الملف السياسي : في القرن الحادي والعشرين اصبح العالم ينظر الى التجمعات وحتى التكتلات نظرة فيها الكثير من الاعتبار تلازم قوة هذا التجمع أو ذاك, وباتت اركان الاقتصادات العالمية تؤسس للمراحل المقبلة ، حتى لا يسبقها قطار الزمن فيما تشهده الحضارة الانسانية من تسارع قد يبدو سلبيا احيانا ولكنه في النهاية هو ايقاع صارخ وسريع يتخطى اللحظة التاريخية او يتداخل معها, واذا كان الوطن العربي جزءا من هذا العالم فعليه الا يتخلف عن ايقاع عصر التقانة والاقتصادات الكبرى التي نرى صورة مطمئنة فيها من خلال مجلس التعاون لدول الخليج العربية فهو التجمع الأكثر فاعلية وأداءً في التجمعات العربية والتي ما زالت في مراحلها الجنينية, ورغم ان مجلس التعاون قد بدأ يخطو خطوات متسارعة, إلا انه اليوم مطالب وأكثر من أي وقت مضى ان تكون خطواته فوق الطموح وأسرع من المتوقع كي يواكب أو يقاوم ما يفرض عليه من تحديات عالمية ليس أي تجمع اقليمي أو دولي ببعيد عنها ما دامت اساطيل العولمة والقطبية الاحادية تبحر في مياه العالم متحدية أمواجها. التجمع الأهم عندما أعلن في شهر مايو 1981 عن تأسيس مجلس التعاون الخليجي كانت بعض دول المجلس لا تزال تقيم افراح استقلالها, فحداثة العهد بالاستقلال فرض على المجلس تحديات كثيرة استطاع ان يتجاوزها بكل هدوء وعقلانية ولم يقع في مطب الاختلاف نتيجة لتماسك اعضائه الذين تربطهم روابط قوية اساسها العقيدة السليمة وبناء الخيار الاستراتيجي الموحد من قبل المجلس, فكانت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بعد اشهر قليلة من التأسيس وتلتها عام 1982 الاتفاقية على منطقة تجارة حرة تعفى بموجبها المنتجات الوطنية لدول المجلس من الرسوم الجمركية التي كانت قد اقرت في اتفاقية 1981 وكل ذلك كان سعيا حقيقيا للعمل نحو اتحاد جمركي يكون بمثابة البنية الرئيسية للسوق الخليجية المشتركة, ولكن الواقع ان الاتحاد الجمركي لم ينجز حتى الآن ولم تزل الرسوم تتراوح بين 4% و 20% وكان من المتوقع ان يبدأ بتطبيق الاتحاد الجمركي في مارس 2001 ولكنه في قمة الرياض تأجل الى مارس 2005 وهو ما يؤكد ان التحدي ما زال قائما ورغم ذلك فإن هذا الاتحاد يمكن له ان يؤسس تأسيساً حقيقياً لسوق خليجية مشتركة وبنك مركزي خليجي موحد يكون بمثابة بنية حقيقية لعملة خليجية موحدة تقف في وجه العملات الكبرى كونها تمتلك مقومات ذلك من خلال الشكل الاقتصادي لدول المجلس والتطور السريع الذي تشهده القطاعات الاقتصادية لهذه الدول خاصة انها انفتحت على الصناعات غير النفطية والاسواق التجارية العالمية وأسست لتجارة كبرى تقوم على اساس اقتصادي متين يمكن ان يزداد قوة بالسوق الخليجية الموحدة ويؤدي وظيفة اقليمية وعالمية كبيرة لم تستطع بعض التجمعات الكبرى ان تتجاوزها كالوحدة الأوروبية التي انخفضت عملتها (اليورو) الى حدود 20% أو كدول شرق آسيا التي مرت بأزمة لم تستطع تجاوزها حتى الآن واذا كنا نتحدث عن التجمعات الكبرى فإن ذلك يدعونا الى التفكير مقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي فدول أوروبا وحتى دول (الاسيان) مازالت تعيش حالة اختلاف في بنيتها الايديولوجية, فأوروبا الموحدة يبدو انها ما زالت تتذكر حربها العالمية رغم كل ما وصلت اليه وحدتها, اضف الى ذلك ان تياراتها السياسية ما زالت تعيش حالة صراعية رغم كل ما قدمته الوحدة الأوروبية من استقرار. وأمام هذين المثالين يبدو اليوم مجلس التعاون أكثر استقراراً من تلك التكتلات كونه يعتمد بالأساس على مجموعة من القيم لا يملكها أي تجمع, فروابط اللغة والدين والمصالح المشتركة والطبيعة الواحدة تدعم استمراره وتقوي من وجوده خاصة اذا اضيف لذلك العمل الجاد للنهوض بالاتحاد والوصول به الى ما يطمح اليه كل عربي, حيث ما زال العرب يرون في مجلس التعاون الخليجي المثال الحقيقي والواقعي لطموحهم في اقامة سوق عربية مشتركة تستطيع ان تقف في زمن التكتلات العالمية الكبرى وتدافع عن وجودها. قابلية التطوير حوالي العقدين من عمر المجلس استطاع خلالهما ان ينهض على كافة المستويات ويحاول تخطي العقبات التي اعترضته فأسس لمجموعة من الهيئات تكون بمثابة المرجع الحقيقي لتطوره الاقتصادي وتؤدي وظيفة عملية ونظرية في آن معا. فعلى المستوى العام تأسست مجموعة من الهيئات المشتركة أهمها: مؤسسة الخليج للاستثمار, مركز التحكيم التجاري, هيئة المواصفات والمقاييس, المكتب الفني للاتصالات, اللجنة الاقليمية لنظم الطاقة الكهربائية, مكتب براءة الاختراع. وإذا كانت هذه الهيئات تصب في النهاية بمصلحة المواطن, فإن المجلس لم ينس قيمة المواطن وأهميته بل لعله قام بالنظر الى بناء المواطن قبل غيره فهو أراد من خلال ذلك العمل ان يبني الانسان والمجتمع ويرسخ القيم الاصيلة ويعزز الثقافة العربية لأنها الوحيدة القادرة على مواجهة العولمة والغزو الثقافي وهو بطبيعة الحال لم ينس التنمية كونها الناهض الاقتصادي بحياة المواطن والتي تساهم في ارتقائه وبالطبع لم تكن التنمية مقتصرة على اللحظة الآنية بل تجاوزتها الى التنمية الشاملة بعيدة المدى. ومن خلال اسس مواجهة وادارة الازمات استطاع مجلس التعاون الخليجي خلال ما يقارب العقدين من عمره ان يؤسس لنهضة اقتصادية حقيقية في دول المجلس ويمكن ان نحدد هذه النهضة بالأشكال التي برزت في مؤتمر القمة العشرين وبالقرارات التي اتخذها. فعلى مستوى القطاع الخاص, دعا المجلس الى العمل على تنامي دور القطاع الخاص وتحقيق المصالح المشتركة لمواطنيه وتعزيزها في كل دوله اضافة الى المساعدة على تحقيق مشاريع انتاجية ويمكن ان نرى ذلك من خلال التراخيص التجارية الممنوحة للمواطنين خارج حدود دولهم وفي دول المجلس فقد بلغت هذه المشاريع حوالي 4500 مشروع, أما القروض فقد بلغت حوالي 5.1 مليار دولار. أما في مجال الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون فقد قرر العمل به اعتبارا من الاول من مارس عام 2005 على ان تقوم الدول بتعديل رسومها الجمركية الحالية بشكل تدريجي أو دفعة واحدة لتصبح بواقع 51.5% على السلع الاساسية و51.7% على بقية السلع. وإذا ما تم بالفعل اقرار الاتحاد الجمركي فإن ذلك يعني بشكل طبيعي الوصول الى سوق خليجية مشتركة, ولكن قد يطرح المرء سؤالاً ملحاً عن المدة الطويلة التي سيعمل فيها الاتحاد الجمركي أي بعد حوالي خمس سنوات, وهنا يمكن الاشارة الى ان هذه المشكلة تحتاج الى الكثير من التحدي لاختصار الوقت, فالسنوات الخمس قياسا بما انجزه الاتحاد تعتبر مدة طويلة كونه وفي هذه الفترة ستظهر تحديات جديدة لابد ان تجد حلها وخاصة ونحن نعيش عصر التدفق المعلوماتي والتجارة عبر الانترنت اضافة الى قوة العولمة والتكتلات الكبرى التي وضعت رجلها في منتصف الطريق مع العلم انها ستجتاز النصف الآخر بسرعة مذهلة. ومع ذلك فإن المجلس قد خطا خطوات مهمة أولها السعي بشكل جدي لتحقيق المواطنة والسماح بممارسة المهن وإقامة المشاريع الخاصة وفتح فروع البنوك في دول المجلس ويسعى الى تحريك رؤوس الاموال في دول المجلس دون أي قيود على رأسها حرية تنقل الأفراد وتملك العقارات وممارسة الاقتصاد ودور المواطن في هذا الاقتصاد كونه المحرك الرئيسي له سواء كان اقتصادا عاما أو خاصا بمعنى آخر ان البنية الاستراتيجية لحركة الاقتصاد تنبع اولا وأخيرا من الافراد وحتى الابداع الشخصي للفرد مدعوما بمؤسساته. وكذلك نرى ان خطة المجلس تسعى الى ضمان استقرار الاسواق النفطية ولا يكون ذلك الا بموقف موحد من السوق والسعر وإيجاد توازن بين العرض والطلب وهنا تتداخل ادارة الأزمات الطارئة وموقف دول المجلس من هذه الأزمات وإيجاد آلية سريعة للخروج منها دون أية خسائر ولا يكون ذلك إلا باستراتيجية بعيدة المدى يضعها مجلس التعاون الخليجي ويؤسس من خلالها لتحديات المستقبل بشكل عملي كأن يضع احتياطات مالية ونفطية تكون بمثابة مخزون استراتيجي له يساعده في الوقوف بوجه الطوارئ مع اعداد استراتيجية طويلة المدى للعلاقات والمفاوضات الخليجية مع كافة الدول والتكتلات الاقليمية وكذلك الهيئات الدولية كون دول المجلس يمكن أن تكون موحدة في قراراتها وهذه الوحدة هي المؤتمر في عالم اليوم الذي لا يقبل الدول المنفصلة بحدودها الضيقة جغرافيا واقتصاديا. ولعل المجلس يمتلك من المقومات ما يمكن له أن يكون قادرا على الفعل والعمل أكثر من أي تجمع عربي وحتى من بعض التجمعات الاقليمية وخاصة الاقتصادية منها, فعجلة الاقتصاد في دول المجلس تدور متسارعة وبكل قوتها وهي تقدم يوما بعد يوم الدلائل على ذلك. وإذا ما استطاعت دول مجلس التعاون أن تؤسس السوق الخليجية المشتركة وتكون بالمقابل نواة حقيقية لسوق عربية مشتركة فإن ذلك سيضع العرب في مقدمة الأقوياء كونهم يمتلكون كل مقومات التطور ما عدا الوحدة؟! والتي تعتبر الجزء الرئيسي من التطور فلماذا لا تقوم الوحدة الاقتصادية عربيا كونها قادرة على ذلك كي تقف بشكل عملي أمام التجمعات الاقتصادية الكبرى. إن المجلس الآن مهيأ لهذه الوحدة فدول الخليج العربي تتقارب بشكل شبه كامل في مقوماتها الإنسانية قبل كل شيء وما دام الأمر كذلك فإن الاقتصاد ووحدته يعتبر المحرك الفعلي لكل شكل وحدوي تسعى إليه دول المجلس ويسعى إليه الوطن العربي رغم كل التحديات المفروضة سياسيا على عالمنا العربي.