الملف السياسي : انتفاضة الاقصى التي انطلقت في 28 سبتمبر الماضي بعد زيارة شارون للقدس وتدنيسه المسجد الاقصى, هي الحدث الطاغي على ما عداه من احداث تهم العرب, وجاءت بعد ضيق عربي، عام من سياسة اسرائيل وتسويفاتها, وتهربها من السلام الحقيقي العادل والشامل, وخلقت توجها عربيا للعودة الى احتضان القضية الفلسطينية وربطها بالامن القومي العربي على اساس ان الاتفاقات المنفردة التي حققها الفلسطينيون ليست قابلة للحياة وولدت تحولات في النظام العربي باتجاه القضية المركزية والجوهرية في الصراع العربي ــ الاسرائيلي ــ القضية الفلسطينية. اهم معالم وأحداث هذا التحول كانت القمة العربية الطارئة والموسعة في القاهرة التي انعقدت في 21 ــ 22 اكتوبر 2000 وبعدها قمة الدوحة الاسلامية والتي اكدت قرارات القمة العربية وقبل الدخول في المواقف العربية واهمية قمة القاهرة لابد من استعراض سريع للاسباب التي ادت الى هذا التحول والاحداث التي فرضت هذا التطور المهم. قامت المبادرة الامريكية للسلام وانعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 على اساس مبادلة الارض بالسلام وقرارات الامم المتحدة ذات الصلة, ولكن اسرائيل الطرف الغاصب للحقوق راحت تتهرب من هذه الاسس وحرصت منذ البداية فرض سلامها على العرب واستفردت بالفلسطينيين وفرضت اتفاق اوسلو المجحف والناقص وتركت حل القضية الى اتفاق نهائي, وعندما حان وقت هذا الحل ارسلت شارون ليدنس الاقصى. مع انطلاقة المفاوضات الثنائية بين الوفود العربية واسرائيل, انطلقت المفاوضات المتعددة الاطراف وانجر العرب مع هذه المفاوضات الاقتصادية على امل تحقيق السلام في نهاية المطاف وحسب الوعود والضغوط الامريكية وغياب الامم المتحدة وأوروبا وروسيا انعقدت مؤتمرات الدار البيضاء وعمان والقاهرة وفشل مؤتمر الدوحة عام 1998 بعد ان توضحت مشاريع اسرائيل للهيمنة على المنطقة دون الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة, وتدخلت الولايات المتحدة وساعدت على وصول باراك الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية على اساس وعود بالسلام لكن باراك لم يتقدم خطوة تذكر عن سلفه نتانياهو واستمر في نهج السياسة الاسرائيلية التوسعية, مما اوصل المنطقة بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص الى حالة من الاحتقان يصعب معها الاستمرار في المفاوضات بعد ان وصلت القضية الى القدس الشريف والحل النهائي, وبعد ان سجل العرب حدثا مهما تمثل في دحر الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة اللبنانية الموجعة والتغطية العربية لهذه المقاومة واعطائها الشرعية والحق في مقاومة الاحتلال وباتت الحل الوحيد امام الشعب العربي الفلسطيني لينال استقلاله ويحقق سيادته على ارضه فكانت الانتفاضة بعد شرارة شارون مما خلق تطورات عربية جديدة. وقراءة في القمة توحي بما فيه الكفاية بأن العرب الذين تسرعوا في فتح المكاتب العلنية والسرية مع اسرائيل تراجعوا تحت ضغط الشارع العربي المساند للانتفاضة الفلسطينية واغلقت المكاتب في تونس ــ المغرب ــ عمان ثم بعد ذلك قطر وبدأ العرب يعيدون النظر في توجهاتهم, لأن المرونة التي انتهجوها لم تقنع اسرائيل بالمضي في التسوية السلمية, ولم تبدل شيئا في ثوابتها التوسعية العدوانية, ولاءاتها بشأن القدس والدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين. والتطور المهم هو الموقف المصري, اذ شهدت القاهرة انعطافا في العمق من الاحتواء الى المواجهة, رغم السلمية التي لازمت الاستراتيجية المصرية, في الوقت ذاته بدا ان الموقف المصري يميل صراحة الى صياغة رد عملي وفاعل على مواقف الحكومة الاسرائيلية التي علقت عملية السلام واختارت التصعيد السياسي والعسكري من اجل وقف الانتفاضة عبر سياسة العزل والحصار والخنق الاقتصادي والقتل اليومي, وباتت كامب ديفيد الاولى مهددة بدورها بصورة مباشرة او غير مباشرة لان عملية السلام في النهاية حالة واحدة متكاملة وشاملة بين الاطراف العربية المعنية وكل تراجع على اي من المسارات يعد نكسة حقيقية للسلام, ثم ان المصداقية الامريكية في التعامل مع العرب يستتبع بطبيعة الحال سقوطها الآخر في التعامل مع الطرف العربي الاول المعني بالسلام الشامل اي الطرف المصري. اما موقف سوريا وكما عبر عنه الرئيس بشار الاسد فهو استمرار للثوابت السورية المعروفة ولمواقف سوريا من اسرائيل منذ انطلاقة مدريد ورفض سوريا اي شكل من اشكال التطبيع قبل الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة واعادة الحقوق العربية, وطلب الرئيس الاسد من القادة العرب الارتقاء الى مستوى المسئولية القومية التي تلقيها على عاتقهم الجماهير العربية في هذه المرحلة الحرجة والخطرة من تاريخ الأمة ودعا الى سلام القوة والقائم على الردع وبناء الذات. فماذا تعني هذه المواقف؟ وهي صادرة من قادة دول القلب العربي, انها تعني صراحة لا لبس فيها ان العرب وللمرة الاولى منذ مؤتمر مدريد على مفترق طرق تاريخي في التعامل مع الولايات المتحدة كما مع اسرائيل, وان هناك خيارا واحدا امام الحكام العرب جميعا سواء الذين عقدوا سلاما ام لم يعقدوا هو خيار المواجهة والمقاومة بكل ابعادها واشكالها, بدءا بالحرب الاقتصادية والدبلوماسية وصولا الى الحرب العسكرية اذا اقتضى الامر ومضت اسرائيل في وحشيتها. وهذا المشهد العربي بأطرافه المعتدلة وغير المعتدلة يهيىء لرد عربي مركب على اسرائيل يمهد لاعادة المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية والسورية ــ الاسرائيلية الى ما قبل اوسلو اي قواعد مدريد والشرعية الدولية وهذا اضعف الايمان في الدفاع عن الحقوق العربية. والرسالة العربية التي وجهتها القمة الى كل من اسرائيل وامريكا واضحة بالرغم من صياغتها المرنة, انها تقول ان العرب دعاة سلام, ويعتبرون السلام خيارا نهائيا. واسرائيل تغتال هذا السلام وتمارس سياسة الاعتداء والمذابح اليومية. وفي مواجهة هذه المناورات لا يستطيع العرب ان يصبروا الى ما لا نهاية وأن القدس (خط أحمر) لا يمكن لاحد تجاوزه, وأن العرب يملكون اوراقا كثيرة لا يجوز الاستخفاف بها مثل سحب ورقة الاعتراف واعادة تطبيق قرارات المقاطعة العربية والاستعداد لحرب استنزاف طويلة اذا هم حشروا في الزاوية وسلاح النفط الذي قضت الحكمة بعدم استخدامه يظل سلاحا مشروعا ولا يوجد شيء اسمه مستحيل كما قال عمرو موسى بعد القمة في لقاء تلفزيوني مع برنامج رئيس التحرير انها العودة الى روح الستينيات ولكن بحذر وعقلانية بعد ان اعادت القمة التأكيد على خيار السلم كما انطلق في مدريد وامامهم شهور لتعلم ابن مهندس مدريد الرئاسة الامريكية وعندها توضع الامور على نصابها الصحيح.