الملف السياسي : اكد عبدالله بشارة الامين العام الاسبق لمجلس التعاون الخليجي ورئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت ان المجلس نجح في الحفاظ على امن واستقرار الدول الاعضاء، وتجاوز ازمات خطيرة تعرضت لها المنطقة وكذا في وضع الخريطة الخليجية السياسية والاقتصادية على طاولة الاهتمامات العالمية. واوضح بشارة في حديث لـ (الملف السياسي) ان مجلس التعاون اضحى كيانا حيويا ومؤثرا في السياسة العربية والاقليمية مؤكدا الحاجة الملحة لقرارات سريعة في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية بكل جوانبها. وشدد الامين العام الاسبق لمجلس التعاون على ان منظومة العلاقات مع دول الجوار هي اكبر تحد يواجه دول المجلس, داعيا الى تشكيل منظومة امنية حضارية مستنيرة بين اعضاء المثلث الذي يضم دول الجوار الاقليمي ودول مجلس التعاون. وقال بشارة ان مجلس التعاون يدعم الخيارات العربية حول مسيرة السلام وكذا دعم استراتيجية العمل العربي المشترك ويمثل المجلس ايضا الوقود المحرك للقضايا العربية وفيما يلي نص الحوار: * كيف تقيمون تجربة مجلس التعاون الخليجي؟ ـ من حق المواطن ان يتساءل عن انجازات المجلس خاصة ونحن على ابواب القمة الحادية والعشرين التي ستنعقد في البحرين غدا السبت الموافق الثلاثين من ديسمبر ,2000 يعني آخر ايام السنة, ومن حقه ان يتساءل ايضا عن المراحل التي مر بها المجلس منذ انشائه في 25 مايو 1981. ولد المجلس وسط جو من التفاؤل الرسمي والشعبي وكانت مسببات التفاؤل لها شرعيتها لانها خطوة تاريخية وتحدث لاول مرة في تاريخ المنطقة, ولان القيادة الخليجية جدية وعملية لا تندفع بالشعارات, وانما تبحث عن الممكن, ومجلس التعاون هو فن فنون الممكن, ولأن العصر يفرض العمل الجماعي بين دول صغيرة متشابهة في كل شىء مصيرها واحد, وامنها مترابط, ومستقبلها متمازج. بدأ مجلس التعاون قويا في حرارة القيادة وفي حماس الجماهير, مدعوما من كل الاتجاهات كنا جميعا من المتفائلين. نجح المجلس في الحفاظ على امن واستقرار الدول الاعضاء وتعامل مع الحرب العراقية ـ الايرانية بفعالية مؤثرة, وخرج من جروح الحرب, من كارثة غزو الكويت بنجاحه في صون الاستقلال والسيادة للدول الاعضاء. وعلى الخط المتوازي سار ايضا مندفعا في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي وقعت في نوفمبر ,1981 في قمة الرياض, وتكاثرت الاجتماعات وفجر المجلس ديناميكية نحو الاندفاع في تحقيق اهدافه. كما نجح المجلس في وضع الخريطة الخليجية السياسية والاقتصادية على طاولة الاهتمامات العالمية, فأدركت اوروبا والولايات المتحدة واليابان وغيرهم بأن الكيان الخليجي الذي برز في 1981 هو كيان حيوي ومؤثر في السياسة العربية الاقليمية, وتولدت شخصية خليجية في السياسة الاقليمية والدولية لها طموحات وهموم ومعاناة مختلفة عن هموم المناطق الاخرى وان هذه الشخصية الخليجية عازمة على ان تتصرف وفق قناعاتها ومصالحها, وترسخ مفاهيم مشتركة مع الشركاء في السياسة والتجارة مبنية على المصالح المتبادلة. كما اود ان اضيف ان المجلس فجر طاقة خليجية فعالة في السياسة العربية وصار شريكا جوهريا في القرار العربي في جوانبه السياسية والاستراتيجية والاقتصادية, ليس بسبب النفط وانما بسبب عقلانية السلوك واستنارة اجواء التعامل مع المشاكل ونزعة الاعتدال. هذا سرد لجوانب النجاح واجد اخفاقات كثيرة لمجلس التعاون وانما استطيع ان اضع يدي على الاخفاقات واكثر ما اخشى في مسيرة التعاون هو الفتور الرسمي والشعبي الذي اعترى المجلس, كان المجلس بقاعدته الجماهيرية جذوة حماس وديناميكية ولا ارتاح لما اراه الآن من انعدام الحماس. قد تسألني عن المسببات بلا شك يعود الى الفتور الى البطء في الانجاز خاصة في انشاء الاتحاد الجمركي الخليجي, وتحقيق المواطنة الاقتصادية وتسهيل التنقل وتصلب البيروقراطية, وتأخر تنفيذ القرارات الصادرة من القمة. يضاف الى ذلك التباين الاعلامي والدبلوماسي فيما يتعلق بقضايا كثيرة جوهرية, حول فنون التعامل مع العراق والانفتاح على النظام العراقي, واتساع التواصل معه, رغم سجله ضد دول الخليج وكذلك ايضا التباين في اسلوب معالجة القضايا العربية بشكل عام, وقضايا ايران, واكثر من ذلك التأخر في ترسيخ وحدة المفاهيم الامنية. من العناصر الملحة في هذا الوقت لمعالجتها هو استئناف التجاوب الجماهيري مع مسيرة المجلس, ولن يتم ذلك الا عن طريق انجاز كبير تحققه قمة البحرين لا سيما على الصعيد الاقتصادي وبما ينسجم مع متطلبات العولمة, وذلك بإزالة جميع القيود امام المواطن الخليجي ليعمل ويستثمر ويتملك ويستورد ويصدر دون ارباكات البيروقراطية الخليجية المزعجة. * ما هي توقعاتكم للمستقبل؟ ــ اعتقد ان قيادة مجلس التعاون واعية لما يجب اقراره من اجل استعادة الوهج والمصداقية, والقيادة الخليجية واعية ايضا لمستلزمات العولمة, وشروط منظمة التجارة العالمية, التي تفرض على دول الخليج فتح الابواب واعادة النظر في الهيكلية الاقتصادية والقانونية وغير ذلك ان دول الخليج عليها ان تعمل كوحدة اقليمية في كل جوانب التجارة والاقتصاد والخدمات والاستثمار لكي تستطيع ان تنسجم مع شروط العولمة وقد شعرت خلال لقاءاتنا مع القيادات الخليجية, بأن هناك ادراكا بضرورة الاسراع في تبني القرارات الصعبة. ويسعدني ما سمعته من سمو الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد في المملكة من تصميم على الدفع بالمسيرة الى الامام ليخرج المجلس من مرحلة البرود. * ما هي ابرز التحديات التي تواجه المجلس؟ ــ يجب ان يتفاهم المجلس على وحدة المنظور الامني, فمن غير المعقول ان يسترخي المجلس في الجانب الامني معولا على العامل الامريكي ــ البريطاني, فالمنطقة ما زالت في وضع دقيق امنيا, وستظل كذلك طالما استمر النظام الايراني في مواصلة دبلوماسية الزوارق الحربية, ومعتمدا على عمقه الجغرافي والاستراتيجي وطموحاته السياسية, وطالما استمر النظام العراقي في ايديولوجية التمرد والتفوق والنزعة نحو تشييد مجد اسطوري يدخل النظام في تشابه مع نظام نابليون, وبسماراك, وستالين ونبوخذ نصر... لابد من اعداد منظومة امنية واحدة. وفي الجوانب السياسية لابد من التقارب في المفاهيم تجاه القضايا الاقليمية الساخنة, هناك اتفاق على القضايا الدولية ولكن يبرز الاختلاف حول قراءة الدول الاعضاء لطبيعة الوضع في منطقة الخليج. اشعر بأن هناك حاجة ملحة الى قرارات سريعة في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية بكل جوانبها ليس من الحكمة ترك الموضوع لاجتهادات البيروقراطية التي لا تريد تحريك المياه الراكدة, وتتصرف بضجر من حقوق العمل الجماعي. * كيف تنظرون الى منظومة العلاقات مع دول الجوار؟ ــ لن يهدأ الخليج ما لم تكن العلاقات بين مثلث الامن مستقرة وهادئة.. يعني ان العلاقات بين دول المجلس وايران والعراق, تصبح اعتيادية خالية من التوتر ومبنية على اسس ثابتة من التفاهم وحسن الجوار, والمصالح المشتركة وعلى الاحترام المتبادل. مع الاسف لا يوجد احترام متبادل بين اعضاء المثلث ولا يوجد اطمئنان للنوايا ولا يوجد ارتياح لأسلوب الفرض المطروح على دول المجلس. الجمهورية الاسلامية الايرانية ما زالت في حالة من السيولة, وعدم الاستقرار والصراع الداخلي بين المدارس المختلفة لا يحقق لطهران دبلوماسية ناجحة, ولهذا فإن ايران تظل مصدر قلق واضطراب وقادرة على ادخال المنطقة في توتر دائم. ولا يقل عن ذلك الوضع في العراق, وهو وضع متأزم بسبب ايديولوجية الحكم ومفاهيمه واساليبه ومع الاسف فإن السنوات الطويلة التي مرت على الثورة الايرانية وعلى وقف اطلاق النار في العراق لم تكن كافية للنظامين لاعادة النظر في الايديولوجيات والاهداف التي تريدها كل من طهران وبغداد. اعتقد ان منظومة العلاقات مع دول الجوار هو اكبر تحدى يواجه دول مجلس التعاون, في قمة ابوظبي عام 1986 اتخذت القيادة الخليجية, قرارات بتشكيل الاسس التي يجب ان تبنى عليها العلاقات مع ايران, وهي عشرة مبادىء لم تستطع ايران والثورة التأقلم معها, لأنها مبادىء مستمدة من قواعد السلوك الدولي في عدم التدخل ومعالجة مشكلة الجزر بالتحكم الدولي, او المفاوضات واثبات حسن النوايا, والتخلي عن دعم التطرف. كما ان القيادة الخليجية اعتبرت التزام العراق بقرارات مجلس الامن ذات الصلة بعدوانه على دولة الكويت, الحد الادنى من الشروط التي يجب ان ينفذها العراق من اجل التعامل معه, وكما نرى لا ايران قادرة على التكييف, ولا العراق قادر على تنفيذ القرارات, ولهذا فالوضع متوتر, ويعالج بأسلوب الكلاسيكي بالردع بأدوات القوة. المطلوب تشكيل منظومة امنية حضارية مستنيرة بين اعضاء المثلث, ولم يتم ذلك الا بعد ان تدخل كل من طهران وبغداد في مفاهيم العصرنة والاستنارة, وهذا لن يتحقق في المستقبل المنظور. * في اعتقادك ما هي ابرز محطات المجلس منذ ولادته؟ ــ اتعس محطات هي الحرب العراقية ــ الايرانية, واصعبها العدوان العراقي على دولة الكويت, ويمكن لك ان تقدر الجهد والمال والتضحيات والتعب, الذي سخر لتحرير الكويت, ولأبعاد الحرب العراقية ــ الايرانية على دول الخليج. كان العراق يريد توريط الخليج في حربه مع ايران, وفق استراتيجية التدويل, ولكن القيادة الخليجية الواعية ادركت تلك الاساليب, فسخرت ما تملك من اجل وقف الحرب بينهما وقد نجحت في بناء جسور مع الدول العالمية المؤثرة, لكي تحافظ على نظام الامن الاقليمي, اي لا يخسر العراق ولا تربح ايران, ولا يختل توازن القوة لصالح اي طرف. نجح المجلس في ايداع الوصفة الملائمة لعملية الحرب العراقية ــ الايرانية. وبالنسبة الى غزو العراق لدولة الكويت, وهي من الامور التي لا اصدقها حتى الآن, فقد طبق المجلس شعار (تحرير الكويت, سلميا ان كان ممكنا بالقوة ان كان ضرويا). ويعني ذلك تأجيل كل شيء من اجل تحرير الكويت, واعطاء الاولوية له في كل شىء, وقدمت دول المجلس ارضها وبحرها, وأجواءها لعملية التحرير. وقد نجحت دول المجلس لأن الغزو مأساة دولية, ولأنها دول لها اعتبار خاص في العلاقات الدولية, ولأنها ايضا دول تمتلك الارادة وتحمل المبادىء. وترى في الحالتين لم تظهر ايران مرونة عاقلة, واستخف العراق بالائتلاف الدولي, ودخلت قيادته في عالم الغيبيات والشعوذة. * في ضوء المستجدات والتطويرات ماذا عن الحالة بين العراق والكويت؟ ــ ظل مجلس التعاون ملتزما بالثوابت التي وضعتها القمة تجاه العراق. وجوهرها الالتزام بتنفيذ كل بنود قرارات مجلس الامن, مع اضافة اعتراف العراق بأن عدوانه على دولة الكويت هو انتهاك لميثاق الجامعة العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك, وخرقا للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. في القمة الاسلامية في الدوحة سعت الرئاسة في قطر مدعومة من بعض الدول العربية (تونس, مصر, الاردن) بالاضافة الى سلطنة عمان من دول المجلس لتقديم صيغة جديدة تخرج من التعبيرات المعتادة, وتنسجم مع الواقعية وتعطي العراق شيئا من التشجيع.وهكذا خرجت صيغة قمة الدوحة فيها تبدلات كبيرة اهمها العنوان الذي تحول من اثار العدوان على الكويت الى الحالة بين الكويت والعراق. في ضوء هذا الوضع تسعى دول مجلس التعاون الى تحديث المصطلحات التي اعتادت عليها دون تبدل في الجوهر, وهكذا سنرى في قمة البحرين مؤشرات على الالتزام بالجوهر مع تنويع التعبيرات, المهم لنا في الخليج هو رفع المعاناة عن شعب العراق وبسرعة ولكن في اطار الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن, والمهم ايضا ان تقدم النصيحة الى العراق بأن الوضع الحالي المتحدي للمجلس الآن لن يعود بالفائدة على شعب العراق, والمهم ايضا ان يعترف العراق بأن الغزو على الكويت جريمة, وانتهاك صارخ للمواثيق العربية والدولية. مجلس التعاون يدعم الخيارات العربية حول مسيرة السلام, ومجلس التعاون فعال جدا في القرارات العربية ولذلك نرى كيف اثمرت المقترحات السعودية في قمة القاهرة الاخيرة حتى تحولت القمة من ادانات الى تطورات عملية تنفيذية بناءة. نحن في الخليج الرديف لدول الطوق والظهر الواقي لهم والمخزون الثري والمؤثر الذي يرعى الدبلوماسية ويعطيها البريق. * هل حقق المجلس طموحات شعوب دول المنطقة؟ وكيف ينظر المواطنون الى التجربة؟ ــ لم يحقق مجلس التعاون الطموحات وتعثرت مسيرته بسبب الخلافات الحدودية, ودخل الفتور عظامه, وانحسر الحماس عنه, لأن خطوات السلحفاة اطفأت الحرارة, كنا نريد الكونفيدرالية الخليجية قبل نهاية القرن الماضي والآن دخلنا العصر الجديد وما زلنا بعيدين عن حقوق الكونفيدرالية وهي وحدة المسلك الدبلوماسي اتحاد جمركي وتجاري وصيغة امنية واحدة, واحة خليجية موحدة.. ثقافة وانسياب مواطنين وافكار وصناعة بلا قيود. المهم خير لنا ان نشعل شمعة ولا نلعن الظلام.. علينا ان نطلق انتفاضة خليجية فكرية معبرة عن رأي عام خليجي يدفع بالمؤسسات السياسية الى الاسراع في خطوات مجلس التعاون, والدفع به ليخرج من حالة السرحان التي يعيش فيها. * ما هو موقع المجلس في مواجهة التكتلات العالمية؟ ــ مجلس التعاون يعيش في موانىء التكتلات العالمية لأنه لا يستهلك ما يملك, وما يصنع, يصدر النفط الذي يذهب الى التكتلات العالمية, ويصدر مشتقات النفط المستهلك من قبل هذه التكتلات, ويستورد كل شيء يستهلكه, حالة غريبة في المجلس نصدر ما لا نستهلك ونستورد كل ما نستهلك. وصارت بفضل هذه العوامل علاقاتنا بالتكتلات الدولية, حقوقا استراتيجية, وسياسية واقتصادية. يقوم مجلس التعاون الآن بالتواصل مع هذه التكتلات من اجل عقد اتفاقيات تجارية سياسية بين الطرفين, الجانب الاوروبي بطيء جدا ويتخوف من الابعاد السياسية والتجارية والجانب الامريكي يريد ان يتعرف على انسجام مجلس التعاون مع شروط العولمة, والجانب الياباني هادىء وبارد وغير مستعجل لأن اسعار الطاقة مناسبة له. معظم هموم مجلس التعاون استراتيجية ــ امنية ومن ضمن الاهداف بناء قواعد واسعة من التفاهم مع العالم عبر تعاقد موثق مع التكتلات. اؤكد مرة اخرى, علينا الدفع بالمسيرة والحفاظ عليها, ونولع شمعة خير لنا من التذمر من برود المسيرة.