ما زالت الحياة القبلية في جنوب السودان هي المسيطرة على كل أشكال النشاط الإنساني وما زال الانتماء القبلي هو الأساس, ويسبق كل ما عداه من انتماءات وطنية أو دينية أو جهوية .. وتعيش في جنوب السودان العشرات من القبائل الأفريقية وأبرزهم الدينكا والنوير والشلك والقبائل الاستوائية وتتوزع هذه القبائل في الأقاليم الجنوبية الثلاثة إذ يسيطر الدينكا على معظم إقليم بحر الغزال بينما النوير يتوزعون في إقليم أعالي النيل أما الاستوائيون فهم مجموعة القبائل التي تقطن إقليم الاستوائية. ومع بشاعة الحرب الأهلية الدائرة في السودان, نجد ان الصراع الجنوبي ــ الجنوبي الذي بدأ منذ زمن بعيد ولكنه تطور في الفترة الأخيرة, جعل مسألة تسوية الأزمة في جنوب السودان اكثر صعوبة. ومع أن القبائل الاستوائية كان لها الدور الأكبر في قيادة التمرد الأول في العام 1955 ضد الحكومة المركزية في الخرطوم ووصلت القيادة إلى الجنرال جوزيف لاقو إلا أن تحالفهم مع الدينكا كان واضحا حيث كان ابيل الير نائب الرئيس السابق جعفر نميري يتولى قيادة الجناح السياسي. أما التمرد الأخير الذي اندلع في العام 1983 فان قيادتها انحصرت في قبيلة الدينكا سياسيا وعسكريا ممثلة في د.جون قرنق الزعيم الحالي (للجيش الشعبي لتحرير السودان). في العام 1991 تعرضت حركة قرنق لانشقاق ضخم قاده أبناء قبيلة النوير وبعض الشلك وكانت حجتهم أن الديمقراطية معدومة في الحركة الشعبية وان أبناء الدينكا يسيطرون على مركز صنع القرار وانهم يشكّون في كل أبناء القبائل الأخرى وإذا بدر أي تصرف من أبناء تلك القبائل ولم يرض القيادة تعرضوا للتصفية الجسدية وفي افضل الحالات للسجن العسكري, و كما هو معروف كان الانشقاق بقيادة د.رياك مشار, جوردون كونق, وليم نون, وجون لوك وجميع هؤلاء من النوير واشترك معهم د.لام أكول وبيتر ادوك من قبيلة الشلك. وأعقب هذا الانشقاق تصفيات جسدية بين قبيلتي النوير والدينكا لم يشهد جنوب السودان لها مثيلا, إذ قام الجناح الرئيسي في الحركة بتصفية كل أبناء النوير من ضباط وجنود وكانوا في الجبهات التي ما زال يسيطر عليها قرنق في إقليمي الاستوائية وبحر الغزال وجاءت ردة الفعل من المنشقين اعنف واشد وأبادوا كل أبناء الدينكا في إقليم أعالي النيل حتى المواطنين العزّل الذين لم يحملوا السلاح. التقت (البيان) في العاصمة الأوغندية بجون لوك مسئول الإعلام والناطق الرسمي السابق للحركة الشعبية, وأجرت معه حوارا مطولا عن شكل الحرب القبلية بين النوير وقوات حركة قرنق ومستقبل استقرار الجنوب في ظل الصراع الدائر. وجون لوك كان أحد القيادات التي ساهمت في تمرد الناصر ولكنه عاد للحركة الشعبية احتجاجا على توقيع رياك مشار لاتفاقية الخرطوم للسلام ومع ذلك فصله قرنق قبل اشهر قليلة من الهيئة القيادية لحركة التمرد بحجة انه حاول تنظيم فصيل عسكري جديد في مناطق النوير ضد الحركة الشعبية. وهذا نص الحوار: * كنت من المنشقين الذين ساهموا في أحداث الناصر وعدت للحركة الأم بعد سنوات ثم طردك د.قرنق مؤخرا من كل مناصبك. ما هي حقيقة موقفك المتذبذب؟ ـ عندما خرجنا من الحركة الشعبية في العام 1991 بعد أحداث الناصر كنا نحتج على غياب الديمقراطية في الحركة الشعبية والتصفيات والتعذيب والسجون التي تعرض لها عدد كبير من ضباط وجنود الحركة بسبب اختلاف آرائهم عن رأي د.قرنق, في نفس الوقت الذي رفع فيه قائد الانشقاق د.رياك مشار الشعارات الديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان. ولكن للأسف قاد الانشقاق إلى تصفيات دموية بين الدينكا والنوير حيث بادر قرنق بتصفية كل أبناء النوير الموجودين في معسكراته وكانوا بعيدين عنا عندما أعلن عن الانفصال, لذلك كان الرد بذات المستوى من جماعة الناصر وهجموا على مناطق الدينكا وقتلوا أعدادا كبيرة. واستمرت الحرب الأهلية بين الطرفين حتى العام 1995. وقد كانت حكومة الخرطوم هي المستفيد الوحيد من الصراع الجنوبي الجنوبي لذلك اجتمعنا مع بعض ضباط الحركة واتخذنا قرارا بوقف القتال الداخلي والانتباه للقضية الأساسية المتعلقة بالجنوب, واعتقد أن هذا القرار هو الذي دفع برياك مشار للإسراع وتوقيع اتفاق الخرطوم للسلام مع حكومة البشير لأنه كان يرى استحالة التعاون والاتفاق مع قرنق من جديد. * وماهي حيثيات عودتك لحركة قرنق مجددا؟ ــ رجعت للحركة الشعبية الأم في العام 1996 بعد أن التقيت بقرنق وأكد لي أن الحركة الشعبية الآن تدار بواسطة أجهزة ديمقراطية ووقعنا على اتفاق تلتزم فيه الحركة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وعقدنا مؤتمرا صحفيا في نيروبي وأعلنت فيه عودتي للحركة وسارت الأمور طبيعية ولكن في نهاية العام الماضي أرسلني قرنق إلى إقليم أعالي النيل في محاولة لتجميع ميليشيات النوير تحت لواء الحركة الشعبية وعقدت العديد من الاجتماعات مع هذه الميليشيات وعندما عدت إلى نيروبي لأشرح الموقف لقرنق رفض أن يقابلني والتقيت نائبه سلفا كير, وبعد فترة أعلن عن فصلي من كل مناصبي في الحركة بحجة أنني قدمت استقالتي وهذا بالتأكيد ليس صحيحا. وإذا كان قرنق يرى أنني قد أخطأت في شئ ما, كان له الحق أن يكون لجنة تحقيق لمحاسبتي ولكن لأنه ملئ بالشك تجاه كل أبناء النوير فضّل فصلي عن الحركة, مع العلم أن العمل في الحركة الشعبية طوعي وليس هناك صلاحية لأي شخص لفصل شخص آخر. * هل حاولت فعلا جمع ميليشيات النوير تحت قيادتك؟ ـ لم افعل ذلك, ولكنني وجدت قيادات النوير في الميدان ترفض العودة لصفوف قرنق مرة أخرى ليس لاختلاف في المواقف السياسية ولكنها تخشى من الانتقام أو أن تتكرر معها التصفيات الجسدية والاعدامات التي حدثت في أعقاب إعلان الناصر إذا حدثت أي خلافات مرة ثانية بين قوات من النوير والدينكا ولكن قيادات النوير اقتنعت بوقف الحرب كليا ضد الحركة الشعبية, قرنق سمع بعض الوشايات من بعض المقربين له من أهل قبيلته بأنني ضد أي تقارب بين ميليشيات النوير والحركة. * يلاحظ المراقبون أن الحركة الشعبية تضم كل أبناء قبائل جنوب السودان من النوير والشلك والقبائل الاستوائية بل إن الحركة تضم بعض السياسيين المهمين من شمال السودان, كيف تتهم الحركة بالعنصرية وإنها تدار من الدينكا فقط؟ ـ صحيح إن بالحركة الشعبية قبائل أخرى غير الدينكا, أهل قرنق, ولكن أود أن أؤكد أن القرار داخل الحركة في يد قرنق فقط وليس هناك من ينازعه في ذلك وإذا احتاج قرنق للتشاور لاتخاذ قرار مهم فله دائرة صغيرة جدا من أهله الذين يثق بهم, أما الآخرون سواء كانوا من القبائل الجنوبية الأخرى أو الشمال فليس أمامهم إلا تنفيذ القرارات, وإلا طردهم قرنق من الحركة أو صفاهم بصورة أو بأخرى. أنا موجود في قيادة الحركة الشعبية لأكثر من 17 عاما (وكنت مسئولا) عن الإعلام والناطق الرسمي باسم الحركة, أؤكد لك أن قرنق لم يشاورني مرة واحدة وإنما يصدر التعليمات فقط وحجته في ذلك أن الحركة تنظيم عسكري وليس حزبا سياسيا. * ما هي حقيقة الاتفاق بين قرنق ومشار؟ ـ عندما اجتمعنا مع قرنق في العام 1995 لوقف الحرب بين النوير والحركة الشعبية عرض قرنق على مشار أن يعود إلى صفوف الحركة مع الاحتفاظ بكل مناصبه السابقة, ورد مشار بأن عودته لصفوف الحركة الشعبية مشروطة بتبادل القيادة بينه وقرنق, ورفض قرنق. ولكن اتفقنا على وقف القتال بيننا. بعد إعلان مشار بأن الحكومة المركزية لم تلتزم باتفاقية الخرطوم للسلام وقدم استقالته منها, عقد عدة اجتماعات مع قرنق ولم يتم التوصل إلى شئ, خاصة وان قرنق كان يعلم أن مشار ترك معظم قواته في يد الحكومة السودانية في الخرطوم وجوبا وملكال بالإضافة إلى الانشقاقات العديدة التي تعرضت لها قوات مشار وانضمام بعضها إلى صفوف الحركة. ما حدث مؤخرا من اشتراك قوات تابعة لقرنق ومشار في بعض العمليات العسكرية كان تنسيقا ميدانيا فقط بين جيمس اوث قائد تابع لقوات قرنق من النوير وتوت ياي ممثل مشار في المنطقة, وما ينفي التنسيق العام بين الجانبين, انه في ذات الوقت الذي دخلت فيه القوات المشتركة إلى المناطق (المحررة) مثل مابان, كان الجانبان يتقاتلان في منطقة بانتيو. ومن المعلوم أن كل القوات في أعالي النيل المنضوية تحت لواء قرنق أو الحكومة أو المستقلة, من أبناء قبيلة النوير, وقرنق يعلم انه لن يصل إلى مناطق البترول في أعالي النيل إلا إذا استطاع أن يتفق مع النوير وإلا ستتجدد الحرب الداخلية من جديد وبصورة اعنف من السابق والخاسر الأول هو قضية جنوب السودان. * كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقة بينكم والحركة الشعبية؟ ـ الوضع وسط النوير في إقليم أعالي النيل معقد للغاية .. فهناك أقلية تقف إلى جانب قرنق وأقلية أخرى تقف إلى جانب الحكومة لكن معظم النوير الآن يقفون بين الاثنين الحكومة وقرنق. نحن النوير نبحث عن الأمن فحتى الذين يقفون مع الحكومة فذلك نابع من عدم ثقتهم في قرنق, ويبحثون عن الأمن مع الحكومة التي تمدهم بالسلاح وكذلك الآخرون الذين يقفون مع قرنق. أما الذين يقفون في المنتصف واعتقد انهم الأغلبية لا يملكون السلاح الكافي للدفاع عن أنفسهم ويقودهم لوال دينق, واعتقد إذا استعداهم أي طرف فليس أمامهم إلا اللجوء للطرف الآخر لمدهم بالسلاح والدفاع عن أنفسهم. نحن في النوير لا نختلف مع أهداف الحركة الشعبية ولكن اختلافنا مع قرنق ورئاسته للحركة وعدم الثقة الذي تولد بيننا. وإذا استطعنا أن نحسم خلافاتنا معه اعتقد أن العلاقة بين النوير والدينكا ستكون في خدمة قضية جنوب السودان. * إذا قام الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان في ظل الظروف الحالية ما هي النتيجة المتوقعة؟ وكيف ترى الاستقرار والسلام في جنوب السودان؟ ــ من المؤكد أن النوير عندما خاضوا حرب التحرير ضد هيمنة الشمال على جنوب السودان, لم يكن في مخيلتهم انهم سيخرجون من هيمنة الشمال لهيمنة الدينكا والتي نعتقد أنها اكثر تسلطا. نحن نؤمن بحق تقرير المصير لجنوب السودان ولكن في الظروف الحالية والتي ترشح الحركة الشعبية لفرض سيطرتها على كل الجنوب سنقف ضد تقرير المصير في الوقت الحالي, وإذا قام الاستفتاء ونجح الجنوب في الانفصال عن الشمال سنكون أول من يحارب ونطالب بحق تقرير المصير من الدولة الجنوبية الجديدة. واعتقد أن هناك العديد من القبائل الجنوبية التي ستحذو حذونا وتطالب السلطة الجديدة بالحق في تقرير مصيرها. وإذا رفض قرنق حقنا في تقرير مصيرنا سنضطر للقتال وسنجد من يدعم قضيتنا. لذلك افضل أن يتفق الجنوبيون فيما بينهم أولا ثم نذهب للاستفتاء.