في بلد كالسودان يدعو الحديث عن شح في المياه وندرتها الى الدهشة والاستغراب, سيما وان نهرين من اعذب واطول انهار الدنيا تشقان ارضه ويبدو التسليم بذلك اقرب الى الخيال عند الوقوف على حقائق تكشف ان حجم المياه بخوف اراضيه يضاهي ذلك الذي تجري به الروافد والخيرات. لكن حين تلمس الشح في بعض احياء حاضرته الخرطوم التي يحتضنها ويلفها التقاء النيلين الابيض والازرق كما السوار على المعصم وبالوقوف على ان بعض احياء بقعة المهدي ام درمان وهي اول مدينة بالسودان تشرب من ماء النيل عند نقطة انطلاق رحلته شمالا, تزداد الحيرة, اي حال هذا الذي يشبه حال العير يقتلها الظمأ في البيداء والماء ظهورها محمول ذلك ان وجه الغرابه يتبدى في اجتماع الندرة مع الوفرة فرغم غزارة الماء القراح الذي هو في متناول اليد الا ان انقطاعه لفترات قد تطول لايام وتذبذبه هنا وهناك ادى الى جمع النقيضين وصار الماء يندر رغم وفرته مما سبب ارقا وسهادا يشهدان على عجز لا مبرر له رغم المحاولات الدؤوبة الصادقة لقطع دابر هذه الوتيرة المزعجة والمريبة في آن معا. هذا الوضع الماثل دفع وزير مالية ولاية الخرطوم المهندس الحاج عطا المنان الى التأكيد على ان من اولوية ميزانية الولاية للعام 2001 التي اودعها منتصف الجاري طاولة برلمان الولاية والتي اوضح ان جملة ايراداتها بلغت 31.381.9 دينار بينما بلغت جملة مصروفاتها 31.718.9 دينارا, الصرف على مياه الشرب وتحسين ايراداتها والصرف الصحي. رئيس برلمان الولاية اللواء (م) مهندس بابكر علي التوم هو الآخر ركز على ان نشاط البرلمان سينصب على معالجة قضايا المواطنين الحياتية بصفة عامة وخاصة الريف والاهتمام بالمشاريع الانتاجية صناعية كانت ام زراعية. وزير المالية الاتحادي د. محمد خير الزبير منطلقا من ولاية وزارته على المال العام للدولة اصاب كبد الحقيقة في هذا الشأن حينما اماط اللثام ان التركيز على قطاع مياه الشرب النقية يعتبر اولوية قصوى من مبلغ 15 مليون دولار خصصها الاتحاد الاوروبي للمعونات الانسانية للسودان تشكل مجالات الصحة والتعليم والمياه. وبالانتقال الى اطراف العاصمة التي تعيش تضخما ورميا سببه الهجرات الوافدة على مدار الساعة تبدو مشكلة توفير المياه النقية اول عتبات الاستقرار الذي ينشده القادمون الجدد . ذلك ان معظم الاحياء الطرفية تأتيها المياه محمولة على براميل تجرها الحمير تضطرب نقاوتها بين المنبع وهي صهاريج تمددت هنا وهناك والايدي والمعدات التي يجافيها التعقيم في الغالب الاعم . ويبدو الحال هكذا معلقا على شماعة الامكانات التي لم تسعف ما اهترأ من شبكات اكل الدهر عليها وشرب ناهيك عن اخرى جديدة مازالت في رحم الغيب ليحكم الحصار في البر والبحر على الذي طرده الجفاف والتصحر وعلى ذاك الذي لا قبلة له اصلا غير مقرن النيلين او كرش الفيل وهي ام درمان ملاذا آمنا وتقيه من وعثاء السفر الطويل ليتقسم الاثنان معا نقطة الماء المتأرجحة او حبة النبق استعاضة عن الشدة. هذا حال الخرطوم الذي لا تحسد عليه اما نظيراتها من ولايات السودان الاخرى فان الاجتهاد هو الحسنة التي تعسكر في اركانها اي بقدر عزم القائمين على امرها تأتي العزائم على سبيل المثال مدينة الثغر بورتسودان لم يشفع لها جوار البحر الاحمر للتنعم بالماء عبر محطات تحلية غيبتها ضآلة الامكانات, الا ان القائمين على امرها لم يركنوا لليأس ويتفرجوا على عروس الشرق التي يعتبر الماء على رأس طيبها فاجتهدوا ليتكلل مسعاهم باكتمال الترتيبات لافتتاح الخط الناقل للمياه الى احياء المدينة لتتفرغ بعده الى مشاريع اخرى والامل يحدوها الا تقف الامكانات عقبة كأداء في تنفيذها خاصة وانها اصبحت قبلة الانظار بعد افتتاح اول منطقة حرة بالسودان على ساحل البحر الاحمر بعد ان غادرت اول سفينة ميناء بشائر على البحر الاحمر العام الماضي تحمل اول شحنة من بترول السودان الذي تتواصل المساعي الى ان تشكل مضخاتها حضواً في تكريره وتنقيته. عروس اخرى بغرب السودان رغم انها عروس للرمال الا انها ماتقاصرت على مر تاريخ السودان في الذود عن الحياض .. تلكم هي الابيض حاضرة ولاية شمال كردفان والتي بمجرد ذكرها يكون الماء هو عماد فقرات الحديث الذي ينصب حول حرارة الاشواق الى رؤيته متدفقا على رمالها التي يرسم تبللها لوحة تحكي ان العطاء هنا رغم قدحه المعلى ينقصه الماء عصب الحياة. اخيرا وبعد ان ايقنت المدينة ان عهد الغياب قد ولى الى غير رجعة بافتتاح مشروع مياهها الشهر الماضي الا ان الفرحة قتلت وهي مضخة لاعطاب في شبكة المياه فاجأت المواطنين واجلت مضغة والايناع ومن قبل اطفاء حرارة الاشواق الى حين لكن واليها عثمان الهادي استطاع بجهد المقل ان يوفر من المال ما طمأن ساكني المدينة الى ان مشروع المياه بات امرا واقعا رغم ما استصحب ظرف توقف ضخها من اشاعات, بددها الوالي بتأكيده ان شعار حكومة ولايته للعام 2001 هو انه عام للمياه ليس في مدينة الابيض لوحدها وانما بكل ارياف الولاية التي اوضح انها وضعت برامجها لتأهيل المواعين المائية اضافة الى تفعيل اعمال الحفر الجديدة مشيرا الى ان فرقا تعمل الان في مجال المياه بمحافظة ام رواية التي اشتهرت بعذوبة ونقاوة مياهها. والحديث عن الامكانيات نذكر ان هناك مناطق بالسودان اثبتت الدراسات توفر المياه الجوفية في اراضيها فقط تحتاج الى من يبادر كما ان تكاليف استخراجها مقدور عليها وبالاشارة الى ان التوقعات تقول بهجرة عكسية الى حضن الوطن من قبل بنيه بالخارج يبقى الاستثمار في مجال المياه عبر اراضي السودان المترامية خاصة تلك التي تزخر بثرواتها المختلفة امرا جديدا بالتوقف عنده وبالفعل فان ساكني تلك البقاع سيجدون في بينهم العائدين من الخارج او المغتربين عموما خير سند وبالكاد هم اهل لكسر هذه الدائرة اللعينة التي اقعدت تلك الربوع عن الفعل الخلاق. ومن ثم فان الحديث عن شح المياه وانعدامها في عصر الانترنت وما شاكلها من لغة العصر, يبدو مخجلا خاصة في بقعة تشهد من عام لآخر سيولا وفيضانات تعيث مياهها دمارا لا اعمارا ناهيك عما يحمله سطحها وجوفها من مياه يعجز الوصف عن ايفائها حقها وعلى الدولة والقائمين عليها تخصيص عام للمياه وليكن العام المقبل انطلاقا من التركيز الذي طغى على الموازنات والمعونات والاجتهادات بشأنها ومن هنا تبدأ مسيرة الحياة فهل نسمع او نصحو ذات فجر ابلج على اعلان في هذا الخصوص؟ حجم المشكلة كفيل بزرع الامل وايجاد المداخل.