انتهى عام 2000 وفي جعبته 20 قتيلة أردنية بسبب ما يعرف بجرائم الشرف في الأردن وكانت آخر الضحايا سقطت قبل حوالي الشهرين وتم اكتشافها مؤخرا حيث اقدم شقيقان على ضرب شقيقتهما البالغة ، من العمر 19 عاما حتى الموت, لانها تحدثت مع رجل خلال حفل زفاف, ثم قاما بدفن جثتها سرا. إلا أن شقيقتها الأخرى قامت بالابلاغ عنهما للاجهزة الأمنية التي قامت باستخراج الجثة وتشريحها. ويأتي عدد العشرين قتيلة هذا في ظل رفض مجلس النواب الأردني في نهاية عام 1999 مشروع قانون قدمته الحكومة بدعم من شخصيات رفيعة من القصر ويطالب بإلغاء المادة 340 من قانون العقوبات التي تتيح لمرتكبي جرائم القتل بدعوى الحفاظ على الشرف الحصول على أحكام مخففة بالسجن, وبالتالي تجنب العقوبة المنصوص عليها في القانون لجرائم القتل والتي تصل إلى الإعدام. حيث تحوي المادة على فقرتين الأولى تنص على عذر مخلّ يعفي من العقاب أيَّ رجل قتل زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس, والفقرة الثانية تنص على عذر مخفف كسبب لتخفيف العقوبة إذا كان الدافع للقتل هو الدفاع عن الشرف. إلا أن بعض المتحمسات للقانون والذين يرون انهن لن يخضعن لسطوة القوة الذكورية حسب وصفهن يرفضن المهادنة والرضوخ حيث قمن بحملة أطلقوا عليها اسم الحملة الوطنية لمناهضة جرائم الشرف تتطلع إلى اتباع اليات جديدة بالتعاون مع الحكومة خلال العام 2001 للتمكن من إلغاء هذا البند والحد من جرائم الشرف. والعام الماضي لم يكن اقل من الأعوام السابقة في حصده لأرواح الفتيات, فالإحصاءات الرسمية الأردنية تتحدث عن قتل نحو 20 فتاة أو سيدة في جرائم مرتبطة بالشرف سنويا اغلبهن يكتشف لاحقن انهن عذراوات وان سبب قتلهن كان لرؤيتهن يتحدثن مع رجل آخر في مكان عام, ويعتبر من أعلى المعدلات في العالم مقارنة بعدد سكان الاردن. واستطاعت الصحف الأردنية أن تسجل العديد من حالات وقعن ضحايا هذه الجرائم حتى بعد أن ثبت براءتهن من ما اتهمن به, حيث يقع المجرم هنا عرضة للافتراء المؤثر, حتى لو ثبتت البراءة . وكان توجه العام الماضي خمسة الاف شخص في مقدمتهم امراء من العائلة المالكة إلى مقر البرلمان الأردني للمطالبة, مطالبين بإلغاء المادة 340 من قانون العقوبات التي تتيح لمرتكبي جرائم القتل بحجة الدفاع عن الشرف الحصول على أحكام مخففة, إلا أن المجلس سجل رفضه لالغاء هذه المادة مرتين. الملكة رانيا العبد الله من جهتها أكدت أنه ليس لمثل هذه الجرائم مرتكزات دينية, وهي محل رفض من القصر ولكن قيادات الحركة الإسلامية في الأردن ما زالوا متخوفين من أن تكون الحملة ضد جرائم الشرف لها دوافع تخرج عن اطارها, واقترحت جبهة العمل الإسلامي في هذا الصدد تنظيم استفتاء شعبي حول القضية, إلا أن قادة الحزب يؤكدون بان هذا الاستفتاء لن يكون ضد المادة 340 بل معها. وموقف تلك القيادات من الحملة يكمن في عدم ثقتهم بدوافعها. ومن هنا يأتي قول رئيس لجنة العلماء بحزب الجبهة ابراهيم زيد الكيلاني الذي أكد في وقت سابق أن إلغاء المادة يستهدف تغيير هوية المجتمع الاردني واشاعة الانحلال خاصة ان الحفاظ على الشرف غير موجود في الثقافة الغربية. بل اكثر من ذلك كانت اللجنة نفسها التي يقودها الكيلاني أصدرت فتوى تعتبر أن حذف المادة 340 من قانون العقوبات مخالف للشريعة الاسلامية ويهدر قيم المجتمع خاصة ان تلك المادة لم تطبق الا في حالات نادرة طوال تاريخ الاردن الحديث. وتعتبر الفتوى ان تلك المادة لا تنافي الدستور الذي يسوي بين جميع المواطنين امام القانون ولكنها تتحدث عن الجريمة من خلال الواقع والظروف التي يعيش فيها الرجل عند وقوعها. وخلال الندوة التي نظمتها جريدة (السبيل الإسلامية) وكان فرسانها الشيخ (أبو زنط), ونقيب المحامين (صالح العرموطي), ورئيس الدائرة القانونية في جبهة العمل الإسلامي الأستاذ (زهير أبو الراغب), تم التشكيك بشكل لا لبس فيه في نزاهة الحملة ضد المادة 340 وضد القائمين عليها, بل اعتبروها ممولة من الخارج. ولكن هذا لا يعني أن الكثير من الاسلاميين شكلوا رافعة مهمة للحملة ضد المادة 340 على أساس أن معظم جرائم الشرف تخالف الحكم الشرعي بشأن الزنا, وأن الضحايا يتم أخذهن بالظن والشبهة وبعقوبة تتجاوز العقوبة الإسلامية الشرعية. ولا تقوم الحملة على دواعي تتعلق بان تلك النسوة أخطأن في تلك العلاقات حتى وان كانت مؤكدة أم لا وإنما على أن مثل تلك الأعمال لا تستحق القرار باعدامهن من قبل اولياء امورهن بصورة تعسفية ووحشية, وإذا كان لا بد فهناك قضاء هو الفصل. إحدى ابرز جرائم الشرف التي حدثت العام الفائت كانت لإمرأتين متزوجتين لقيتا مصرعهما, أما الضحية الأولى فكانت لسيدة تبلغ من العمر الاربعين عاما كانت قد أنهت عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات لقيامها بارتكاب علاقة محرمة مع ابن زوجها, ولكن والدها لم يرض عن عقوبة المحكمة التي قررتها لها فعندما وصلت الى منزل والدها افرغ عليها ست رصاصات أردتها قتيلة على الفور. وكالعادة ذهب والدها إلى الشرطة ليبلغ عن فعلته وانه (غسل شرف) العائلة. كما قتلت شابة متزوجة تبلغ من العمر 21 عاما, لاشتباه تورطها في علاقات جنسية غير مشروعة, على يد شقيقها الذي اطلق خمس رصاصات على رأسها. وتنفي القائمات على الحملة أن تكون جرائم الشرف ذات خصوصية أردنية أو عربية أو إسلامية ويصفونها بأنها ظاهرة عالمية لمعالجة الانحلال الخلقي, حيث يقع الشباب فرائس سهلة في يد الثقافة الوافدة التي تنزع إلى الحرية المطلقة بدون قواعد, في الوقت الذي يكون فيه هؤلاء غير قادرين على الزواج بسبب ظروف اقتصادية عديدة, وتشترك وسائل الإعلام في دعم الوان هذه الثقافة سواء كانت محلية أو عربية أو عالمية, وفي المقابل فان لدى هؤلاء الشباب واولياء امورهم قيما تقليدية مهددة في غالب الأحيان هذا النمط من الثقافة وتلك يعيش الفرد في شكل من الازدواجية التي تحتاج إلى وقفة جادة. ومن المفارقات الغريبة في هذا الأمر أن النصوص المتعلقة بهذا الأمر اخذها العرب عن الغرب أنفسهم الذين يدعون شبابنا إلى الانحلال حيث أصلها قانون نابليون بونابرت في فرنسا, التي انتقلت الينا عبر الدولة العثمانية التي وضعت قانون العقوبات في الثلاثينيات, ثم نقلت لمصر عن القانون العثماني, والأردن نقلت عن قانون العقوبات المصري. والظاهرة موجودة في لبنان واليمن ومصر, ودول أخرى عديدة عندها نفس النصوص القانونية. ومن هنا فان المناهضات للمادة 340 يرون أن للأردنيات السبق في التصدي لهذه الظاهرة, وهذا لصالح الأردن وليس ضدها, وليس من داع لان نخجل من ذلك. أما عن وجود اقتراحات وحلول بديلة حتى يتم حل القضية بما يمكن القول عنه حلا بالتراضي من اجل حماية أعراض الناس من جهة وحماية دماء النساء من جهة أخرى فلم يتم حتى الآن طرح أي بدائل فالمناهضون للحملة يرفضون الانصياع إلا لالغاء المادة 340 , ومن جهتهم يرفض الفريق الآخر هذا الطرح, وفي النهاية يسقط المزيد من الفتيات والسيدات بتهمة يتفاعل فيها عامل الشك اكثر من وجود الحقائق واثباتها. وقد وصل الأمر مع بعض مناهضات المادة تلك إلى الدعوة لتطبيع الشريعة الإسلامية في هذا الأمر. وتتهم بعض القائمات على الحملة ضد جرائم الشرف ما يصفونه بالإسلام السياسي, أي الأحزاب الإسلامية بأنها هي التي تقف وراء تعطيل اتخاذ مواقف إيجابية في هذا الموضوع, بحيث يتم التعامل معه كموضوع سياسي. وتقول النشطة في ملف حقوق الإنسان في الأردن المحامية اسمى خضر أن توجهات سياسية وحزبية لها علاقة مباشرة برفض التغيير, حيث يخشى هؤلاء من انهم لن يستطيعوا السيطرة على الشارع لاحقا والحل هو التصدي لهذه الظاهرة والقضاء عليها بأدواتها الداخلية. ولكن يبدو واضحا أن حجم التجاوب الرسمي مع القضية عال جدا وصل إلى تعاطف القصر معه, ولكن يبقى القول أن التوجه الرسمي لا يمكن له الاصطدام مع القوى التي لها تأثير قوي في المجتمع الأردني.