بعد ان استقر عيزرا هاريل على مقعد رئيس الموساد سافر إلى واشنطن, كانت قد دانت له السيطرة على كل أجهزة الأمن والمخابرات الاسرائيلية في أعقاب الاطاحة برئيسه آمان بنيامين جيبلي بسبب فضيحة لافون, وكان هدف زيارة عيزرا للعاصمة الأمريكية هو مقابلة آلان دالاس مدير المخابرات المركزية الأمريكية الجديدة. أهدى عيزرا لدالاس خنجراً محفوراً عليه كلمات من سفر المزامير تقول: (حارس اسرائيل لا يهجع ولا ينام). شكر رئيس المخابرات المركزية رئيس الموساد وقال له: (يمكنك الاعتماد على يقظتي معك). وبهذه الكلمات صاغ الرجلان علاقة شراكة قوية وفعالة بين الموساد والمخابرات المركزية, وبهذه العلاقة نالت الموساد الكثير من الدعم والمساندة والمعلومات الثمينة, وتوفر لها كل الامكانيات والوسائل التكنولوجية الجديدة في عالم التجسس. الأخ الأكبر لقد صار جهاز المخابرات المركزية بالنسبة للموساد بمثابة الصديق والأخ الأكبر والمعلم, الذي منح ما لديه من خبرات وامكانيات, ومساعدات ومعلومات للموساد, وقد ساعد ذلك المخابرات الاسرائيلية كثيراً في العديد من عملياتها, سواء عمليات التجسس أو المطاردة والاغتيال, لذلك تعد الـ (سي. اي. ايه) شريكة الموساد في النجاح الذي حققته في بعض عملياتها. وهذه العلاقة الخاصة جدا بين جهازي المخابرات الأمريكي والاسرائيلي كانت ترجمة صادقة للعلاقات السياسية الخاصة أيضا التي جمعت بين أمريكا واسرائيل, فإذا كانت واشنطن تقوم بدعم اسرائيل سياسيا وعسكرياً واقتصاديا, فإنه من المنطقي ان تلقى الموساد من المخابرات المركزية الرعاية والمساندة الكبيرة. وقد مهدت لعلاقة الشراكة الخاصة بين الموساد والمخابرات المركزية الصلات القديمة التي نشأت عشية قيام الحرب العالمية الثانية بين المنظمات اليهودية الصهيونية المخابراتية التي تكون قبل قيام اسرائيل مع الأمريكيين, وذلك عندما انتهت الحركة الصهيونية إلى الاقتناع بأن الانجليز والألمان لن يعاوناها كما ينبغي أو كما تريد في انشاء الدولة اليهودية, لذلك انطلقت تعمل بشكل محموم للاعتماد على الولايات المتحدة كحليف جديد, أكثر قوة من الانجليز الذين توترت علاقات الحركة الصهيونية بهم, بعد ان كثفوا من ضغوطهم ضد الحكومة البريطانية, وزادوا من عملياتهم المسلحة ضد المصالح البريطانية في فلسطين وخارجها. وهكذا, عندما أنشأ بن جوريون الموساد عام 1951 وجد قادتها الطريق ممهداً أمامهم لاقامة علاقات وثيقة مع المخابرات المركزية الأمريكية, ولم يحتاجوا لوقت لنسج هذه العلاقات. وساعد على ذلك ان الموساد ضمت بين العاملين فيها ضباطا وعملاء كانوا يعملون في المخابرات الأمريكية جنبا إلى جنب مع الذين كانوا يعملون في أجهزة مخابرات أوروبية أخرى (بريطانية وألمانية وغيرها), وذلك قبل انشاء الدولة اليهودية, كما ان عملاء منظمات المخابرات الصهيونية الذين انضموا للموساد بعد انشائها كانت تربطهم صلات وثيقة مع المخابرات الأمريكية. ولذلك لم يكن غريبا ان يؤكد آلان دالاس لرئيس الموساد عيزرا هاريل انه ـ وهو رئيس للمخابرات المركزية ـ سيكون حارساً لاسرائيل وتعهد له بأنه لن يهجع ولن ينام وطمأنه على الاعتماد على يقظته. ولقد رتب دالاس للموساد الحصول على أحدث المعدات الخاصة بالتجسس وأجهزة تنصب, وأخرى لاقتفاء الأثر, وكاميرات للتصوير عن بعد, وقد اعترف عيزرا بأنه لم يكن يعرف بوجود مثل هذه الأجهزة والمعدات أصلا, كما أقام الرجلان خطا ساخنا بينهما يتحدثان فيه في حالة الطوارئ, وأوفد عيزرا عددا من رجاله للتدريب في المخابرات المركزية, وأوفد غيرهم للاتصال بالمخابرات المركزية والتنسيق معها والحصول على معلومات وتقاريرها, وصار ذلك تقليدا معمولاً به بين جهازي المخابرات الصديقين, وكان ممثلو الموساد في واشنطن يلقون كل ترحيب أينما حلوا وذهبوا, وتفتح لهم في أي وقت الأبواب المغلقة, لا يحتاجون للحصول على موعد للقاء المسئولين في أمريكا. وبمرور الوقت ـ وبسبب هذا الترحيب ـ صار رجال ومندوبو الموساد في واشنطن لا يحرصون على اخفاء هويتهم عن العديد من المسئولين والدبلوماسيين الأمريكيين, وليس فقط عن زملائهم في المخابرات المركزية. تنظيم التعاون لضمان ان تظل العلاقة بين الموساد ووكالة المخابرات المركزية قوية فقد أسست الأخيرة فرعاً, ظل تابعاً لشبكة مكافحة التجسس عقدين من السنوات قبل ان ينفصل عنها, مهمته تنسيق التعاون والعمل مع الموساد, وكان أول رئيس لهذا الفرع شديد السرية هو جيسون انجليتون, وهو يهودي أمريكي شديد الحماس لاسرائيل. أما الموساد فقد كلفت نائب رئيسها دائما بمهمة كبير الاتصال والتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وكان عادة يتبع الوحدة الخارجية التي تسمى (عل) المتخصصة بالعمل في الولايات المتحدة, وهي وحدة شديدة السرية لا يعلم باقي العاملين في الموساد عنها الكثير ويعمل فيها من 24 إلى 27 فردا بينهم ثلاثة كاتزا أو ضباط, وأهم أعمال هذه الوحدة جمع المعلومات عن الدول العربية والفلسطينيين ومنظماتهم داخل أمريكا, من خلال حفلات السفارات والكوكتيل والمؤتمرات والندوات واللقاءات العامة, وأيضا جمع المعلومات من الخبراء الأمريكيين في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع (البنتاجون) ومجلس الأمن القومي, وقد اتسع نشاط هذه الوحدة فيما بعد ليشمل جمع المعلومات عن شخصيات ومؤسسات أمريكية. ومن خلال هذه العلاقات الوطيدة ظفرت الموساد بما كانت تحتاجه من المعلومات عن الدول العربية, وليس فقط تلك الدول المحيطة بها, مصر وسوريا ولبنان والأردن والفلسطينيين, وإنما أيضاً الدول البعيدة عنها كدول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية, ولقد اعتمدت الموساد بصورة كبيرة على وكالة المخابرات المركزية فيما تعرفه عن الأوضاع الداخلية لهذه الدولة. وقد أكد وليام كيسي, مدير وكالة المخابرات الأمريكية للكاتب الصحفي الأمريكي بوب وود وارد ان الوكالة أتاحت للموساد معلومات قيمة باطلاعها على صور الأقمار الصناعية ووسائل الاستكشاف الأخرى, بل ان الأمر وصل إلى حد ان الوكالة مدت الموساد بالصور الفوتوغرافية التي التقتطها الأقمار الصناعية للدول العربية. وبفضل صور الأقمار الصناعية الأمريكية ومعلومات المخابرات المركزية حصلت اسرائيل على معلومات غزيرة وصفها خبراء أمريكيون بأنها قيمة عن الأوضاع العسكرية وحالة وحجم الجيوش العربية, وتسليحها, ونوعية تدريبها, وأيضا الأوضاع الاقتصادية للبلاد العربية, وقد استفادت اسرائيل كثيراً بهذه المعلومات في اعتداءاتها المتكررة على جيرانها العرب, كما استفادت منها الموساد كثيراً في أنشطتها التجسسية والتخريبية المعادية للعرب, وهذا ما فضحته عملية ضرب وتدمير المفاعل النووي العراقي في 7 يونيو 1981 فلم يكن ممكنا تنفيذ هذه العملية بدون الاستفادة والاستعانة بصور الأقمار الصناعية الأمريكية لهذا المفاعل, وهو ما أتاح للطيارين الاسرائيليين التدريب لفترة من الوقت قبل الإغارة على المفاعل العراقي, بإعداد مفاعل هيكلي شبيه له في صحراء النقب. وإذا كانت الموساد قد تمكنت من تضليل أنظمة الدفاع الجوي الأردني ـ كما يقول بعض المرتبطين بها ـ باستخدام الاشارة الجوية الخاصة بالقوات الجوية العراقية بعد سرقتها, فإنه لم يكن في مقدورها ان تضلل طائرات الأواكس الأمريكية التي اشترتها العربية السعودية, ما لم يكن لدى الخبراء العسكريين الأمريكيين الذين كانوا يقودون هذه الطائرات تعليمات من البنتاجون بالتزام الصمت وعدم الإبلاغ عن الطائرات الاسرائيلية المغيرة, ولذلك ادعوا ان منظومة الأواكس قد تعطلت لبضع دقائق بسبب خلل بسيط, فلم يكتشفوا طائرات اف 15, اف 16 الاسرائيلية التي قامت بإلقاء قنابلها المدمرة على المفاعل العراقي. بل ان الموساد لم تستقر على خطتها لضرب المفاعل العراقي جواً وأرضاً وبزرع ألغام داخلة بواسطة شبكة تخريب تابعة لها, إلا في ضوء المعلومات التي وفرتها لها المخابرات المركزية بواسطة خبراء أمريكيين في الذرة (أعضاء لجنة السيطرة على الذرة في أمريكا) حول الأضرار التي يمكن ان تصيب مفاعل نووي من جراء ضربه بقنبلة وزنها طنان, فقد اتضح ان القصف المباشر بالطائرات للمفاعل العراقي لن يحدث التدمير المرغوب اسرائيليا, لأن القنابل وحدها لن تكون قادرة على اختراق الغطاء الدفاعي للمفاعل, ونظام الأنابيب ومن أخرى له, لذلك سعت الموساد لتفجيره في الداخل أيضا, وهذا ما كشف عنه مؤخراً جيرالد وستري العميل السابق للموساد في كتابه (الأرض المعادية: الأسرار الخاصة لمقاتل الموساد). بل ان وكالة المخابرات المركزية قد اشتركت بشكل مباشر في خطة التضليل الاسرائيلية لضرب المفاعل العراقي حينما أشاعت بأن الطائرات الاسرائيلية التي كانت تتدرب على ضرب المفاعل العراقي في صحراء النقب إنما كانت تستعد لتوجيه ضربة لسوريا بسبب الصواريخ السورية التي أقيمت في منطقة البقاع. وبينما قدمت المخابرات المركزية العون للموساد في خططها لاجهاض أي مشروعات نووية عربية, فإنها على العكس قدمت المساعدات الجمة للموساد واسرائيل في مشروعاتها النووية وصناعة القنبلة الذرية, حينما زودتها بمعلومات نووية سرية بالغة الأهمية في أواخر الخمسينيات والنصف الأول من الستينيات, وقد تم ذلك حينما كان يتولى آنجليتون مسئولية الفرع الخاص بالموساد في الـ (سي. آي. ايه) والتعاون معه. عملية موسى قدمت المخابرات المركزية العون الكبير للموساد في تنفيذ خطط تهجير اليهود, وهو ما كشفت عنه عمليتي موسى وسبأ لتهجير يهود الفلاشا في اثيوبيا إلى اسرائيل. لقد بدأ التفكير في هذه العملية بعد افتضاح أمر عمليات سابقة لتهريب الفلاشا واكتشاف شبكة عملاء للموساد في اثيوبيا, ولأن خطة عملية موسى كانت تتضمن تهجير عدة آلاف من اليهود في اثيوبيا وتعتمد على استخدام الأراضي السودانية كمحطة تجميع وانطلاق, فقد كان من المستحيل تنفيذ هذه الخطة بدون علم وموافقة السلطات السودانية, ولذلك كان الأمر يحتاج إلى ابرام اتفاق اسرائيلي مع السلطات السودانية, وبالتحديد مع الرئيس السوداني وقتها جعفر نميري, وتمت الاتصالات الاسرائيلية مع النميري عبر وسيط, ولم يتم الاتفاق إلا بعد تدخل واشنطن, وكان أول بند في شروط الاتفاق يقضي مشاركة المخابرات المركزية في العملية لسهولة تحرك عملائها. أما بقية الشروط فهي ألا تظهر اسرائيل بأي صورة في أي مرحلة من مراحل العملية, وألاتتجه الطائرات التي ستقل المهاجرين من الخرطوم إلى اسرائيل مباشرة, وقد اختيرت بروكسل لكي تتجه إليها الطائرات بعد عقد اتفاق اسرائيلي سري مع وزير العدل البلجيكي بألا تعلن الطائرات الاسرائيلية عن شحناتها, وكان الثمن هو ايداع 56 مليون دولار في حساب سري باسم الرئيس النميري في أحد فروع بنك أوروبي بروما, بالاضافة إلى مبالغ أخرى لبعض مساعديه المقربين. وفي أول رحلة ليهود الفلاشا من الخرطوم حرص السفير الأمريكي على ان يطمئن بنفسه على صعود المهاجرين الى الطائرة. وظلت هذه الرحلات منتظمة بين مطاري الخرطوم وبروكسل تحمل يهود الفلاشا حتى بلغ عدد رحلاتها 28 رحلة وفي الرحلة رقم 29 تم افتضاح امر العملية كلها مصادفة حينما سمع احد الخفراء اثناء عمله الروتيني في مطار الخرطوم اصواتا آدمية داخل احد مخازن البضائع فاسرع وابلغ رجال أمن المطار خشية ان يكون هناك لصوص اقتحموه, وعلى الفور حاصر رجال الامن المخزن. ولم يكن في وسع رجال الحراسة الخاصة التابعين للعقيد محمد احمد المكلف بتأمين العملية منع رجال الامن من تأدية واجبهم. وعندما اقتحموا هذا المخزن فوجئوا باندفاع بعض يهود الفلاشا في حالة اعياء شديد, ووجدوا بعضهم يعانون من الاغماء بسبب تكدسهم داخل المخزن الذي كان يوجد فيه انابيب غازات خانقة تسرب من احداها الغاز فاصابهم باختناق حاد, وهكذا افتضح امر العملية, ووقف متحدث رسمي اسرائيلي في يناير عام 1985 ليعترف بها يزهو وبدور الموساد في ترتيبها. ولكن العملية مع ذلك توقفت. عملية سبأ بعدها تم الاتفاق على عملية اخرى. ولعب رجال المخابرات الامريكية دورا مؤثرا في اقناع الرئيس السوداني للمشاركة في هذه العملية التي عرفت باسم عملية سبأ, واحتاج الامريكيون الى ان يقوم الرئيس الامريكي (بوش) بزيارة الى الخرطوم اقنع خلالها الرئيس السوداني بالمشاركة في العملية ولم يوافق إلا بعد تردد طويل, وبعد ان ابلغه نائب الرئيس الامريكي ان العملية ستتم تحت اشراف المخابرات المركزية. وعلى اثر ذلك تم اختيار مطار الفرازا المهجور والذي يقع بشرق السودان بدلا من مطار الخرطوم لتقلع منه الطائرات التي ستنقل يهود الفلاشا الى اسرائيل, خاصة وانه كان يوجد قرب منطقة تجمع هؤلاء اليهود. وشاركت عناصر من المخابرات المركزية في تهيئة ممرات المطار لتكون جاهزة لاستقبال طائرات النقل العسكرية الامريكية الضخمة من طراز سي 130 التي تم استخدامها في هذه العملية. ولكن بعد ست رحلات فقط قامت بها الطائرات الامريكية افتضح امر العملية, والذي كشفها مراسل امريكي لصحيفة لوس انجلوس تايمز في اديس ابابا اعتقلته السلطات الاثيوبية وصادرت رسالته, ولكن ذلك لم يمنع من فضح امر عملية سبأ فتم ايقافها كما تم ايضا ايقاف عملية موسى قبلها, ولكن بعد ان تم هذه المرة تهجير 20 الفا من يهود الفلاشا الى اسرائيل عبر السودان. وهكذا وصل التعاون بين جهازي المخابرات الامريكية والاسرائيلية الى اقصى مدى. غير ان ذلك لا يعني ان الموساد رغم حاجتها لخدمات المخابرات المركزية امتنعت عن ممارسة نشاط سري او تجسسي داخل الولايات المتحدة ومن وراء ظهر وكالتها المركزية.