الملف السياسي : تتوجه أنظار مواطني دول مجلس التعاون الخليجي صوب العاصمة البحرينية لرصد ومراقبة القمة الواحدة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي, على امل ان تخرج قمة المنامة عن الصيغ التقليدية التي اتسمت بها القمم السابقة. * فما الذي ستخرج به القمة المقبلة؟ وهل ستكون احتفالية, تطغى عليها السمة المناسباتية والرسمية ويجري تأجيل القضايا المفصلية المهمة التي تمر بها المنطقة؟ أم ان الهدوء الذي اتسمت به الأيام السابقة على انعقادها ــ القمة ــ تعكس شيئاً غير عادي قد تلج اليه اعمال القمة؟ ـ تساؤلات مشروعة, وهي كثيرة لدرجة ان العديد من المراقبين يثيبرون تساؤلات اخرى ازاء الاجواء التي تعيشها المنطقة, على المستوى الرسمي على الاقل, والتي تبدو انها مثقلة بهموم عديدة تقود الى هاجس امكانية التوصل الى نتائج جماعية تفيد التوجه الأول الذي أعلن مع تأسيس المجلس في قمة أبوظبي في مايو من العام 1981. إلا ان مراقبة ورصد مواطني المنطقة لقمة المنامة ليست كسابقاتها. هذه المرة لن يقتنع المواطن الخليجي بتأجيل قضايا مفصلية أو تحويلها الى لجان وزارية تفرخ لجانا فنية لمناقشة قضايا تتطلب السرعة في البت ومن أعلى السلطات. * اذن فما الذي ستناقشه القمة؟ ـ بالرغم من الهدوء الكبير, وقلة التصريحات الرسمية, إلا ان بعض المعلومات التي رشحت تفيد بأن محور قمة المجلس الأعلى لدول التعاون قد يكون اقتصاديا, وان القضايا الاخرى مثل الجوانب السياسية والامنية والعسكرية قد تكون قضايا ثانوية أمام القادة مقارنة بالهم الاقتصادي. ولعل ما يبرر هذا القول يتركز حول ما رشح عن مسئولين خليجيين ازاء الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي اقرت قبل ثمانية عشر عاما وشهدت تطوير بعض بنودها, علما ان التطبيق لم يشمل كل البنود, وخاصة التعرفة الجمركية الموحدة تجاه الخارج, والتي تشكل نقطة انطلاق لتأسيس سوق مشتركة يفترض ان تؤدي الى توحيد السوق. وفي هذا المجال طرأ الحديث حول توحيد العملات الخليجية التي جاءت في الفصل الثالث ــ المادة السادسة من الاتفاقية الاقتصادية والتي جاء في فقرتها الأولى (بهدف تحقيق الاتحاد النقدي والاقتصادي بين دول المجلس بما في ذلك توحيد العملة, تقوم لجنة التعاون المالي والاقتصادي ولجنة المحافظين بوضع برنامج عمل وفق جدول زمني محدد لتحقيق متطلبات هذا الاتحاد بما في ذلك احراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في كافة السياسات الاقتصادية, لا سيما السياسات المالية والنقدية, ووضع معايير لتقريب معدلات الأداء الاقتصادي ذات الأهمية لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي, مثل معدلات العجز والمديونية والأسعار). * وإذا كانت قضية توحيد العملة والاتفاقية الاقتصادية هي التي ستتصدر اعمال القمة, فكيف يمكن انجاز هذه الخطوة المهمة بعد ثمانية عشر عاما من التواضع وعدم القدرة على انجاز المفاصل الرئيسية في هذه الاتفاقية؟ ـ من المعروف انه, وباستثناء دولة الكويت, فإن العملات الخليجية مرتبطة بوحدات الصرف الخاصة, أي ان سعر صرف خمس عملات خليجية مرتبط بالدولار الأمريكي. وهي اسعار صرف ثابتة تجاه الدولار منذ ان اعلن عن هذا النظام المالي, في الوقت الذي تنفذ فيه الكويت نظام اسعار صرف خاضعا لسلة عملات. ظاهرياً قد يكون توحيد العملات هو مسألة غير معقدة, في الوقت الذي تؤكد فيه العناصر الاقتصادية الاخرى غير ذلك. فمعدلات العجز والمديونية والاسعار ليست ثابتة وتتعرض لهزات متتالية بسبب تذبذب اسعار النفط الذي يشكل العمود الفقري للايرادات العامة لدول التعاون ناهيك عن تفاوت الاداء الاقتصادي بين فترة وأخرى. فالسعودية, مثلا والتي تشكل اكبر قوة مالية في دول المجلس, يبلغ دينها الحكومي نسبة 102%. ويصل ناتجها المحلي الاجمالي المتوقع لهذا العام 139 مليار دولار امريكي, وان فائض الميزانية لهذا العام يقدر بـ 3.13 مليار دولار وذلك للمرة الأولى منذ العام 1981و يتوقع ان يرتفع الناتج الاجمالي المحلي السعودي في العام المقبل الى 265 مليار دولار تليها دولة الامارات 10.55 مليار دولار ثم الكويت 840.27 مليار دولار فعمان 75.17 مليار دولار وثم قطر 43.15 مليار دولار وأخيراً البحرين 375.7 مليارات دولار. ان هذا التفاوت في الناتج الاجمالي المحلي, لا شك انه سيشكل معطياته الخاصة ازاء العديد من مسائل توحيد الخطوات الاقتصادية وآلية العمل بها والشروط التي ستفرضها هذه المعادلات. ورغم ذلك فإن البنية التحتية للاقتصاد تتماثل في دول التعاون حتى التطابق, الأمر الذي يشجع على سبر غور الوحدة الاقتصادية بعقلانية تؤمن بأن السوق العالمي لا ينتظر المتفرجين والمترددين في صياغة مستقبل تكتلاتهم, بل ان الثورات التقنية والمعلوماتية والانقلابات في العناصر المؤسسة للاقتصاديات المتينة... كلها عوامل تفرض ان تتحرك آليات العمل الخليجية. فحسب وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبدالله, فإن (دول المجلس متماثلة بنسبة 90% وباقي سن القوانين) والسؤال هنا: * لماذا لا تسن القوانين الموحدة للاقتصاد؟! ـ يبدو ان الهاجس المحلي ــ الداخلي ــ القطري هو الذي لا يزال طاغيا, ولذلك نلاحظ طبيعة الاقتصاديات الخليجية وتنافرها بدلاً من تقاربها وتنسيقها. لقد شكل النفط ومنذ اكتشافه العنصر الحاسم في تطوير دول المنطقة, وبسبب القفزات التي حققتها اسعاره, فإن دول المجلس ستصل الى 150 مليار دولار هذا العام, وهو اعلى عائد منذ اكثر من عقد, الأمر الذي يفرض نمطاً جديداً يتجاوز عقلية الاقتصاد الريعي اذا أريد حالة ثبات وتراجع في العجز والمديونية باتجاه توحيد النشاط الاقتصادي. ولا يبدو ان الموضوع آنياً. فدول التعاون تمتلك 40% من احتياطي النفط العالمي, وهي المرشحة الأولى لأن تقوم بعبء تلبية الطلب العالمي على النفط خلال السنوات المقبلة, ما يعني ضرورة توفير استشارات لتطور البنيات التحتية النفطية وغير النفطية اذا أرادت الخروج من عنق زجاجة تذبذب الاسعار في السوق العالمي, وإذا ما سعت للابتعاد عن تأثيرات المضاربين النفطيين على اقتصادياتها. نقول ذلك على ارضية ان القمة ستكون اقتصادية بالدرجة الاولى. الا ان المسألة متداخلة مع الجوانب الاخرى, ومع المعطيات التي يشهدها الاقليم الخليجي وكذلك المحيط العربي العام. فالحالة العراقية ليست بعيدة عن اجواء القمة, ولا يجب ان تكون بعيدة, ذلك ان اكثر من عشر سنوات من اللاستقرار في هذا الاقليم يعني استنزاف موارد طائلة, وفرض شروط مجحفة على دول المنطقة من قبل الدول الكبرى, ما يفرض نمطاً جديداً من التعامل مع التطور الحاصل في الحالة العراقية التي لا يمكن ان تكون آمنة لدول التعاون الا اذا حلت بصورة نهائية. وهذه مربوطة بشكل أو بآخر, مع الموضوعة الفلسطينية التي يشتد وطيس حالتها داخل الاراضي المحتلة بانتفاضة مباركة, وخارجها بمفاوضات قد تؤدي الى توطين اللاجئين أو بعضهم بتمويل خليجي حسبما تسرب من أنباء عشية عيد ميلاد المسيح. * وبالعودة الى ذات السؤال المؤسسي: ماذا ستقدم قمة المنامة؟! ـ في ضوء الهدوء الشديد السابق للقمة, تبدو القضايا المصيرية مؤجلة الى المستقبل. ربما تبرز بعض الانجازات هنا أو هناك, ولكن الخط العام للقمة والتحضيرات السابقة لها تقود الى الحذر في التفاؤل. وهذا ليس انتقاصاً من القمة, بل واقعية اتسمت بها القمم السابقة. والفرق بين هذه وتلك هو ان السمة الاحتفالية كانت تسبق القمم العشرين المنجزة, بينما هذه القمة قد تكون أكثر واقعية وتعبيراً عن انجازاتها. * كاتب بحريني