الملف السياسي : مع دخولهم القرن الحادي والعشرين يتوجب على العرب الذين اثقلت كواهلهم الكوارث والمصائب التي حلت بهم في القرن العشرين ان يتساءلوا بجدية عند موقعهم ومكانتهم في العالم ، وهل استطاعت الامة العربية ان تحقق لنفسها الحضور المناسب في الساحة الدولية. خاصة وان القرن الجديد يعمل معه جملة متغيرات تجعل من القوة السياسية والاقتصادية امرا لا يمكن تجاهله بالنسبة لاي شعب يريد ان يجد لنفسه المكان المناسب في الساحة الدولية. ولأن المستقبل هو قبل كل شيء صناعة بشرية بمعنى ان الانسان مطالب بألا يقع اسير الظروف الموضوعية وان يرفض ان يكون مجرد مرآة عاكسة لهذه الظروف لابد لنا ان نتساءل ماذا حقق العرب في القرن العشرين؟ وماذا ينتظرهم في القرن الجديد؟ خاصة اذا بقيت احوالهم كما هي عليه الآن. فكما هو معروف كان القرن العشرون بالنسبة للعرب مليئا بالتجارب القاسية والمؤلمة ابرزها كان اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين وما نتج عن ذلك من مضاعفات خطيرة طالت الاقطار العربية بشكل عام خاصة وان هدف الغزو الصهيوني انما جاء لتحقيق المصالح الاستعمارية ليس في فلسطين فحسب وانما في المنطقة بشكل عام. وفي هذا المجال يقول الصهيوني المعروف ماكس نورداو مخاطبا الامبرياليين البريطانيين بمناسبة وعد بلفور: (اننا نعرف ماذا تريدون منا, تريدون ان نحمي مواصلاتكم, واننا مستعدون لذلك لكن يجب اعطاؤنا القوة اللازمة). والحقيقة ان هذه العبارات التي تفوه بها ماكس نورداءو هذا قبل اقامة الكيان الصهيوني تدل بوضوح على نوعية العلاقة المصلحية بين الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية كما انها تصلح ايضا لتفسير العلاقة القائمة حاليا بين الصهاينة والولايات المتحدة التي احتلت مكان بريطانيا كقوة استعمارية كبرى حيث يجاهر الصهاينة دائما بأنهم يمثلون الضمانة والحماية للمصالح الامريكية في المنطقة تماما مثلما مثلوا وحموا المصالح البريطانية في السابق انطلاقا من فكرة تبادل المصالح بين الطرفين الاستعماريين وبغض النظر عن الاصول التاريخية للصراع العربي الصهيوني الذي اثر بشكل سلبي وكبير على الاوضاع العربية عامة فإن النتيجة التي ينبغي التعامل معها بواقعية هي نجاح الصهاينة في اقامة كيانهم وفرضه بواسطة القوة في قلب الوطن العربي وان استمرار هذا الكيان قائم الى يومنا هذا يمثل صورة الفشل العربي امام اهم واقوى التحديات التي واجهتها الامة العربية في القرن الماضي. كما انه يمثل ضربة للكثير من المصطلحات القومية باعتبار ان خطة قومية واحدة ومدروسة جيدا لم توضع لمواجهة العدو الصهيوني الذي يستهدف العرب جميعا بدون استثناء. كما ان فشل العرب المريع في وضع حل للمشكلة الفلسطينية ترك في الواقع اثارا كارثية على الدول العربية عامة ودول الطوق بشكل خاص حيث اضطرت هذه الدول الى خوض اكثر من حرب دفاعية ضد العدوان الصهيوني مما ساهم بشكل كبير في استنزاف الطاقات العربية وابقاء حالة التخلف الشديد في الدول العربية حيث لعب العدو الاسرائيلي دورا خطيرا جدا تمثل في ازكاء نيران الفتن بين الدول العربية مما ادخل هذه الدول في نزاعات مسلحة عديدة لا داعي لذكرها هنا كما لعب هذا العدو دورا لا يقل خطورة تمثل في اشعال الحروب الاهلية في اكثر من بلد عربي كالحرب الاهلية اللبنانية او الحرب الاهلية في السودان وغيرها من الحروب الاهلية التي لم يسلم منها مع الاسف سوى عدد قليل من البلدان العربية. وعلى الرغم من اعترافنا بوجود عناصر متعددة وابعاد متشابكة للمشكلات العربية العربية بعضها يعود الى الفترة الاستعمارية وبعضها ناتج عن البيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لكل قطر عربي على حدة الا ان احدا لا يستطيع بالتأكيد ان ينكر قوة العامل الخارجي في تسعير الخلافات العربية العربية وتحديدا العامل الاسرائيلي الذي يعد المستفيد الاول من حالة الضعف العربي والتفكك الذي يعيشه العرب. واذا تتبعنا تطور الاوضاع العربية خلال القرن الماضي ندرك مدى الخسائر التي تعرض لها العرب والضربات العنيفة التي كان اقساها كما ذكرنا اقامة الكيان الصهيوني عام 1948 وما تلا ذلك من سلسلة هزائم عسكرية مني بها العرب خلال مجابهتهم للعدو الصهيوني زد على ذلك الهزات التي احدثتها الصدامات العربية العربية المسلحة ولا سيما الهزة العنيفة التي تعرض لها العرب بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 والتي كشفت بشكل فاضح حقيقة العجز العربي عن حل مشكلة عربية واحتواء الازمة وبالتالي الحاق كبير الاذى بمبدأ التضامن العربي والامن القومي العربي. واذا كان هناك ما يمكن قوله في هذه العجالة فهو ان العرب يدخلون القرن الحادي والعشرين حاملين على اكتافهم المزيد من المشكلات العربية التي تتزايد باستمرار ويرى الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين ان القرن الحادي والعشرين قد يكون اكثر قساوة بالنسبة للعرب الذين فشلوا حتى الآن في تكوين تكتل فعلي ولو حتى على الصعيد الاقتصادي ويرى هؤلاء ايضا ان الثروات المائية قد تكون في المستقبل القريب السبب ويزداد هذا الاعتقاد واقعية اذا علمنا ان معظم مياه الوطن العربي تنبع من خارجه كما هو الحال بالنسبة لنهري دجلة والفرات او نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة بالنسبة الى مصر. اما السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا فهو هل يستعد العرب لتحديات القرن الجديد سواء اقتصاديا او عسكريا ام انهم سيكررون تجارب القرن الماضي المؤلمة ويمضون في طريقهم في القرن الجديد مفككين تأكل النزاعات الجانبية طاقاتهم وتستنزفها وتتركهم عرضة لاطماع الاخرين الذين تغريهم حالة الضعف العربي وتدفع بهم الى الاعتداء على الحقوق العربية. واذا كانت التجارب هي التي تعلم البشر وتوجههم افلا يكفي قرن كامل من الهزائم والنكبات لكي يجعل العرب يعتبرون من اخطائهم ويبحثون عن الطريق الصحيح الذي يقودهم الى الوسائل الممكنة للحفاظ على ما تبقى من المصالح والكرامة العربية.