الملف السياسي : تعتبر منطقة الخليج العربي احدى المناطق الاستراتيجية المهمة في عالمنا المعاصر, وتتزايد اهميتها مع زيادة اهمية البترول كسلعة اقتصادية استراتيجية بالاضافة الى الاهمية الجيوبولوتيكية للمنطقة ، لدرجة اصبحت واحدة من اكثر المناطق حساسية في العالم, فالموقع الاستراتيجي للخليج بين قارات العالم القديم, وبين الغرب الاوروبي والشرق الآسيوي, ويوجد على مدخل الخليج مضيق هرمز الذي يمثل عنق الزجاجة حيث من يسيطر عليه يسيطر على الملاحة في الخليج, ويمر بالخليج 50% من ناقلات البترول في العالم, واقتصاديا يعتبر البترول هو السلعة الاستراتيجية الاساسية حيث يمثل بترول الخليج 40% من اجمالي الانتاج العالمي و60% من الاحتياطي العالمي, وسياسيا فقد ادت دول الخليج دورا اساسيا مهما في حرب اكتوبر عام 1973 بايقافها لتصدير البترول الى الدول التي ايدت اسرائيل. وقد أجبر ذلك بعض الدول الاوروبية على اتخاذ قرارات في صالح القضايا العربية, وتعتبر دول الخليج الست الاكثر استقرارا وتجانسا في الانساق الاقليمية العربية بحيث تشهد الانساق الاخرى, خلافات ضاربة حالت دون تحقيق اي شكل للتكامل وبقيت عرضة لتقلبات الرياح السياسية المتقلبة. لقد قطعت دول الخليج الست (مجلس التعاون الخليجي) اشواطا كبيرة نحو تحقيق اهدافها لخلق (البيت الخليجي المشترك) في استعارة لوصف ديجول في الخسمينيات (البيت الاوروبي المشترك) فمنذ قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1981 حافظت دوله على تماسك البيت الخليجي, في مواجهة العواصف والاعاصير الاقليمية والدولية. وتعمل على تفعيل وتطوير وتقارب وجهات النظر والسياسات, واتخاذ القرارات الانعطافية, لتفعيل المؤسسات المشتركة. واستباق تحدي التكتلات الاقتصادية والسياسية العالمية, واتخاذ القرارات السياسية والامنية والاقتصادية التي هي على تماس مباشر مع معمارية التكامل في الحقلين العسكري والاقتصادي, ومن خلال ارساء اسس الجيش الخليجي الواحد, والحوض الاقتصادي الواحد, الا ان مجلس التعاون الخليجي يبقى امام تحديات اقليمية خطرة تستدعي رسم استراتيجية واحدة اتجاهها, وترتيب الاولويات في معالجة هذه التحديات. يرتبط مفهوم الامن القومي لدول الخليج العربي بالمتغيرات التي تحدث على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي والتهديدات الموجهة لها. وهذه التحديات تتمثل في المسألة العراقية وضرورة اتخاذ موقف موحد وحازم يراعي المصلحة العربية الكبرى وطي هذه الصفحة, وتجاوز الترسبات السياسية والنفسية وادخال العراق من جديد ضمن منظومة الامن الاقليمي, وفق ميثاق جامعة الدول العربية والشرعية الدولية. خصوصا ان العراق بدأ ليعود الى الاسرة العربية والدولية. وسيكون رفع الحصار عنه على جدول اعمال القمة العربية المرتقبة في مارس المقبل وضرورة افهام الولايات المتحدة بأن سياسة الردع الساخن مع العراق توتر المنطقة وتفاقم التجاذبات وتخل بالتوازنات ولا تحل المشكلة بقدر ما تؤججها. قد يكون من غير المنطقي ومن غير الواقعي عدم الاعتراف بخلافات بين شركاء البيت الخليجي, وبعضها يتعلق بمسائل حدودية وإن كانت تحت السقف ومستوعبة الا انها بحاجة لحل حتى لا تكون قنبلة موقوتة, تلعب الدول الكبرى على اوتارها. ولعل التحدي الابرز والخطير هو التحدي المتمثل بالخطر الاسرائيلي وهذه الاخيرة, ان لم تكن تهدد امن الخليج بشكل مباشر فالتهديد يأخذ اشكالا مختلفة من خلال محاولاتها التغلغل في الخليج ومن خلفها القوى اليهودية في العالم. الداعمة لهذه السياسة التوسعية عن طريق اقامة علاقات مع دول الخليج وهذا الخطر له اوجه عديدة اهمها: 1ــ التخريب الثقافي ببث افكارها المعروفة جيدا والمستقاة من عقيدتها التلمودية العنصرية التخريبية بضرب القيم والاخلاق والعادات العربية العريقة, وقد وعى المثقف والسياسي في الخليج هذا الخطر فكان (المؤتمر الخليجي الشعبي لمقاومة التطبيع الذي عقد في الكويت برئاسة فهد النفيسي, بمشاركة شخصيات ثقافية و فكرية وسياسية خليجية معروفة. 2ــ الابتزاز الاقتصادي, وقد ظهر جليا خلال المؤتمرات الاقتصادية او ما عرف بالمفاوضات المتعددة الاطراف وقراءة للمشاريع الاسرائيلية الشرق اوسطية تبين المرامي الاسرائيلية للسيطرة على المنطقة وعينها على المال الخليجي في التمويل. 3ــ ضرب وتفكيك وحدة الموقف السياسي الخليجي تجاه القضايا المصيرية للأمة العربية وتاليا القضايا المصيرية لدول الخليج من خلال اقامة علاقات سياسية بالشكل الذي تم مع الشقيقة قطر وكاد يهدد انعقاد القمة الاسلامية الاخيرة. ومثل هذه العلاقات تهدد استقرار المنطقة نتيجة طبيعية للرفض الشعبي لاسرائيل وهي ترتكب المجازر بحق شعبنا الفلسطيني, ولا تلتزم بالقرارات الصادرة عن هيئة الامم المتحدة ومجلس الامن. وتعمل ــ اسرائيل ــ ضمن المنهجية الصهيونية التوسعية للسيطرة على المنطقة, ولما تمتلكه من ترسانة جبارة من الاسلحة فقد قامت يوم الاحد الماضي وحسب صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية, اذ ارسلت غواصاتها النووية الثلاث الجديدة التي حصلت عليها من ألمانيا في جولة استعراضية في مياه الخليج لايصال رسالة واضحة, واستعراض منطق القوة, اضافة الى محاولات سيطرتها على البحر الاحمر وطبعا هذا بدوره يؤثر على امن الجزيرة العربية بكاملها. 4ــ محاولاتها المنظمة لمنع دول الخليج الحصول على السلاح وصفقة اواكس في مطلع الثمانينيات للسعودية لاقت عراقيل مرعبة من جماعات الضغط اليهودية في امريكا وضمن منطقها وسياستها لن تدع دولة في المنطقة تنافسها عسكريا. باعتقادي انه التحدي الاكبر الذي يستوجب وضع استراتيجية خليجية بالتنسيق وضمن الاستراتيجية العربية العامة. وهذا التحدي له صعوبته الخاصة, نتيجة لطبيعة العلاقة المزدوجة لامريكا مع اسرائيل ومع دول الخليج وتتفاقم هذه المشكلة مع عدم استجابة اسرائيل للمبادرة الامريكية لاحلال السلام التي انطلقت من مدريد, وعدم قدرة امريكا على الضغط على اسرائيل. وهذا يدعو الى البحث عن آفاق جيدة في العلاقات الدولية, لتحقيق نوع من التوازن من اجل الوصول الى سياسة الاعتماد على الذات للدفاع عن امن الخليج ورفض مفهوم التحالف الدفاعي بين دول الخليج والقوى الخارجية للدفاع عن امن الخليج. اذن البيت الخليجي لابد له في مواجهة هذه التحديات الى سياسة الاعتماد على الذات للدفاع عن امن الخليج ورفض مفهوم التحالف الدفاعي بين دول الخليج والقوى الخارجية للدفاع عن امن الخليج. فالبيت الخليجي لابد له من مواجهة هذه التحديات من تعزيز التلاحم وتصعيد وتيرة التنسيق والاندماج في تشكيل القوة الدفاعية, والتناغم في صياغة السياسات الكبرى في عالم التكتلات الكبرى.