز الامريكي الكامل لاسرائيل يمكن ان يجر اوخم العواقب على المصالح الامريكية في المنطقة ويقوي شوكة القوى العربية الرافضة اصلا لوجود شراكة مع الولايات المتحدة. مما يهدد ليس المصالح الامريكية الاقتصادية فحسب بل يعجل ويقوي الاصوات العربية المناهضة لاستمرار الوجود العسكري في المنطقة بغض النظر عن حجج ومبررات هذا الوجود. 9ــ لقد اثر انعقاد القمة العربية وبشكل مباشر على الدول الاسلامية جمعاء, بحيث لعب الاجماع العربي دورا رئيسيا في سرعة انعقاد مؤتمر القمة الاسلامي في الدوحة. ان الاقرار بصوابية العمل العربي المشترك اصبح حقيقة واقعة سواء كان هذا العمل المشترك على الصعيد الشعبي ممثلا بقواه الفاعلة ومنظماته غير الحكومية, او على صعيد المواقف الرسمية للانظمة العربية نفسها. لقد اصبح واضحا وبجلاء للشعوب العربية ومفكريها وقادتها ان العمل المشترك والسعي الدائم للتفتيش عن القواسم المشتركة, والعمل بشكل حثيث على انهاء الفرقة والاختلاف هو مصلحة مباشرة لكل نظام عربي وحماية له. لقد اثبتت سنوات الفرقة وغياب مؤسسة القمة على استخفاف الادارة الامريكية واسرائيل بالثقل العربي بحيث اصبحت هذه الادارة تتحرك في المنطقة العربية وكأنها الآمر الناهي دون خوف او حتى هاجس على مصالحها في المنطقة. ان روح الاخلاص والمسئولية الوطنية والقومية والارتفاع الى مستوى الاحداث والتفاني في خدمة القضايا العربية المصيرية هي قواسم مشتركة يمكن ان يجتمع عليها قادة البلدان العربية, مما يعيد الاعتبار والاحترام لسوية العمل العربي المشترك ويقوي من شأن التضامن العربي في المرحلة المقبلة, للتأسيس لمرحلة نعتقد انها ستكون اشد خطورة.