اندلعت موجة عارمة من المخاوف داخل أروقة الحزب الوطني الحاكم في مصر أمس بعد أن سجلت ختام أول جلسات عمل للبرلمان المصري, وقوع أول صدام حقيقي تحت قبة البرلمان بين نواب الحزب الحاكم ، وقياداته متمثلة في الشخصية القيادية الأولى للحزب داخل البرلمان الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة وأمين عام الحزب الحاكم. وهو أول صدام معلن بين الدكتور والي والنواب أكثر من 15 عاما تولى والي فيها موقع أمين عام الحزب. وفسر مراقبون الأزمة الأولى من نوعها بأنها نتاج حقيقي وانعكاس واضح لاثار ونتائج المعركة الانتخابية البرلمانية الأخيرة والتي على فيها (كعب) نواب الحزب الذين فازوا كمستقلين بعد أن لفظهم الحزب في ترشيحاتهم ولكنهم أجبروا على العودة الى صفوف هيئته البرلمانية لضمان احتفاظه بالأغلبية واحتكاره لسيطرة تشكيل الحكومة المصرية دون تنازع مع أحزاب المعارضة التي تترقب الانتقال الى موقع السلطة والحكم في اطار سعيها المتواصل في السنوات الأخيرة لاقرار مبدأ تداول السلطة. وسجلت مضبطة جلسة البرلمان المصري الأخيرة واقعة اختلاف حقيقية قادها (كوماندوز) المعارضة اليسارية بصفة خاصة بقيادة اليساري المخضرم أبو العز الحريري وناصرهم نواب الاخوان المسلمين بطريقة المصادفة وليس التحالف المرفوض من الطرفين.. عندما ناصروا نائبي الحزب الوطني الحاكم محمد محمود سلام وسعيد الكردي في مواجهتهم الأولى من نوعها مع الدكتور والي وهما من العناصر التي فازت مستقلة.. وانضمت الى صفوف الحزب الحاكم. وكان محمد محمود سلام قد استفز الحزب الحاكم وقيادة البرلمان أيضا عند حديثه عن أزمة السكر. حيث تعمد الحديث من مقاعد المعارضة في قاعة انعقاد جلسات البرلمان, وهو ما دعا الدكتور فتحي سرور رئيس البرلمان الى لفت نظره ومطالبته بضرورة الالتزام بالجلوس في مقاعد نواب الحزب الوطني تحت مظلة عدم خلط الأوراق. وحتى تكون هناك حدود فاصلة. وتجاوز سلام ذلك بوعده بمراعاة هذا مستقبلا باعتبار أنه نائب مستقل. وما كاد أن ينتهي هذا الموقف حتى رد سلام بقوة على مهاجميه لجلوسه في مقاعد المعارضة. وطالب في كلمته بأن تدار وزارة الزراعة مثل القوات المسلحة بالضبط. وخرج الدكتور يوسف والي عن صمته وسارع الى وصف عبارات النائب (بالهراء).. واندلعت همهمة من نواب المعارضة داخل صفوفها قبل ان يعلو صوتهم بالصياح وعبارات الاحتجاج الحادة على كلمة (هراء) وقاد الحريري أول تظاهرة صاخبة تحت القبة مطالبا باحترام الحكومة لنواب الشعب وحذف هذه الكلمة التي اعتبرها من سبيل الاهانة والاستهزاء بالنواب. وناصرهم نواب الاخوان المسلمين وعدد من المستقلين وأيضا نائب الحزب الوطني سعيد الكردي الذي اعترض على كلمات والي. والتزم الدكتور والي الصمت على أمل تجاوز الأزمة خاصة وأن مهاجميه قد وقفوا بالقاعة احتجاجا عليه. وأملا في عدم شطب كلمات والي قال كمال الشاذلي وزير الدولة لشئون مجلسي الشعب والشورى وأمين مساعد الحزب من منطلق التضامن مع الدكتور والي, باعتبار أنهما معا تحملا كافة الآثار السلبية لمعركة انتخابات البرلمان لمرشحي الحزب الذين سقط غالبيتهم فيها. وطالب بعدم شطب حديث والي حتى لا تشطب كلمات المعارضين. وامتص غضب النواب بقوله ان وزارة الزراعة تدار فعلا مثل القوات المسلحة فكل الزراعيين مجندون لخدمة الزراعة. واضطر الدكتور فتحي سرور الى اجراء تصويت على شطب العبارات وجاء التصويت في صالح الدكتور والي الذي واصل كلمته. واستمر بالقاعة دون مغادرتها. وعقب سرور على نتيجة التصويت بقوله: نحن هنا في ديمقراطية والدكتور والي حبيب النواب. إلا أن الحريري ارتفعت نبرات صوته, حتى بادره سرور بمخاطبته قائلا: أنت يجب ألا تتخذ من نفسك محاميا في البرلمان عن نواب آخرين. وهنا هدأت القاعة. وفي محاولة للتقليل من حدة الآثار النفسية على يوسف والي سارع نائبان من القدامى الذين رشحهم الحزب الى الدفاع عنه. وقال النائب محمود شكل: لقد تأثرت كثيرا بخروج يوسف والي عن صمته. ونحن نعرف عنه دماثة خلقه ولا ينفعل كثيرا. بينما قال عبدالفتاح دياب يجب ألا نبخس الناس أشياءهم. وكم أتمنى أن يكون كل وزراء مصر مثل الدكتور يوسف والي. وضجت القاعة بالتصفيق في الوقت الذي بدت فيه على الدكتور والي علامات الضيق والضجر. وفسر بعض المراقبين الموقف المستجد على الساحة البرلمانية بأنه كان مجرد تدشين لمواقف أكثر سخونة, في ماراثون طويل يتوقع من المواجهات بين نواب الحزب الحاكم وقياداته, وسط حالة من التربص من نواب المعارضة, الذين يناصرون قتل هيبة قيادات الحزب التي احتفظت بها على مدى سنوات طويلة ومنذ اقرار نظام تعددية الأحزاب في الوقت الذي لا يستبعد فيه أن يكون التحالف غير المعلن بين المعارضة والاخوان هو محاولة من الاخوان في شن هجوم غير مباشر على الدكتور والي الذي اتهم أكثر من مرة بحرصه على تطبيع العلاقات مع اسرائيل رغم نفي والي المتكرر لهذه التهم. وكان الدكتور يوسف والي, الذي لوحظ ولأول مرة في تاريخ البرلمان أنه يطلب الكلمة أكثر من مرة على غير المألوف, قد استعد ليأخذ وضع الهجوم خير وسيلة للدفاع عن الحكومة والحزب ومحاولة اظهار هيبة قيادات الحزب للخروج من كبوة الانتخابات البرلمانية التي مني فيها الحزب بهزيمة غير متوقعة. وأكد والي خلال كلماته استعداده لمقابلة نواب البرلمان جميعا أغلبية ومعارضة جميع أيام الأسبوع واستعداد الوزراء في حكومة الدكتور عاطف عبيد لمقابلة النواب أيضا لحل مشاكل دوائرهم الانتخابية. وقال والي انه تلقى 2400 طلب في جلسة واحدة من نواب البرلمان أغلبية ومعارضة وأنه ظل حتى صباح اليوم التالي لتوقيعها وتسليمها للنواب في أقل من 24 ساعة. وفي اطار توابع الانتكاسة التي شهدها البرلمان بين الحزب الوطني ونوابه سارع الدكتور عاطف عبيد رئيس الحكومة للحضور الى مقر البرلمان وحضور آخر ساعة من زمن الجلسة وحرص على الحديث أمام البرلمان عن أزمة السكر والأرز. خاصة بعد أن تلقى من موظفيه الحاضرين للجلسة محاولات نواب المعارضة تشكيل لجنة تقصي حقائق لبحث أزمة السكر وافتعال الأزمة من جانب بعض كبار المستوردين والذين تاجروا بالشعب قبل شهر رمضان وأجبروا الحكومة على تخفيض الجمارك على السكر المستورد بقيمة أكثر من 20% وجعلها 5% بدلا من 26 %, خاصة وأن الدكتور حسن خضر وزير التموين أكد القاء القبض على ستة من الكبار وأحيلوا الى النيابة العامة للتحقيق وأن الأخيرة أمرت بطرح السكر المضبوط في المجمعات الاستهلاكية بسعر 130 قرشا للكيلو. وأكد الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان التزام الحكومة بتسليم وزارة التموين كامل حصة البطاقات التموينية من السكر والتي تبلغ 550 ألف طن وأنها لن تسمح بالاخلال بذلك على الاطلاق حتى لو تأخر الدعم لشركات السكر. وأعلن أن الحكومة قد التزمت خلال الثلاث سنوات الأخيرة بسعر السكر 130 قرشا للكيلو للمستهلك على الرغم من ارتفاع سعر الطن الى 1500 جنيه للطن في العالم وهو ما يعني أن سعر الكيلو 150 قرشا, الأمر الذي حمل شركات السكر خسائر بلغت 280 مليون جنيه خلال تلك الفترة وذلك كله من أجل عدم تحميل المواطن أية أعباء جديدة. وأشار عبيد الى أن انتاج مصر من السكر يبلغ مليونا و400 ألف طن سنويا وأن الاستهلاك يبلغ مليونا و900 ألف طن سنويا موضحا أن الحكومة تستورد الفارق وتبقي على الأسعار دون أي زيادة.