شكلت الانتخابات الرئاسية لعام 2000 حدثا سوسيولوجيا, من حيث انها شهدت مواجهة بين مرشحين ولدا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, وكانا قد احتفلا ببلوغهما سن العشرين خلال عقد الستينيات، وتأتي هذه الانتخابات ايضا بعد رئاسة بيل كلينتون المولود هو الاخر بعد الحرب العالمية الثانية ولعل هذا يشكل دلالة قوية على ان الولايات المتحدة قد احلت الى (التقاعد نهائيا) الجيل الاكثر عظمة اي ذلك الجيل الذي عرف الحرب الكونية الاخرية كما جاء في عنوان كتاب للصحافي (توم براكو) كانت سنوات الستينيات في الولايات المتحدة هي (سنوات آمال وايام غضب) وقد تمثل العنصران الاساسيان فيها بنضال السود من اجل المساواة في الحقوق المدنية والحرب الفيتنامية لقد تمت تسوية مسألة الحقوق المدنية للسود بالعنف والدم حيث تمت تصفية الزعيمين الأسودين مارتن لوثر كينج ومالكوكم اكس. وكان المناضلون والمتظاهرون والناس العاديون ضحايا في الجنوب لعمليات الرد التي قامت بها مجموعة (كو مكوكس كلان) وامتداداتها الحكومية اما بالنسبة لفيتنام فإن الـ (58000) قتيل والجرحى البالغ عددهم (153000) جريح من الامريكيين كانوا يكفون للتذكير بضخامة الخسائر وبمدى الألم الجماعي الذي انتجته تلك الحرب, ان هذين المظهرين لسنوات الستينيات يتداخلان اذا كان المناضلون من اجل الحقوق المدنية للسود هم غالبا معارضون للحرب الفيتنامية بينما كان الشباب من السود في الجنوب بطليعة اولئك الذين يتم ارسالهم الى الحرب. تاريخ الرئيس الجديد كان عام 1966 قد شهد (برنامج الـ 100000) كجزء لا يتجزأ من (المجتمع العظيم) الذي قال به الرئيس جونسون وقد استهدف ذلك البرنامج ارسال شباب الى الجبهة يكونون غالبا من الفقراء والسود, حيث تم لهذه الغاية تخفيض الشروط البدنية والذهنية للمعنيين ان 41% من جنود (المشروع) اي البرنامج (كانوا من السود (مقابل 12% فقط في الجيش ككل) و40% قد ربوا على القتال (مقابل 25% عامة بالمقابل كان عدد القتلى من بين الجنود المعنيين هو ضعف عددهم في الوحدات الاخرى, كان الهدف من هذه المبادرة هو السماح للرئيسين جونسون ثم نيكسون بتأجيل تعبئة الطلبة من اجل تجنب انفجار اضافي للغضب في جامعات كانت قد شهدت اضطرابات وحركات احتجاج وقد اجرت الصحافية ميرا مكنوسون تحقيقا حول الطلبة الذين كان آباؤهم اعضاء في مجلس النواب او الشيوخ بلغ عدد هؤلاء الطلبة 234 طالبا وكانوا في العمر الذي ينبغي ان تتم فيه تعبئتهم وارسالهم الى مسرح العمليات في فيتنام ومن مجمل هؤلاء هناك (20) طالبا فقط ذهبوا الى فيتنام, من بينهم آل جور و 19 ذهبوا الى الجبهة وكان هناك جريح واحد فقط من بينهم. كان المقصود من هذه التحليلات هو اظهار الموقع الذي كان فيه جورج ولكر بوش خلال سنوات الستينيات, حيث ادى خدمته العسكرية في وحدة لسلاح الطيران في تكساس بفضل دعم والده, فهو لم يكن في عداد الذين يدافعون عن الحرب والذهاب الى جبهات القتال في فيتنام كما انه لم يكن ايضا بين اولئك الذي يتظاهرون ضد الحرب لقد كان واحدا ممن فضلوا الانزواء بعيدا عن هؤلاء واولئك. اما بالنسبة لمسألة التمييز العنصري, فإن جورج ولكر بوش ترعرع في مدينة ميرلاند بتكساس حيث كانت تتم ممارسة التمييز العنصري على ارض الواقع اذ كان (الاطفال السود يذهبون الى المدارس الخاصة بهم وليس الى المدرسة, التي كان جورج بوش يتلقى تعليمه فيها, وكان هناك غرف انتظار منفصلة في محطات القطارات بالنسبة للبيض وللسود وبالطبع كانت صنابير المياه في المدينة تحمل لافتات تبين لون روادها. كان احتمال ان ينضم جورج ولكر بوش الى صفوف المناضلين النشطين ضد التمييز العنصري ضئيلا مع وجود اب سياسي محافظ وعائلة مرشحة لان تكون في عداد طبقة النبلاء لو ان (النبالة) كانت موجودة في الولايات المتحدة لقد اكتفى اذن بالاستفادة من الجوانب الاكثر سطحية من (ثورة) جيل الستينيات, ولكن من دون الانضواء تحتها. ان هزات سنوات الستينيات ادت في الولايات المتحدة الامريكية, كما في اغلبية البلدان الغربية, الى تحول اجتماعي عميق لقد صدرت في امريكا قوانين تؤكد مثل هذا التحول كاحترام حق الاقتراع بالنسبة للسود ونزع سمة التمييز العنصري في المدارس بواسطة عمل تطوعي نحو الاختلاط وممارسة سياسة ايجابية حيال الاقليات والسماح بالاجهاض بل ومنع عقوبة الاعدام ولو لفترة قصيرة (1972 ـ 1976). ان جميع هذه المكتسبات الى جانب فكرة ان الولايات المتحدة الامريكية يمكن ان تكون بلادا اكثر انفتاحا واكثر تحررا واقل خضوعا لنزعة اخلاقية تقشفية, عاشت من دون صعوبات كبيرة خلال عقد السبعينيات, بل وتعززت مع استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون اثر فضيحة (ووتر جيت) مما شكل علاقة على فكرة عدم امكانية معاقبة الحرس القديم المحافظ. خلطة السياسة والسينما لكن في يناير 1981 وصل الى سدة الرئاسة رجل كان في قلب صراعات سنوات الستينيات, وفي جانب مناوئي حركات الاحتجاج انه رونالد ريجان ممثل افلام (الكاوبوي) السابق والمراسل السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي في هوليوود حيث كان مكلفا بمعرفة الشيوعيين العاملين في الصناعة السينمائية والذي كان حاكما لكاليفورنيا خلال سنوات 1966 و 1974 وكان قد ابدى خلال وجوده في هذا المنصب تشددا كبيرا واحتقارا حيال المحتجين وقمع بالقوة المظاهرات في جامعة بيركلي, وحاول بكل الوسائل ايداع (انجيلاديفس) المناضلة في صفوف (الفهود السود) السجن. لقد كان ريجان يمثل بامتيار الجيل الامريكي لسنوات الاربعينيات والخمسينات, اي الجيل الواثق بنفسه والظافر والمتشبث بـ (قيمة الكونية) التي تتماشى اكثر مع صورة (جون واين) مما هي مع صورة بيتر فواندا وعندما اصبح رونالد ريجان رئيسا وادخل في حكومته ممثلين عن اليمين الديني فإنه قد اكد في الوقت نفسه ان تطلعات جيل الستينيات قد انتهت. وفي الولايات المتحدة يظهر التحول الاجتماعي في السينما اكثر مما يظهر في اي قطاع اخر, وعندما وصل ريجان الى الرئاسة كان اهم فيلم سينمائي معروض هو (نهاية العالم) للمخرج فرنسيس فورد كوبولاو حيث كان هذا العمل يتماشى مع ثقافة الستينيات وفي اواسط الفترة الرئاسية لريجان وتحديدا في عام 1985 برز من بين جميع الافلام السينمائية فيلم يحمل عنوان (رامبو ـ 2) الذي كان يحمل قيمة دلالية ورمزية كبيرة بالنسبة للرئاسة آنذاك ويحكي هذا الفيلم قصة مقاتل سابق في حرب فيتنام يعود اليها من جديد كي يحرر سجناء الحرب الامريكيين ويقطع دابر الشيوعيين. ومع هذا الفيلم يمكن استشفاف التبدل الذي عرفته الذهنية الامريكية في اواسط الثمانينيات حيث اصبحت الاولوية هي (استعادة عزة امريكا وتوحيدها من جديد) والمدهش ان فيلم ( رامبو ـ2) جاء بعد رامبو (الاول) الذي تم عرضه على شاشات السينما عام 1981 وهو يحكي ايضا قصة مقاتل سابق في حرب فيتنام لا يستطيع ان يجد مكانة في مجتمع امريكي كان يرفضه على قاعدة ادانة ما كان يمثله, اي الحرب التي انتهت الى هزيمة وربحها معارضو الحرب الذين اصبح المقاتلون السباقون في فيتنام هم الاكثر عداء لهم والانتقال من (رامبو ـ 1) الى (رامبو ـ 2) كانت له دلالته الكبيرة بالنسبة للتطور الذي عرفه المجتمع الامريكي خلال سنوات الثمانينيات. نسف مكتسبات الستينيات كان رونالد ريجان يمثل رفض شعارات سنوات الستينيات حتى انه لم يكن يحتاج ابدا كي يدعم افكاره الى قاعدة نظرية ايديولوجية او الى حركة سياسية, لكن هذا الامر بدا اقل وضوحا في عهد خلفه جورج بوش الاب, اذ كان يمثل بدرجة اقل على عكس ريجان الفترة الذهبية لسنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية, حيث بدا بالاحرى يرمز لنزعة محافظة بورجوازية كبيرة (خالدة) قد تتماشى ايضا مع المشهد السياسي الامريكي لسنوات العشرينيات. وكانت النتيجة هي صعود التيار المتطرف داخل الحزب الجمهوري المعارض بشدة لمكتسبات سنوات الستينيات. ومع وصول بيل كلينتون الى السلطة تعزز اليمين الديني والنزعة المحافظة كرد فعل على ما كان يمثله كمناضل من اجل الحقوق المدنية في اركنسو منذ ان كان مراهقا ومعارضته لحرب فيتنام واعترافه بتدخين لبعض لفافات الماريجوانا من دون ابتلاع دخانها والمدافع عن حق الاجهاض. ومن بين المنظرين الذين اهتموا بدراسة التبدل العميق الذي عرفه المجتمع الامريكي في السنوات الاخيرة, هناك ميرنن مانييت مؤلف كتاب (الحلم والكابوس) ارث سنوات الستينيات لدى الشرائح الشعبية الصادر عام 1993 ان الاطروحة المحورية في هذا الكتاب تؤكد ان جميع برامج النضال ضد الفقر رغبة الفقراء بالخروج من الوضع الذي هم فيه بواسطة عملهم وجهدهم الشخصي وهكذا يرى المؤلف ان وجود احياء الفقراء وبروز المشكلات الاجتماعية ترجع مسئوليتهما على سياسة المساعدة التي تعود بذورها الاصلية الى عقد الستينيات, كما يؤكد على شجب ارث الشعار القائل: اذا كان هذا يجلب السعادة فلنجربه الذي تم رفعه ايضا انذاك والذي كان من نتائجه مظاهر الفوضى في العلاقات العاطفية وتعاظم عدد حالات الطلاق وانتشار تعاطي المخدرات الى اخر الشرور التي كانت الشرائح الشعبية هي ضحيتها الاساسية. وكان الزعيم الجمهوري (نويت جينجريتش) قد قاد الثورة الجمهورية الى الفوز في الانتخابات التشريعية لعام 1994 على اساس هذه الافكار, حيث اعلن انه سوف يبذل قصارى جهده من أجل ان يستأصل من الحكومة (ارث سياسة السماح بكل شيء التي سادت خلال الستينيات) وتتردد افكار مشابهة ايضا عند ولفيد هورويتز, الماركسي السابق الذي اصبح (ريجانيا). هذان المؤلفان الى جانب مارفن اولاسكي منظر مفهوم (النزعة الانسانية المحافظة) يشكون المرجعيات المفضلة لدى جورج ولكر بوش, وقد تم بمناسبة صدور طبعة جديدة من كتاب (مانييت) ابراز جملة قالها بصدده جورج ولكر بوش ووجدت مكانها على الغلاف الجديد تقول الجملة (ان هذا الكتاب يبلور. حسب رأيي, آثار فشل ثقافة سنوات الستينيات على قيمنا ومجتمعنا لقد ساهمت تلك الفترة في ايجاد التبعية حيال الحكومة ونسف العائلة وطمس القيم التي استطاعت المقاومة على مر الزمن, والتي هي بمثابة قيم اساسية اذا تمنينا غدا مشرقا واملا كاملا بحياة افضل بالنسبة لكل امريكي. وبشكل عام يمكن القول بأن جوهر الافكار التي خاض جورج ولكر بوش على اساسها الحملة الانتخابية الاخيرة بالنسبة للقضايا الكبرى المطروحة على المجتمع الامريكي انما يجد مرتكزاته في رفضه لثقافة الستينيات وهذا ما يظهر بوضوح فيما يتعلق بمفاهيم العائلة والتربية والصحة.. الخ وضمن النهج نفسه من التفكير تبنى موقفه حيال مسألة تشغل المجتمع الامريكي منذ عدة سنوات وتتعلق بحمل الاسلحة النارية حيث اعلن رفضه لقوله (السلام والحب) ودعم في تكساس بوصفه حاكما, القوانين التي تسمح للافراد بحمل الاسلحة مع عدم اظهارها الى كل الامكنة بما في ذلك الكنيسة وهذا يستجيب لضغوط (اللويجس) الامريكي الذي تمثله الجمعية الامريكية ـ للبنادق) التي تطالب بعدم فرض اي اجراء يحد من تجارة الاسلحة او اقتنائها وحملها هذه الجمعية التي تتمتع منذ سنوات بسلطات كبيرة على صعيد تعيين المرشحين الجمهوريين بسبب امكانياتها المالية الهائلة وقدرتها على تعبئة ملايين الناخبين وحيث انها كانت قد دعمت بقوة جورج ولكر بوش الذي قال عنه نائب رئيس الجمعية (علاقاتنا جيدة جدا مع بوش واذا فاز بالانتخابات فسيكون لدينا رئيس نستطيع ان نعمل معه يدا بيد). ان جورج ولكر بوش وضع في برنامجه الانتخابي مايكفي من (القنابل) القادرة على وضع مكتسبات مرحلة في مهب الرياح وهي مرحلة رسمت الى حد كبير بما هو افضل وماهو اسوأ, صورة امريكا لفترة مابعد الحرب. صورة امريكا ماذاعن صورة امريكا في العالم, كما يراها بوش الابن؟ ان اسئلة كثيرة تدور حول استراتيجية الدبلوماسية بالنسبة لامريكا ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين وعن كيفية ادارته للقوة العسكرية والاقتصادية والتقنية والايديولوجية للقوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم, والاجابات الوحيدة الممكنة الان عن هذه الاسئلة, بالاعتماد على ما اظهره جورج ولكر بوش اثناء حملته الانتخابية الرئاسية, تثير القلق قليلا (اليس كذلك) وكانت الصحافة الامريكية قد اشادت كثيرا الى (الكبوات) الثقافية والدبلوماسية للمرشح بوش مما دفعه الى اتباع (دروس لتحسين المستوى) من قبل اساتذة كبار من امثال جورج شولتز وهنري كيسنجر. بكل الاحوال كان جورج ولكر بوش قد اشار الى انه في حال وصوله الى السلطة ــ وقد وصل ــ سوف يقوم بعملية اعادة تقويم للقوات الامريكية المنتشرة في العالم واعادة تلك التي لاتخدم منها (المصالح المباشرة للولايات المتحدة) الى البلاد. ان جورج ولكر بوش يعرف بشكل جيد امريكا الجنوبية, وخاصة المكسيك التي تعامل معها كثيرا خاصة من موقعه كحاكم تكساس, كما انه ابدى رأيا واضحا حيال الصين التي أكد ان بلاده ستتبنى حيالها سياسة اكثر تشددا بما تفعله ادارة كلينتون حيث انها تشكل (تهديدا لبلادنا.. وهي عدو لحرية الاعتقاد وتمارس الاجهاض القسري وتتبنى سياسات لا رحمة فيها) على حد قوله. لكن لاشيء حول الشرق الاوسط وكوبا وجنوب شرق اسيا وروسيا ويبقى الامل مفتوحا على العالم الذي يحيط به لان الارث الذي سيجده في هذا الميدان سيكون صعب القيادة اكثر بكثير من الارث الذي خلفته له عائلته, انه رئيس الولايات المتحدة.