في عام 1992 صرح جورج بوش الأب بقوله: (ينبغي على وسائل الإعلام ان تحس بالخجل بسبب ما تتشدق به. إن لأطفالي الحق في ان يكسبوا حياتهم, فعلاقاتهم المهنية ممتازة ومناسبة تماما). وفي عام 1999 قالت بربارة بوش: (هل تعرفون ان كل أمريكي من أصل ثمانية خاضع لحكم أحد أفراد أسرة بوش؟ يُفترض ان يخيفكم ذلك!). وفي صيف 1992 كان مؤتمر الحزب الجمهوري يستعد لترشيح جورج الأب لرئاسة الولايات المتحدة لأربع سنوات أخرى, كانت حملته الانتخابية غير منظمة وتنقصها الحيوية, بينما كان حاكم أركنسو الشاب بيل كلينتون يتفوق في استطلاعات الرأي العام, وربما ان ذلك كان السبب في وجود (71) فرداً من عائلة بوش حول المرشح الجمهوري لدعمه وتشجيعه, حيث كانوا قد أقبلوا من مناطق أمريكية مختلفة, ويقول (بيل مينو تاجليو) مؤلف كتاب (الابن الأول) عن ذلك: (كان جورج ولكر بوش واخوته يعملون بحماس في الكواليس وينسون مهمات أفراد العائلة الآخرين الذين كان العشرات منهم أيضا يعملون كمندوبين أو بديلين في احتفالات الحزب الجمهوري المختلفة في المدينة, لقد كانوا (يعملون كالبغال) حسب تعبير العمة نانسي بوش ايلليس, وقد تقرر ان يصعد أثناء اجتماع استراتيجي خمسة وعشرون فرداً من عائلة بوش إلى المسرح طيلة (ليلة القيم العائلية). المقارنة المزعجة كان ذلك نموذجا جيداً لتخليص عائلة بوش باعتبارها عائلة موحدة وكبيرة, لم تعرف التشتت أبدا, ليس بين أفرادها عامل في محطة للوقود أو فنان ولم تبتعد عن مركز عالم الأعمال والسياسة ولعله يمكن المقارنة بين عائلتي بوش وكيندي, إذ ان هاتين العائلتين تمثلان بالتأكيد أقرب ما عرفته أمريكا من النظام الملكي, وهما عائلتان عرفتا الصراع على السلطة والغنى ومشاعر التفوق والفضائح, ثم ان الصحافة الأمريكية تهتم بهما مثلما تهتم الصحافة البريطانية بالأسرة المالكة الانجليزية, كما ان الجمهور أيضا يهتم بهما, وإذا كان جون كيندي يبقى هذا الرئيس الأمريكي الذي أثار أكبر قدر من الاعجاب به وكذلك فرانكلين روزفلت فإن باربرة بوش هي من دون أدنى شك (السيدة الأولى) التي حظيت بأكبر تقدير, وكان جورج ولكر بوش قد دفع المجلس المحلي عند وصوله إلى منصب حاكم تكساس الى تبني قرار رسمي ينص على ان والدته التي أنجبته هي (أشهر امرأة في تكساس). بالطبع, لا يروق لعائلة بوش مثل هذه المقارنة والمقارنة بينها وبين عائلة كيندي. وقد قال الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الاب في احدى مقابلاته النادرة مع صحيفة (نيويورك تايمز) وبمناسبة الحملة الانتخابية لابنة ما يلي: (ان هذه المقارنة تزعجني حقا) ثم أضاف: (اننا لسنا مثلهم, فنحن لا نستدعي الصحافة إلى كل عمل نقوم فيه, ولا ننظر إلى أنفسنا بالتأكيد كسلالة, ان كلمتي (سلالة) و (ارث) تثيران حفيظتي ولا نعتبر ان لنا حقاً على أحد. مع ذلك فإن هناك أوجه تشابه كثيرة بين العائلتين كلتاهما من بورجوازية نيوانجلاند وثرواتهما تعد بالمليارات منذ عدة أجيال, كما انهما اندمجتا بالشبكات السياسية الاقتصادية مروراً بنيويورك وواشنطن ولقد عرفت الولايات المتحدة رؤساء من الأسرتين, لكن وفيما هو أبعد من الاختلاف السياسي إذ ان عائلة كيندي تنتمي إلى الأوساط الديمقراطية الوسطية, بينما عائلة بوش جمهورية محافظة, هناك فرق أساسي بين العائلتين, إذ ان عائلة كيندي قد وصلت إلى السلطة بفضل أموالها الخاصة التي انفقتها من دون حساب وباستخدام كل الوسائل والشبكات الغامضة المرتبطة مع المافيات وبدافع رغبة (جوي كيندي) العجوز في ان يرى أحد أبنائه رئيسا. أما نجاح عائلة بوش فإنه يعود قبل كل شيء إلى ذلك الشعور الارستقراطي بأن السلطة هي من مسئوليتهم, وبالتالي ينبغي على جميع الشبكات العائلية والصداقية والمهنية ان تكون في خدمة هذه القضية المقدسة, لقد بدا الأمر وكأنه من حقهم الحكم, نظرا لثروتهم وتربيتهم ومكانتهم الاجتماعية, وقد عرّف بيل مينو تاجيلو جورج بوش الأب بالقول: (زعيم متفتح في خدمة شعبه, وذلك ليس بدافع انه مسكون بغضب عادل أو بشعارات ومثل وإنما لأنه يرى في هذا واجبه, وأنه ليس هناك شخص آخر يملك المال والوقت كي يفعل ذلك, لقد قام أحد أصدقاء طفولة (وجورج ولكر بوش) باستكمال هذا التعريف, كما نقل عنه مؤلف كتاب (الابن الأول) حيث قال: (كان لدي دائما الاحساس بأن ما يشغل بوش (الأب) كان المكانة الاجتماعية, وبأنه لم يكن متعمقا في ميدان الايديولوجيا وانني أعتقد ان ابنه مثله). التحرك العائلي ولا شك ان التضامن العائلي له دور كبير في الحملة الانتخابية الرئاسية لـ (جوج ولكر بوش) اذ هناك الكثير من الأمريكيين يحسون بموجة الحنين لفترة رئاسة جورج بوش الأب لا سيما وان رونالد ريجان قد انسحب من الحياة السياسية العامة كي يعيش منزويا في كاليفورنيا بعد ان أصيب منذ عدة سنوات بمرض (الزهايمر) وفي مقابلة أجرتها صحيفة (نيويورك تايمز) منذ فترة مع الرئيس السابق جورج بوش, قال: (ان الزمن يبرئ الكثير من الجروح, كان ذلك بمناسبة حديثه عن هزيمته الشنيعة عام 1992 أمام بيل كلينتون, انه ساعد ابنه في حملته الانتخابية للرئاسة ولكن من دون أن يعترف بذلك رسميا, مع ذلك أشار مقربون لهما إلى ان الرجلين كانا يتحدثان معا بمعدل أربع مرات في الأسبوع على الأقل, كما انه من الصعب رؤية بصمات جورج بوش الأب في تشكيل فريق الخبراء المكلف بتحسين مدارك ومعارف جورج ولكر الشاب, وذلك من خلال مشاركة وزراء سابقين في هذا الفريق من أمثال جورج شولتز وديك تشيني ومستشارة الرئيس الاب للشئون الروسية (كوندوليزا رابس) ومستشار الدفاع (برنت سكور كرون, ورئيس وزراء السويد السابق كارل بيرت الذي كان بالإضافة إلى هؤلاء جميعاً من المقربين للرئيس الأمريكي السباق. كذلك ساهمت بربارة بوش والدة جورج ولكر بوش بقسط من الحملة الانتخابية لابنها وألقت خطبا وشاركت في اجتماعات عبر البلاد, أما أخوة (جيب بوش) حاكم فلوريدا غير المسرور لتمثيل أخيه في ولايته فقدم له أيضا المساعدة عبر ابنه جورج . ب. بوش (يمكن التمييز بين أفراد عائلة بوش بواسطة الحرف الأول من اسم الأب. ان هذا الشاب الوسيم (23 سنة) والمكسيكي من ناحية أمه انخرط في الحملة الانتخابية مع مهمة محدوة هي جذب الناخبين ذوي الأصول الاسبانية إذ كان يلقي خطابات باللغة الاسبانية, وكذلك جذب الناخبات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و 25 سنة, كما عبرت ملحقة صحفية لجورج ولكر بوش. أما بالنسبة للشبكات السياسية ـ الاقتصادية التي لعبت دوراً حاسما في وصول عائلة بوش إلى المناصب السياسية فإنها أبدت نشاطا كبيرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية ويذكر صديقه للعائلة أجرت معه صحيفة (واشنطن بوست) مقابلة بأنه قد دخل في أحد أيام صيف الستينيات إلى غرفة بمنزل أسرة بوش في تكساس ووجد هناك عشرات هدايا عيد الميلاد المغلفة والمخصصة لعدد من الذين للأسرة علاقات معهم, وهذه ممارسة مألوفة لدى السياسيين الذين يحرصون على علاقاتهم وصداقاتهم. وفي 22 نوفمبر 1996 وصل جورج بوش الأب إلى بيونس ايريس عاصمة الارجنتين, بطائرة خاصة كمدعو شرف من أجل صدور صحيفة أرجنتينية جديدة هي (ثومبو ديلموندو) أي (زمن العالم). وأثناء خطابه الافتتاحي قال: ان الكثيرين من أصدقائي في أمريكا الجنوبية لا يعرفون صحيفة واشنطن تايمز, ذات الصوت المستقل, لقد قال لي رؤساء تحرير واشنطن تايمز, بأنه لم يحدث مرة واحدة وتدخل (الرجل البصير) في سلوك الصحيفة وأنا مقتنع بأنه سيتخذ الموقف نفسه بالنسبة لـ (ثومبو ديلموندو) و (أيضا ان (الرجل البصير الذي قصده ليس انسانا آخر سوى (صن ميونج مون) المعروف أكثر باسم (الكاهن مون) تجدر الاشارة إلى ان (مون) كان مالك الصحيفتين (واشنطن تايمز) و (ثومبو ديموندو). كما تجدر الاشارة أيضا إلى ان (واشنطن تايمز) تمثل اليمين الديني على عكس تأكيدات بوش بأنها (مستقلة) وان عددا من مسئوليها قد استقالوا عندما تدخل (مون) وأعوانه في اختيار الأخبار وشكل تقديمها. ان العلاقات بين بوش الأب ومون لا ترجع إلى تاريخ اصدار صحيفة (ثمبو ديموندو) ذلك ان مون كان أحد الشخصيات المهمة التي حضرت تدشين رئاسة ريجان ـ بوش عام 1981 وبعد اصدار صحيفة (واشنطن تايمز) عام 1982 حدث ووصفها الرئيس ريجان بأنها (صحيفته المفضلة) تجدر الاشارة هنا إلى ان (مون) حصل على مكانة رفيعة في الولايات المتحدة وصار له اتباع كثيرون على قاعدة خطابه البليغ ضد الشيوعية بالمقابل اتخذت واشنطن تايمز موقفا دفاعيا عن ريجان ثم عن بوش الاب, وحاولت ان تقلل من مصداقية أي انسان يحاول البحث عن الحقيقة الخاصة بفضيحة (ايران جيت). علاقات مثيرة للتساؤل لكن العلاقات المثيرة للتساؤل على أقل تقدير التي تنسجها عائلة بوش لا تقتصر على بوش الأب, وبالاضافة إلى علاقات جورج ولكر بوش مع شركة (هاركن) ـ كما رأينا سابقاً ـ فإن الابن الثاني (جيب) الذي يتم اعتباره غالبا بأنه الأكثر بريقا في العائلة, شد إليه الانتباه في فلوريدا, إذ بعد اقامته بفترة قصيرة في (ميامي) بمطلع الثمانينيات عمل مع مقاول عقارات بصفة موظف مسئول عن قطاع التأجير, بعد فترة أصبح شريك المقاول واشتريا معا بناية بمبلغ 4.5 ملايين دولار وحصلا على قرض من صندوق للتوفير من دون ظهور اسمهما على العقد, وفي عام 1988 أعلن هذا الصندوق افلاسه ووصلت الشرطة المالية في تحقيقاتها إلى (جيب بوش) وشريكه حيث بدا انهما لم يسددا القرض, كان هناك حلا, إما تسديد القرض أو الحجز على البناية, لكن المدهش هو ان الشرطة المالية تبنت حلا ثالثا, كان ذلك أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لجورج بوش الأب, تمثل في تخفيض قيمة البناء إلى نصف مليون دولار, مما سمح للشريكين بتسديد القرض أما الملايين الأربعة الأخرى, فقد أصبحت على عاتق دافعي الضرائب, وعندما تم الكشف عن هذه القضية صرح (جيب بوش) بأنه كان (ضحية للظروف). وهناك قضية أخرى, ففي عام 1984 ارتبط (جيب بوش) بصداقة مع منفي كوبي هو (كاميلو بادريدا) الضابط السابق في جهاز مكافحة الجاسوسية التابع للدكتاتور باتيستا, وكانت صحف عديدة قد تحدثت آنذاك عن (كاميلو) للاشتراك في عمليات تزوير مع شخصيات مشبوهة (ضابط سابق ساهم في عملية الانزال الأمريكي الفاشلة في خليج الخنازير بكوبا, ومحام هرب إلى بنما لقيامه بتبييض الأموال). من الواضح ان الابن الثاني لجورج بوش الرئيس السابق, لم يكن يقرأ الصحف, لقد قبل ان يساعد (بادريدا) من أجل ايجاد مستأجرين لأحد عماراته المخصصة كمكاتب وسريعاً غدا (المركز الدولي الصحي) احدى أهم المؤسسات العاملة في هذا الميدان بالبلاد, والذي يترأسه أمريكي من أصل كوبي هو المستأجر الوحيد, ومن المهم ان نحدد هنا ان رئيس المركز (ميجل ريكاري) كان على علاقة بعراب مافيا ميامي المدعو (سانتو ثرافيكانتي الابن) وانه شارك بعدة محاولات لاغتيال فيدل كاسترو خلال سنوات الستينيات وبتخطيط من المخابرات المركزية الأمريكية. لقد أصبح (جيب بوش) بمثابة (مستشار عقاري) للمركز الصحي الدولي, لكن نشاطه لم يقتصر على هذه المهمة, إذ كان ينبغي حصول المركز على (استثناء) كي يستطيع ان يعالج نسبة أكثر من 50% من المرضى الذين (يغطيهم) الضمان الصحي العام, وهكذا حصل (جيب بوش) على الاستثناء المطلوب من المصالح الفيدرالية الأمريكية, حيث كان والده آنذاك نائباً للرئيس ريجان وجنى المركز الصحي الدولي من ذلك 30 مليون دولار عام 1986, وقد دل تحقيق قام به موظف فدرالي راودته الشكوك ان المركز المذكور يقوم بزيادة مبالغ على (فاتورات) العلاج وبعمليات ملتوية في الحسابات, لكن كان ينبغي الانتظار عدة سنوات قبل تقديم شكوى رسمية وحيث كان (ميجل) ريكاري قد فر إلى فنزويلا بعد تورطه بعملية التجسس الهاتفي على موظفيه, ولم يتعرض (جيب بوش) لأية مضايقة قضائية من أجل هذه (القصص) بل أصبح عام 1998 حاكماً لفلوريدا. وماذا عن الأخ (نايل بوش)؟ لقد كان خلال فترة 1985 ـ 1988 على رأس بنك (سلفيرادو) في (كلورادو) حيث وافق على قرض قيمته 200 مليون دولار لشريكيه في مؤسسة للتنقيب عن النفط, وتبين ان هذين الشركين غير قادرين على تسديد مبلغ 132 مليون دولار, مما دفع بالبنك إلى الافلاس, وفي المحصلة كلف ذلك قيمة مليار دولار لدافعي الضرائب من المواطنين الأمريكيين, واعتبر خبراء حققوا بالقضية ان (نايل بوش) يعاني من (خلل أخلاقي) وحكموا عليه بدفع خمسين ألف دولار أمريكي. ان الصحافي (ستيفن بيزو) الذي كشف جزءًا من هذه القضايا, أجرى مقابلة أيضا عام 1992 مع أحد عناصر الأمن السري (المكلف بحماية الرئيس) وهذا ما قاله العنصر حول معارف أبناء الرئيس: (لقد قلنا لهم بأن ينتبهوا فنحن لا نستطيع منع هؤلاء الصبية من ان يشاركوا من يريدون كل ما نستطيع عمله بعد انذارهم هي ان نعرّضهم لجهاز كشف المعادن عندما يتقربون من الرئيس.