الملف السياسي : أكد الدكتور عمر الحسن رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن هناك عدة مؤشرات على أن المرحلة القادمة ستشهد المزيد من خطوات التكامل السياسى والاقتصادى، بين دول مجلس التعاون الخليجى أهمها تسوية بعض من دول المجلس لخلافاتها الحدودية مع بعضها البعض, وتوسيع أطر المشاركة الشعبية فى اطار المجلس, واعتماد بدء العمل بالاتحاد الجمركى لدول المجلس اعتبارا من أول مارس 2005 وتأسيس وانشاء العديد من الأجهزة الاقتصادية. وأضاف فى حواره لـ (الملف) انه وبرغم التحديات الداخلية والخارجية التى واجهت عمل المجلس الا انه نجح بالفعل فى تحقيق الكثير من طموحات المواطن الخليجى, وقال انه فيما يتعلق بالعلاقة مع اسرائيل فإن الموقف العام بالنسبة لدول المجلس هو انه لا تطبيع مع اسرائيل الا بعد التوصل الى تسوية شاملة للصراع العربى الاسرائيلى.. وفيما يلى نص الحوار: * هل تشهد الفترة المقبلة مزيدا من خطوات التكامل السياسى والاقتصادى بين دول مجلس التعاون؟ ـ تشهد مسيرة التعاون والتكامل الاقتصادى والسياسى بين دول مجلس التعاون الخليجى منذ نشأته فى عام 1981 وحتى الآن تقدما وتطورا نسبيا, وخاصة فى ظل الاتجاه العالمى نحو التكامل والاندماج, حيث تحتم الظروف الدولية والاقليمية على كل أمة أو مجموعة متقاربة من الدول أن تلتمس مالديها من الوسائل التى تؤدى الى زيادة قوتها وتماسكها, وهناك عدة مؤشرات على أن المرحلة القادمة ستشهد المزيد من خطوات التكامل السياسى والاقتصادى, لعل أهمها تسوية بعض من دول المجلس لخلافاتها الحدودية مع بعضها البعض, مثل: الامارات وعمان, والسعودية والكويت وتوسيع أطر المشاركة الشعبية فى اطار مجلس التعاون من خلال انشاء هيئة استشارية تتشكل من مواطنى دول المجلس ذوى الخبرة والكفاءة وتتولى ابداء الرأى فيما يحيله المجلس الأعلى اليها من أمور وتعد ارهاصة لتشكيل برلمان خليجى على غرار البرلمان الأوروبى واعتماد بدء العمل بالاتحاد الجمركى لدول المجلس اعتبارا من أول مارس ,2005 وتعديل الرسوم الجمركية لتصبح بواقع 5.5% على السلع الأساسية وعددها 534 سلعة و5.7% على بقية السلع وعددها 700 سلعة واعفاء 53 سلعة من الرسوم الجمركية. * ماهى أبرز التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تواجه المجلس؟ ــ يواجه مجلس التعاون العديد من التحديات, فعلى المستوى الأمنى, تبرز قضية العمالة الوافدة, وتوطين الوظائف, والتركيبة السكانية وتنامى ظاهرة المخدرات, وارتفاع معدلات الجريمة, والنزاعات الحدودية مما يتطلب من دول الخليج ايجاد آلية خليجية فعالة ومناسبة لمواجهة ذلك التحدى الذى يمكن أن ينفجر بين عشية وضحاها, وينعكس أثره على مسيرة العمل الخليجى المشترك, يضاف الى ماسبق مخاطر الاستهداف من قبل جهات خارجية فى عمليات غسيل أموال أو تزوير عملة وغيرها من الجرائم الاقتصادية. وعلى المستوى السياسى, تواجه دول مجلس التعاون العديد من التحديات, لعل أبرزها الملف العراقى وماينطوى عليه من تعقيدات, والمخاطر التى تمثلها اسرائيل بالنظر لتطلعاتها فى المنطقة, ومحاولاتها اختراق الداخل الخليجى عن طريق جهاز المخابرات متخذة السياحة والاقتصاد كذريعة لذلك. أما بالنسبة للتحديات الاقتصادية, فإن دول مجلس التعاون تواجه بنوعين من التحديات هما: أ ــ تحديات داخلية وتتمثل فى عدم استقرار أسعار النفط وضعف القطاعات الانتاجية غير النفطية, وضعف التدفقات الاستثمارية الأجنبية الى دول الجلس وتراكم عجز الموازنات العامة لدول المجلس وندرة الموارد البشرية وتنامى اعداد العمالة الأجنبية الوافدة ونقص الموارد المائية اللازمة للاحتياجات السكانية. ب ــ التحديات الخارجية: فقد تأثرت دول المجلس بالتحولات الاقتصادية الدولية التى بدأت بالظهور منذ بداية التسعينيات, مثل العولمة الاقتصادية, وأسلوب التعامل مع المنظمات والتكتلات الاقتصادية العالمية المختلفة مثل: البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية, فضلا عن حركة الاندماجات العالمية. أضف الى ذلك التحديات الاجتماعية وتتمثل فى معدل الزيادة السكانية المرتفع الذى يمثل عامل ضغط على الموارد وخاصة فى الدول قليلة الانتاج للبترول, والبطالة, والتداعيات المجتمعية السلبية لاستقدام العمالة الأجنبية وغيرها. وتكمن التحديات الثقافية فى مظاهر الاختراق الثقافى والاعلامى المختلفة. * ماذا عن منظومة العلاقات بين المجلس ودول الجوار؟ ـ تنهض السياسة الخارجية لدول المجلس على عدة مبادئ أساسية هى الحيادية, واحترام الالتزامات العربية والدولية, وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى, والتأكيد على العدل والسلام العالمى, وهذا ماينعكس على علاقاتها مع كل من العراق وايران على وجه الخصوص. فبالنسبة للعراق قدمت دول المجلس ابان حرب الخليج الأولى الدعم السياسى والعسكرى والمالى للعراق, ولكن بغزوه للكويت انقلبت الموازين, فقد أدى الغزو الى تحول كبير فى مدركات التهديد الخليجية ومصادرها فالعراق أضحى أحد هذه المصادر بعدما كان اداة التوازن فى منطقة الخليج. وقد بدأت تظهر مؤخرا, خطوات انفتاحية من قبل بعض الدول الخليجية تجاه العراق, ضمن اطار مسلم به لدى الجميع وهو ضرورة الالتزام العراقى بقرارات الشرعية الدولية, وابداء حسن النوايا فى التعامل مع جيرانه وخاصة الكويت والسعودية. أما عن العلاقة مع اسرائيل, فإن الموقف العام لدول المجلس, هو أنه لا تطبيع مع اسرائيل الا بعد التوصل الى تسوية شاملة للصراع العربى الاسرائيلى. الا أن اسرائيل استطاعت أن تحقق بعض الاختراقات سواء فى علاقتها مع سلطنة عمان أو قطر. وقد أغلقت السلطنة المكتب التجارى الاسرائيلى فى مسقط بعد اندلاع انتفاضة الأقصى, فى حين ظلت قطر معارضة لذلك الى أن اضطرت لاعلان اغلاقه قبل أعمال القمة الاسلامية التى استضافتها فى نوفمبر 2000. * ماذا عن مواقف المجلس الخاصة بمقاطعة اسرائيل فى ضوء الانتفاضة الفلسطينية؟ ــ تقوم دول مجلس التعاون الخليجى بتقديم الدعم المادى والمعنوى لكافة القضايا العربية وبخاصة قضية الصراع العربى الاسرائيلى, باعتبارها جزءا لا يتجزأ من النظام العربى وعنصرا فاعلا فيه, وقد جاءت انتفاضة الأقصى فى سبتمبر 2000 لتوضح ذلك, حيث هبت دول المجلس الى نصرة ودعم انتفاضة الشعب الفلسطينى على مستويين متوازيين الأول: هو المستوى الرسمى, حيث اتخذت دول المجلس اجراءات وسياسات حازمة بشأن مقاطعة اسرائيل, وداعمة للسلطة والانتفاضة الفلسطينية, تمثلت فى: قيام سلطنة عمان بقطع علاقاتها التجارية مع اسرائيل, واغلاق مكتب التمثيل التجارى الاسرائيلى فى مسقط واغلاق مكتبها فى تل أبيب. الاقتراح الذى تقدمت به المملكة العربية السعودية الى مؤتمر القمة العربية الذى عقد بالقاهرة فى شهر أكتوبر 2000 والخاص بانشاء صندوقين لدعم صمود الشعب الفلسطينى. والثانى: وهو المستوى الشعبى, حيث أدت انتفاضة الأقصى الى تضامن شعبى غير مسبوق مع الشعب الفلسطينى, حتى أن الاعلام الفلسطينية قد تم رفعها فى الكويت لأول مرة منذ الغزو العراقى للكويت, كما نشطت حركة شعبية لمقاطعة البضائع اليهودية, فضلا عن حملة التبرعات التى قدمها المواطنون الخليجيون للشعب الفلسطينى, حيث توالت رحلات الطائرات المحملة بالأغذية والأدوية والمساعدات الانسانية المقدمة من دول المجلس الى الفلسطينيين. وامتدت حملة التبرعات الى الامراء والقادة الخليجيين الذين قدموا ملايين الدولارات لمساندة دعم وصمود الشعب الفلسطينى. * هل حقق المجلس طموحات شعوب المنطقة؟ ــ برغم كثرة التحديات الداخلية والخارجية التى واجهت عمل المجلس الا انه نجح بالفعل فى تحقيق الكثير من طموحات المواطن الخليجى, فهو تجربة التكامل الفرعية العربية الباقية من بين التجارب الأخرى, فقد تميزت مؤسسة القمة الخليجية بالانتظام والاستمرار دون انقطاع حتى فى أحلك الظروف وذلك إبان الغزو العراقى للكويت, بما يعنى الايمان الخليجى بضرورة المجلس وحتمية بقائه, ونجاحه فى انشاء العديد من الهياكل والبنى السياسية بما يتماشى ويتواكب مع المتغيرات الاقليمية والدولية, وقطع خطوات ملحوظة فى طريق التكامل الاقتصادى والسياسى والعسكرى, ويتمتع بقوة تفاوضية لها وزنها فى مواجهة التكتلات العالمية وفى مقدمتها الاتحاد الاوروبى, ونجاحه فى تجاوز الخلافات السياسية والحدودية بين دوله. * كيف يستطيع مجلس التعاون مواجهة التكتلات العالمية المختلفة؟ ـ ترتبط دول مجلس التعاون بعلاقات قوية ومتينة مع المنظمات الاقليمية والعالمية المختلفة, حيث تعتبر السعودية من الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة وذلك فى عام 1945 ولها صلات تعاون وثيقة مع كل وكالاتها وأجهزتها, ولها بعثة دائمة منذ نشأة نظام البعثات الدائمة عام ,1949 وتلا ذلك انضمام بقية دول المجلس بعد استقلالها عن بريطانيا, وبلغت نسبة المساهمات المالية لدول المجلس فى ميزانية الأمم المتحدة عن عامى 1995ــ 1996 حوالى 29.1% (الامارات 19.0% والبحرين 02.0% وقطر وسلطنة عمان 04.0% والكويت 20.0% والسعودية 80.0%). أما الجامعة العربية, فقد ساهمت السعودية فى انشائها عام ,1945 أما الكويت فقد انضمت للجامعة فى يوليو , 1960 وانضمت بقية دول المجلس بعد الاستقلال عام ,1971 وتقدم دول مجلس التعاون الجزء الأكبر من المساهمة فى ميزانية الجامعة أيضا. وبالنسبة لمنظمة المؤتمر الاسلامى, فقد كانت السعودية والكويت من الدول المؤسسة لها, ثم انضمت الدول الأربع الأخرى بعد استقلالها فى عام ,1972 وتسهم دول المجلس الست فى أنشطة المنظمة ودعم أجهزتها, بنسبة تصل الى أكثر من 50% من ميزانياته الفعلية. ومن ناحية أخرى, يرتبط مجلس التعاون بعلاقة وثيقة مع دول الاتحاد الأوروبى تحكمها اتفاقية التعاون الاقتصادى الموقعة فى عام 1988. والعامل الأساسى مع هذه التكتلات من موقع الند هو تسريع خطى التكامل الاقتصادى والسياسى بين دول المجلس. * ماهى أبرز مهام المرحلة المقبلة فى ضوء استراتيجية تعزيز التعاون بين دول المجلس, وتسهيل ممارسة الأنشطة الاقتصادية للمواطنين الخليجيين وانشاء عملة خليجية موحدة؟ ـ فى ضوء التحديات الأمنية والاقتصادية التى تواجه دول المجلس, فإنه من مستلزمات ومتطلبات المرحلة المقبلة, تجاوز الخلافات الحدودية بين بعض الدول عبر آلية لفض المنازعات, أو عن طريق انشاء محكمة عدل خليجية فى اطار مجلس التعاون يكون اللجوء اليها ملزما وليس اختياريا, لحل أى نزاع فى الاطار الخليجى وعدم اللجوء الى أى أطر أخرى قد لا تراعى ظروف العلاقات بين دول مجلس التعاون, وصياغة سياسية خليجية واحدة تجاه العنف والارهاب, ومنغصات الأمن والاستقرار الأخرى.