الملف السياسي : تواجه منظمة مجلس التعاون الخليجي سلسلة من التحديات الداخلية والخارجية التي اخذت تزداد وضوحا واتساعا في ضوء التطورات الاقليمية ونظام العولمة وتوجه العالم نحو اقامة سوق تجارية واحدة ومفتوحة, وعلى الرغم من ان دول التعاون حققت الكثير من النجاحات في العقود الماضية, كمنظمة اقليمية وحيدة في المنطقة, الا ان ذلك لم يحل دون بروز مسألة التحديات التي تعد احدى نتائج سياسة العولمة وما افرزته من تفاعلات في كل مجالات الحياة, بدءاً من الاقتصاد والصناعة والتجارة, ومروراً بثورة المعلومات والاتصالات الحديثة, وانتهاء بآفاق التقدم العلمي وما يطرحه من تحديات جدية, لم تكن مطروحة في السابق, وعليه فإن الخبراء والمعنيين بشئون المنطقة عامة ومنطقة الخليج بصورة خاصة, يرون ان مجلس التعاون الخليجي بحاجة ماسة الى معادلة جديدة, تستطيع ان تستوعب كل التطورات الجارية, وتحسم كل ما هو قائم في السياق التاريخي للنظام الاقليمي الشرق ــ أوسطي. ذلك ان ثمة تأكيدات بأن مجلس التعاون الخليجي لايمكن فصله عن هذا النظام الاقليمي الذي اخذ يتشكل بعد حرب الخليج الثانية عام 1990 والتي افرزت جملة من الحقائق والمعطيات السياسية والاقتصادية والامنية التي فرضت نفسها, ليس على القوى المحلية والاقليمية فحسب ولكن على القوى الدولية نفسها, نظراً لشموليتها وجذريتها من جهة, وكونها أدت الى حدوث سلسلة من التغييرات الجوهرية في أوضاع الشرق الأوسط من جهة أخرى. وتؤكد مختلف المصادر ان منظمة مجلس التعاون الخليجي, وجدت نفسها منخرطة اكثر من غيرها في صلب مجمل هذه التطورات بفعل ديناميكية الاحداث. روزنامة التحديات وفي لغة التحليل الاستراتيجي, يمكن ايراد روزنامة بأبرز وأهم التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي, فعلى الصعيد المحلي ــ الاقليمي, يشير المراقبون الى وجود تحديين هامين: الأول النزاع القائم بين دولتي قطر والبحرين حول ملكية جزر الحوار وفشت الديبل, وهو النزاع الذي انعكس بصورة مباشرة على علاقات دول التعاون مع بعضها بعضا, وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت لحل هذا النزاع في اطاره المحلي ــ الخليجي, الا ان الذي حدث, هو نقل النزاع الى محكمة العدل الدولية في لاهاي, الأمر الذي يقود الى الاستنتاج بأن المقصود هو (تدويل) النزاع, بدلا من حصره في اطاره الخليجي, ويؤكد الخبراء انه كان حرياً بدول مجلس التعاون ان تحول دون انتقال النزاع أو الخلاف القطري ــ البحريني الى محكمة العدل الدولية, لأن من شأن ذلك ان يؤسس لسابقة في علاقات دول مجلس التعاون الخليجي, في وقت تحتاج فيه الى تذويب خلافاتها الذاتية, وصقلها في اطار بوتقة المصالح الاستراتيجية المشتركة والموحدة. وبصرف النظر عن الدخول في تفاصيل هذا النزاع وتفاعلاته ومراحله المختلفة, ومن هو المسئول عن تدويله فإن من الأهمية بمكان التأكيد على ضرورة ايجاد الحل الأخوي لهذا الخلاف, من أجل الحفاظ على الوحدة الداخلية لدول التعاون, وتفعيل دورها في مواجهة التحديات الأخرى, المتصلة بالعولمة والتجارة الحرة, وكما يؤكد الخبراء فإن من الضروري طرح أكثر من مبادرة على هذا الصعيد, لإقناع طرفي النزاع وهما قطر والبحرين, بل انه يجب الوصول الى اتفاق أو حل, يرضي الطرفين, ويعيد روح الاخوة واللحمة الى علاقاتهما الثنائية, ويشير هؤلاء الى انه بمقدور دول قيادية في المجلس مثل السعودية القيام بدور حاسم على هذا الصعيد, لا بل ممارسة الضغوط على طرفي النزاع, بسحب القضية من ساحة التحكيم الدولي وإعادتها الى التحكيم المحلي والخليجي, لأنه هو الأفضل والأقدر على التوفيق الواقعي وتجاوز أسباب الخلاف وتداعياته, باتجاه تغليب المصلحة العليا. وإلى جانب هذا التحدي الداخلي الذي يواجه مجلس التعاون الخليجي, هناك التحدي الآخر, الذي يعد أكثر خطورة وتعقيداً, وهو النزاع القائم بين دولة الامارات العربية وإيران حول الجزر الثلاث أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. وفي هذا السياق يجمع الخبراء والمحللون السياسيون والاستراتيجيون على ان هذا النزاع, يهدد بالفعل عامل الأمن والاستقرار في منطقة الخليج, وذلك في ضوء تمسك دولة الامارات باستعادة سيادتها الكاملة على الجزر الثلاث. وبصرف النظر عن الحساسية الخاصة التي يتسم بها هذا النزاع, الا ان الشيء الواضح هو انه بحاجة الى حل سريع وشامل, وذلك حتى لا يظل بمثابة اللغم الموقوت الذي يمكن ان يفجر الازمات والمواجهات في كل الاوقات, ولابد من الاشارة هنا الى ان التحسن الكبير الذي تشهده العلاقات الخليجية ــ الايرانية, والذي سيحل هذا العام مستويات عالية من التجاذب والاستقطاب يمكن ان يلعب دورا هاما للغاية في توفير الاجواء والظروف المناسبة والقادرة على تطويق النزاع الاقليمي حول مسألة الجزر وإيجاد مخرج جديد للمأزق الذي وصل اليه النزاع حتى الآن, ومن المؤكد ان طهران, وفي سبيل تطوير علاقاتها مع دول الخليج والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة, فإنه يفترض فيها ان تكون مستعدة لإبداء المزيد من المرونة في طريقة التعاطي مع مسألة الجزر, والاقرار لدولة الامارات بسيادتها على هذه الجزر, ومن ثم الدخول في مفاوضات جديدة والسعي للوصول الى حل يرضي الطرفين, كما يمكن للعربية السعودية وهي التي اصبحت تقيم علاقات وطيدة ومهمة مع ايران, ان تستغل نفوذها لدى طهران من اجل البحث عن الحل المطلوب لمشكلة الجزر, لأن المعطيات تشير الى ان عدم التوصل الى مثل هذا الحل, فإن الوضع الاقليمي في منطقة الخليج سيظل عرضة للكثير من الاخطار والتهديدات الواقعية وعليه فهناك مصلحة مشتركة لكل الاطراف والقوى المعنية بالتوصل الى حل من هذا القبيل, وطي صفحة هذا النزاع الذي مضى عليه الكثير من الوقت, والذي يجري استغلاله من جانب القوى الدولية, للابقاء على حالة من التوتر وعدم الاستقرار قائمة في منطقة الخليج العربي. مستقبل العراق أما التحدي الثالث والكبير الذي يواجه دول مجلس التعاون فيتمثل في الموضوع العراقي والصورة التي سيكون عليها مستقبل العراق, خلال الفترة المقبلة ذلك ان هذه القضية مهمة جدا بالنسبة لكل دول الخليج, وهي معنية اكثر من غيرها بالموضوع العراقي, لأن الدور الاقليمي لبغداد, يؤثر مباشرة على مجمل الاوضاع في منطقة الخليج. لقد ظهر جليا وواضحا, انه بدون تطبيع العلاقات العراقية ــ الكويتية, فإن منطقة الخليج لن تشهد اي استقرار حقيقي, سيما وان هناك الكثير من القوى الدولية التي تستغل النزاع أو القطيعة بين العراق والكويت, من اجل فرض سيطرتها على منطقة الخليج, والتهام ثرواتها بحجة الحفاظ على امنها واستقرارها, ودرء ما يسمى بالخطر العراقي عن دولها, ومن المؤكد ان خروج العراق من دائرة الحصار المفروض عليه الآن وعودته الى ممارسة دوره الطبيعي في المنطقة, يشكل عامل استقرار مهم جدا بالنسبة لدول مجلس التعاون التي لا تستطيع الهروب من قدرها الجغرافي والاستراتيجي, وهو وجود العراق وإيران, كدول مجاورة لها, وكما نجحت دول التعاون في تصويب وتصحيح علاقاتها مع ايران, وهي التي كانت تعاني من الأزمات والاضطرابات فإنه سيكون بمقدورها تطبيع علاقاتها مع العراق, حتى تصبح قادرة على الامساك بخيوط اللعبة الاقليمية وتجنب نفسها الكثير من الاخطار والتهديدات الحالية والقادمة... ويمكن للعربية السعودية ان تلعب دورا مميزا على هذا الصعيد, وان تطرح مبادرات وافكارا خلاقة, من اجل دفع الكويت نحو الدخول في مصالحة ضرورية مع العراق واعادة رسم خارطة سياسية جديدة لمنطقة الخليج كلها. تحديات العولمة وإذا كانت التحديات المحلية والاقليمية التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي, لها الأولوية في سلم الترتيب الاستراتيجي لروزنامة التحديات الشاملة, فإن هذا لا يقلل من اهمية وخطورة تحديات العولمة بالذات, لأن هذه الأخيرة لابد ان تفرض شروطها وقوانينها على كل انحاء العالم, بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط, واذا كان للعولمة الكثير من الأوجه والمستويات, فإن من الأهمية بمكان التأكيد على ان الجانب الاقتصادي, يعد هو الأبرز والأخطر, لأن العولمة بمفهومها الاقتصادي, تعني تحويل العالم كله الى سوق تجارية مفتوحة, وإلغاء الاقتصاديات والكيانات القطرية والاقليمية وتذويبها في اطار هذه السوق, ومثل هذا التحدي, يواجه دول مجلس التعاون ــ بشكل صارخ ــ لأن اقتصاديات هذه الدول, لا تزال تعتمد على مصدر رئيسي للدخول وهو العائدات النفطية, التي اخذت تخضع لتقلبات السوق العالمية, الأمر الذي يجعل من هذه الاقتصاديات غير مستقرة من الناحية الاستراتيجية, وهي مسألة النمو الاقتصادي في دول التعاون تصبح خاضعة لتقلبات السوق العالمية, الأمر الذي يحرم بلدان الخليج من امتلاك القدرة المطلوبة على تنمية ثرواتها الوطنية والقومية, والبقاء رهينة بيد مواقف وسياسيات الدول الكبرى التي لا تهتم عادة الا بمصالحها ولو على حساب الآخرين, وكما يشير الخبراء فإن هذا التحدي يفرض على دول الخليج ان تتجه نحو اقامة صناعات بتروكيماوية مشتركة تدر عليها عائدات جديدة, وتمكنها من مواجهة تقلبات السوق الدولية, ونظام العولمة الاقتصادي وتداعياته الكثيرة. وفي هذا السياق, لابد من التأكيد ان دول مجلس التعاون معنية ايضا ان تحسم امرها في الانضمام الى منطقة التجارة العربية الكبرى الحرة, لأنها لن تكون قادرة وبمفردها على مواجهة اخطار العولمة التجارية التي اصبحت اشبه بالحوت الضخم الذي يريد ابتلاع كل الاسواق دفعة واحدة, والواقع ان دول الخليج عندما تصبح جزءاً من هذه المنظومة الاقتصادية العربية, فإنها يمكن ان توفر لنفسها الكثير من عوامل الحماية والأمان, وأن تفرض شروطها ومطالبها المشروعة على التجمعات الاقتصادية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي وغيره, ولدى انخراط دول التعاون في هذا التكتل التجاري الجديد في الشرق الأوسط, فإن لغة المصالح السياسية لابد ان تفرض نفسها بعد لغة المصالح الاقتصادية, الأمر الذي يزيد من عرى التعاون بين هذه الدول من جهة والمنظومة العربية من جهة اخرى, وبالتالي سيتحقق ما يسمى الأمن القومي الذي لا يمكن اغفاله أو صرف النظر عنه, خاصة في عصر العولمة. فالخليج ليس مجرد جزيرة معزولة عن العالم العربي, بل هو جزء اساسي, بل في موقع القلب من الوطن العربي, ولا مناص امام دول المنطقة وشعوبها من الاندماج بقوة وفعالية اكبر وأوسع في النظام الاقليمي العربي, والبحث عن نقاط تلاقي استراتيجية مع كل الدول العربية, وعندما يتحصن الوضع الداخلي والاقليمي لمجلس التعاون, فإنه سيكون من السهل عليه, التصدي بفعالية وكفاءة اكبر لتحديات العولمة, لأن القاعدة تقول انه اذا ما تركت الابواب مفتوحة امام كل التيارات والاعاصير, فإن البناء لن يكون قادرا على الصمود طويلا.