الملف السياسي : متى يخرج (الدينار الخليجى) من شرنقة الحلم ليرى النور؟ هل تدفع معطيات الواقع النقدى العالمى خاصة بعد ميلاد (اليورو) باتجاه تسريع خطوات انشاء عملة خليجية موحدة؟ الى أى مدى يمكن أن يمثل (الدينار الخليجى) قاطرة لوحدة نقدية عربية؟ وأسئلة عديدة أصبحت غير قابلة للتأجيل, بل وتطرح نفسها بشدة وسط زخم التحديات التى يواجهها مجلس التعاون الخليجى, وتفرض مزيدا من خطوات التكامل بين دول المجلس, ومن ثم يتعين أن تكون على رأس (أجندة) المهام الاساسية للمرحلة المقبلة, فى اطار استراتيجية تعزيز التعاون الخليجى لانجاز طموحات المواطن الخليجى فى دول المجلس الست, لاسيما أن ذلك يتم فى ظل مرحلة دقيقة من مراحل التطور الاجتماعى/ السياسى, ومايلقيه من انعكاسات على معطيات الواقع الاقتصادى, بمايؤكد دائما أن التكامل الخليجى (خيار) لا يمكن ابطاء خطواته, بل على العكس لابد من دعمه عبر تفعيل مقررات الاتفاقية الاقتصادية الموحدة, وقرارات القمم الخليجية السابقة, وربطها بجدول زمنى محدد, وآلية للمتابعة تضمن تحويل الاستراتيجيات العامة الى مهام وبرامج محددة وقوانين سارية تضبط ايقاع الواقع الخليجى. جذور عميقة المؤكد أن الرؤية لا تنطلق من أفكار وآمال مجردة, ولكن ثمة ميراث طويل يضرب بجذوره يعود لاوائل السبعينيات من القرن العشرين, أى قبل قيام صرح مجلس التعاون بنحو عقد من الزمان, وتمثلت الارهاصة الاولى فى انشاء لجنة تعاون بين قطر والبحرين وعمان, وفى عام 1972 لصياغة اتفاق بالمبادئ والموضوعات الرئيسية لتدعيم التنسيق الاقتصادى المشترك, وانضمت الامارات لتلك اللجنة عام ,1973 وبمواكبة ذلك قامت (لجنة المشروعات المشتركة) بين دول الخليج العربية الست, وفى مايو 1975 ناقشت اللجنة فى اجتماعها بأبوظبى عدة قضايا كان من بينها توحيد النقد والعملة, وتم الاتفاق مبدئيا على ضرورة توحيد النقد والعملة بين دول الخليج العربية, وتم اتفاق فى هذا الصدد على قيام الصندوق الكويتى للتنمية, والصندوق العربى للانماء بتقديم دراسة حول هذه المسألة. وبالفعل فإن دراسة (صندوق الانماء) أكدت على امكانية قيام اتحاد نقدى بين دول الخليج العربية دون عقبات كبيرة, استنادا الى أن الدول الساعية لهذه الغاية, فضلا عن القواسم المشتركة على كل الأصعدة بما يدعم درجة تجانسها, فانها تملك عملات قابلة للتحويل, ولا تطبق أى قيود على المدفوعات والتحويلات, وتتبع سياسات مالية غير تضخمية, بالاضافة الى أن العملة الموحدة سوف تكون عنصرا ايجابيا فى توثيق العلاقات المالية والتجارية بين دول الخليج العربية. وفى يونيو 1975 اجتمع مرة أخرى فى أبوظبى المسئولون عن النقد فى الامارات والكويت والبحرين وقطر لبحث الاطار التنفيذى لامكانية استخدام عملة مشتركة بين الدول الأربع, وتقرر دعما للتعاون النقدى المشترك الاتفاق على قيام كل مؤسسة نقدية مركزية بالاعلان يوميا عن اسعار تحويل عملة دولتها مقابل عملات الدول الخليجية المشاركة فى اجتماع أبوظبى, وكذلك فتح حسابات بين المؤسسات النقدية المركزية فى تلك الدول لتسوية العمليات فيما بينها بالعملات المحلية مباشرة, واتفاق على تكليف عدد من الخبراء باعداد دراسات حول العملة الخليجية الموحدة. فى السياق ذاته تم عقد اجتماع ثالث بالكويت فى نوفمبر من العام نفسه, قرر تشكيل لجنة عمل تضم ممثلين لكل الهيئات النقدية المركزية, لبحث مسألة تنسيق الاجراءات المتعلقة بأسعار الصرف, ودراسة التعديلات اللازمة لتحقيق الاندماج المالى والنقدى, واعداد مشروع النظام الأساسى لوكالة نقد خليجية مركزية. جهود متواصلة بقيام مجلس التعاون الخليجى تواصلت الجهود فى ذات الاتجاه ونصت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس فى مادتها الثانية والعشرين على ان (تقوم الدول الاعضاء بتنسيق سياساتها المالية والنقدية والمصرفية, وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية, بما فى ذلك العمل على توحيد العملة, لتكون متممة للتكامل الاقتصادى المنشود فيما بينها). وفى عام 1983 تم تشكيل لجنة دائمة من محافظى البنوك المركزية, ومؤسسات النقد فى دول المجلس لوضع نظام لتقريب, ثم توحيد, أسعار الصرف بدول المجلس, و فى العام التالى له تقدمت لجنة فنية من دول المجلس باقتراح يرمى الى انشاء نظام لسعر صرف عملات دول المجلس, يطلق عليه نظام النقد الخليجى سعيا لانشاء وحدة نقدية رسمية يطلق عليها (الدينار الخليجى) كوحدة حسابية بهدف استخدامها كمرجعية, ومثبت لكل العملات الخليجية, على أن تساوى تلك الوحدة (وحدة حقوق سحب خاصة واحدة) غير انه لم يتم اعتماد تلك التوصية رسميا! وتوالت المحاولات, فكلفت الأمانة العامة لمجلس التعاون عام 1986 خبيرا فرنسيا بارزا بإعداد دراسة بشأن تنسيق سياسات أسعار الصرف, رسمت أسسا مفصلة للنظام النقدى الخليجى, لكنها أيضا لم تعتمد! وفى العام التالى له اتفقت دول المجلس على اختيار وحدة حقوق السحب الخاصة كمثبت مشترك لعملات دول المجلس, على أن تكون الهوامش حول أسعار الصرف المركزية لعملاتها بالنسبة الى المثبت المشترك فى حدود 25.7% من السعر المركزى المعلن فى حينه, الا أن الاشكالية التى واجهت الاتفاق تمثلت فى عدم تطوير الآليات الخاصة بتنفيذه, لتتناسب وبنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة, من ناحية, وتوجهات التكامل الاقتصادى والنقدى وفق مقررات القمم واللجان المعنية من ناحية أخرى! وقد بدأ محافظو البنوك المركزية الخليجية منذ أواخر 1992 فى دراسة كيفية ربط عملات دول مجلس التعاون بسلة عملات واحدة, ووضع مثبت مشترك لها, لاصدار عملة خليجية موحدة. وإذا كان السبيل المتبع لانجاز هدف العملة الخليجية الموحدة يسير وفق منهج (خطوتان للامام.. خطوة للخلف) فان العوامل المحفزة لاستكمال الشوط حتى نهايته عديدة, اذ أن اقامة سوق نقدية خليجية تخلق المزيد من أوجه التفاعل بين دول المجلس كتكتل مع الأسواق العالمية التى تبلورت فى صورة تكتلات عملاقة, وربما كانت العراقيل التى تعترض الشراكة بين أوروبا ومجلس التعاون تدعو الى ضرورة التسريع بخطوات التكامل الاقتصادى الخليجى, وصولا الى مرحلة السوق المشتركة, وليس فقط قيام الاتحاد الجمركى الذى تم ارجاء تطبيقه الى مارس 2005 بدلا من مارس ,2001 ثم ان تحري الاستثمارات الخارجية الخليجية بعملة موحدة يحافظ على قيمة تلك الاستثمارات بشكل أفضل, كما يؤدى الاتحاد النقدى, واصدار عملة موحدة الى زيادة التعاون الاقتصادى بين دول المجلس, عبر زيادة مبادلات التجارة والخدمات, ممايوسع بالتالى القاعدة الاقتصادية للمجلس, ويؤدى لتعظيم الثقل الاقتصادى الخليجى على الصعيد العالمى. ولعل إرجاء خطوة اعلان الاتحاد الجمركى الخليجى, طبقا لما قررته القمة الخليجية السابقة ممايعنيه من تراجع لمسيرة المجلس يمكن أن يعوضه خطوة أخرى بنفس المستوى على صعيد الاندماج النقدى, اذ أن تشابك المصالح بين المؤسسات والفعاليات الاقتصادية, وزيادة معدلات التبادل التجارى يستلزم عند حد معين توجها نحو اندماج نقدى, بل أن الأمر يمكن أن يشكل فى المحصلة النهائية حافزا للعمل على تحقيق الهدف الأسمى, بأن تكون العملة الخليجية الموحدة قاطرة لـ (عملة عربية موحدة). البيضة أم الدجاجة؟! ان دروس الأمس القريب تؤكد على صواب هذا التفكير كاتجاه استراتيجى بل وخطأ عدم اتخاذ خطوات تنفيذية لتحقيقه, فأثناء حرب الخليج الثانية أصبحت قيمة الدينار الكويتى أقل من ثمن الورقة المطبوع عليها! ورفض الجميع اعتماده كعملة متداولة, ولو كان الدينار الخليجى الموحد مستندا الى النفط, كغطاء مضمون لقرن من الزمان, هو العملة المتداولة حينذاك على مستوى دول مجلس التعاون, لكان الأمر قد اختلف تماما, لأن المخاطر يتم توزيعها, اذ أن توقف جزء من الاقتصاد الخليجى كان يعنى أن تعوضه الاجزاء الأخرى الفعالة. هكذا: فان قيام اندماج نقدى, واصدار دينار خليجى موحد سوف يعمل على احلال الفعل الجماعى فى المضمار النقدى والمالى محل الفعل الفردى, من ثم فإنه لا معنى للدخول فى جدل عقيم على طريقة البيضة أم الدجاجة حول ايهما أسبق: الاندماج الاقتصادى بخطوات كالاتحاد الجمركى والسوق المشتركة أولا, أم خطوات موازية وفعلية على طريق الاندماج؟ فإن كان المتاح مواتيا لبدء خطوات على طريق الاندماج النقدى الخليجى, فلا معنى لتأجيله أكثر من ذلك, وحتى تتم آخر خطوة من خطوات الاندماج الاقتصادى. بل ربما يكون تحقيق انجاز عملى فى الجانب النقدى, حافزا للتعجيل بانجاز الاندماج الاقتصادى الكامل, اذ أن العملة الخليجية الموحدة سوف تخلق حتما ظروفا أكثر ملاءمة اذا ماأحسن استثمارها فى هذا الاتجاه. وثمة اجتهادات يمكن طرحها فى هذا السياق يمكن أن تساهم فى رسم بعض جوانب تعزيز التعاون النقدى بين دول مجلس التعاون, على صعيد انشاء عملة خليجية موحدة بدءا بتصعيد وتيرة التنسيق بين المؤسسات المصرفية الخليجية حتى تصبح هيكلتها متقاربة, اذ أنها تشكل العمود الفقرى للنظام المالى والنقدى, مرورا بدرجة أعلى من تنسيق السياسات النقدية عبر التحكم بنسبة التضخم المالى, وتنسيق سياسة القرض والائتمان بتوحيد نسب الفائدة, وصولا الى العمل على اقامة اتحاد نقدى جزئى عبر نظام موحد للمدفوعات بين دول المجلس وصولا الى المباشرة فى انشاء (مجلس نقد خليجى) يقوم بعدد من الوظائف كتجميع الاحتياطى, على أن تقوم الدول الأعضاء بإيداع جزء من احتياطياتها النقدية لدى مجلس النقد الخليجى الذى يمكن اعتباره نواة لبنك مركزى خليجى, وأخيرا اعتماد وحدة حسابية مشتركة على غرار (الايكو) فى تجربة الوحدة الأوروبية وكعملة موازية لتسوية المدفوعات بين دول المجلس, وهنا تجدر الاشارة الى انه بوسع الامانة العامة لمجلس التعاون أن تتعامل مع تجربة (اليورو) كنموذج يمكن الاستفادة من دروسها, ومراحل تنفيذها مع مراعاة خصوصية الوضع فى اطار مجلس التعاون. وعلى المستوى العملى: فإن البداية يمكن أن تنطلق من تكوين وحدة حسابية تستند الى معايير برميل النفط, بحيث يكون سعر النقد الذى يعبر بوحدات نقدية خليجية محتفظا بنفس القيمة دون أن يتأثر بتقلبات الدولار فى سوق العملات الأجنبية, من ثم فان الوحدة النقدية الخليجية (الحسابية) التى تعبر بشكل متواصل عن قيمة برميل النفط تمثل مجموع قيم متعادلة للعملات الأجنبية الأساسية (كاليورو, والين اليابانى الى جانب الدولار على سبيل المثال) وتطور وحدة من تلك العملات سوف يؤدى الى تعديل فى قيمة العملات الأخرى. واذا حدث فرضا ارتفاع للدولار حيث القيمة, فأن عدد العملات الأخرى المكونة للوحدة النقدية ينبغى أن يعدل من أجل المحافظة لكل من هذه العملات على قيمة مساوية لقيمة الدولار, أما فى حالة حدوث انخفاض, فإن عدد الدولارات اللازمة لتمثيل قيمة مساوية لهذه العملة أو تلك, ينبغى أن يعدل بإضافة عدد محدد من الدولارات. إن ميزة تلك الوحدة النقدية (الحسابية) تتمثل فى انها يمكن أن تستمر فى مساواتها لقيمة برميل النفط مهما كان سعره, ولكن عدد الوحدات المكونة للوحدة النقدية سوف يعدل يوميا طبقا للقيمة ككل من هذه العملات فى سوق الصرف ووحدة الحساب على هذا النحو تتجاوز مرحلة مجرد وحدة قياس لتصبح مع الوقت وحدة نقدية حقيقية, ولا يبقى بعد ذلك سوى المسائل الاجرائية. ولا تهم فى هذا السياق مناقشة التفاصيل الفنية, لكن المهم بالفعل اتخاذ خطوات ديناميكية تعجل بالوصول الى الهدف المتوخى عبر خطوات مدروسة, تبدأ بامتلاك نظرة مشتركة للأهداف المنشودة, مرورا بتنسيق السياسات المالية والنقدية والضريبية, ثم تكوين وحدة حسابية اقليمية, وصولا الى ميلاد الدينار الخليجى الموحد. والى حد بعيد, فإن تحقيق مثل هذه الخطوة يمكن ان يؤدى الى تحفيز عملية الاندماج الاقتصادى الخليجى من ناحية, وحرق مراحل باتجاه ميلاد الدينار العربى الموحد, فهل يمكن أن تتحول الفكرة من الأمل الى واقع؟ الاجابة لابد أن تكون بـ (نعم), حتى لا يظل الواقع الخليجى بل والعربى أسيرا لمنطق عفى عليه الزمان! واذا كان مجلس التعاون لم يستطع انجاز الوحدة السياسية حتى الآن, فإن باستطاعته السعى نحو (الفيدرالية الاقتصادية) حتى لا يصبح مهددا باللعب خارج القواعد الحاكمة للمتغيرات الاقتصادية العالمية. مطلوب اذن من القمة الخليجية أن تتحمل مسئوليتها التاريخية فى اتخاذ قرارات باتجاه مزيد من التكامل الاقتصادى والنقدى, والتى لن تقتصر اثارها على دول مجلس التعاون فحسب, لكنها أيضا سوف تلقى بظلال ايجابية على المنظومة الاقتصادية العربية بالكامل, متناغمة مع المستجدات التى يشهدها الاقتصاد الدولى, والمحاولات التى سوف يشهدها القرن الجديد لقيام نظام نقدى دولى جديد, من ثم فانه لا يجب أن تكتفى القمة الخليجية بتوصية عامة على غرار ماحدث فى القمة السابقة التى اكتفت بتكليف المجلس الأعلى, ولجنة التعاون المالى والاقتصادى بمراجعة الاتفاقية الموحدة, بمايكفل تعزيز هياكل دول المجلس وتحقيق المصالح المشتركة! بل أن القمة مطالبة بالاتفاق على خطط واضحة, يتجاوز المجلس من خلالها محطته الأولى التى طال مداها ومساحتها الى مسار قادر على مواجهة تحديات العولمة, خاصة مايتعلق بهيمنة (منظمة التجارة العالمية) والشركات متعددة الجنسيات, ولن يتحقق ذلك الا باستبعاد المغالاة فى التعاطى مع الاعتبارات السيادية, وربما كان فى درس رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التى قررت تسريع وتيرة الاندماج الاقتصادى بهدف انشاء سوق مشتركة, والتطلع الى انشاء بنك مركزى واحد وعملة موحدة النموذج الذى يمكن الاقتداء به. ان ولادة الدينار الخليجى الموحد بعد المخاض العسير والطويل أصبح الآن ضرورة أكثر من أى وقت مضى, وربما كان الأمر تكتنفه بعض المصاعب, لكنه بالقطع غير مستحيل, وبالتأكيد مع وجود الارادة السياسية, والوعى بالمصلحة الخليجية والعربية, قوميا واقليميا يمكن أن يكون ميلاده (الدينار الخليجى) أمرا ممكنا خلال مساحة زمنية لا تتجاوز العقد الأول من القرن الـ 21.