ورث جورج ولكر بوش عن أبيه, بالاضافة إلى اسمه وعلاقاته في ميدان الأعمال ومستشاريه السياسيين, شعاره الرئيسي القائل بـ (النزعة المحافظة ذات الوجه الإنساني). وكان هذا الشعار قد ظهر للمرة الأولى في شهر يونيو من عام 1986 في المجلة الدينية التي تحمل عنوان (كريستيان هيرالد) وبمقال كتبه (دوج ويد) في وصفه لنائب الرئيس الأمريكي آنذاك, أي جورج بوش الأب, والذي كان قد بدأ يحلم جديا بحملته الانتخابية الرئاسية لعام 1988 كي يخلف الرئيس رونالد ريجان, وكان ينبغي عليه أن يجد وسيلة لزيادة شعبيته لدى اليمين المسيحي. ومن هنا جاء نشر هذا المقال, الذي أراد كاتبه أن يبين أن المرشح الجمهوري المقبل مهتم ومتمسك بالقيم الغالية على قلوب الناخبين المتدينين, وبالتالي فهو ليس مجرد موظف (بارد) ومادي, كما كان قد عيب عليه مرارا. ومنذ البداية, إذن, كان شعار (النزعة المحافظة ذات الوجه الإنسان) صيحة في خدمة التسويق الانتخابي. بعد عشر سنوات تبنى جورج ولكر بوش هذا الشعار بهدف ان يتمايز عن مجمل (أصحاب الأوزان الثقيلة) في الحزب الجمهوري. وكان أغلب هؤلاء قد اتخذوا موقفا إلى جانب رئيس مجلس النواب نيوث جينجريتش و(ثورته المحافظة) الليبرالية المتطرفة والمفتقرة للتسامح والتي انتهت إلى فشلين ذريعين, هما رفض التصويت على الميزانية مما أدى إلى شلل الحكومة الفيدرالية عام 1995 ومحاولة عزل بيل كلينتون عام 1998. ان هاتين العمليتين كانتا لا تحظيان بتأييد شعبي صريح مما أدى إلى انخفاض مصداقية الجمهوريين, وذكر بأسوأ حالات التجاوز التي عرفها محور ريجان ـ بوش ــ تاتشر خلال سنوات الثمانينيات وبما فعله اليمين الديني بقيادة (بات بوكمانان) الذي أعلن حربا ثقافية في أمريكا عام 1992. سيرة حياة شعار في مواجهة هذا كله, تبنى جورج ولكر بوش, بناء على نصيحة مستشاره الرئيسي (كارل روف) موقفا علنيا أكثر اعتدالا وتمركزا حول مفهوم (النزعة المحافظة ذات الوجه الإنساني). هذه النزعة التي عرفها أثناء خطاب له في شهر مارس من عام 1999 بالقول: (أنا مقتنع بأن فلسفة محافظة هي فلسفة ذات وجه إنساني تحرر الأفراد كي تتيح لهم الوصول إلى امكانية اعطاء أفضل ما لديهم. وتخفيض الضرائب هو سلوك محافظ, وانه لعمل إنساني توفير قدر أكبر من المال للناس كي ينفقونه. ان الالحاح على التسيير المحلي للمدارس وتأمين مستوى ونتائج أفضل هو سلوك محافظ, أما ضمان حق القراءة لكل طفل من دون نسيان أحد إنما هو تعبير عن الرأفة الإنسانية. ان اصلاح الدولة المانحة مع ضرورة ايجاد العمل سلوك محافظ, وتخليص الناس من تبعيتهم حيال الحكومة تعبير عن الرأفة الانسانية. واصلاح قانون العقوبات بالنسبة للجانحين الشباب سلوك محافظ, أما الاعتراف بأن الانضباط والحب يسيران معا فهو تعبير عن الرأفة الانسانية). ان مثل هذه المبادئ لا نجد أصولها لدى (بوش) أو (روف) أو (وير) وإنما لدى مفكرين محافظين هما (ما يرون مانييت) و(مارفن أولاسكي). الأول هو مؤلف كتاب شهير لدى الدوائر الجمهورية هو (الحلم والكابوس) الذي يندد بارث سنوات الستينيات و(تبعية) الفقراء حيال نظام الرعاية الاجتماعية التي توفرها الدولة. أما الثاني فهو استاذ الاعلام والصحافة في جامعة تكساس وكان قد عاش حياة فيها الكثير من الفوضى وهو ابن أسرة يهودية تحول نحو العلمانية وانتسب للحزب الشيوعي الأمريكي ثم تخلى عن هذا كله كي يعتنق المبادئ الكالفينية ــ أي مذهب كالفن اللاهوتي الفرنسي البروتستانتي ــ وبدأ بتأملاته من النقطة التي كان (ماينيت) قد توقف عندها. ويرى أولاسكي بأن (جميع البرامج الحكومية للمساعدة الاجتماعية هي ذات طبيعة غير انتاجية بالضرورة, ذلك ان الاحسان الموجه مباشرة نحو الأفراد والذي يتطلب من أولئك القادرين على العمل هو وحده الذي يمكن أن يلاقي النجاح). كما دعا إلى عدم التخلي عن الفقراء, كما تقول بعض (نزعات الداروينية الاجتماعية) السائدة في صفوف المحافظين, وإنما تحويل الموارد الاجتماعية للدولة إلى المنظمات الدينية التي تمارس نفس عمل الدولة على مستوى محلي بالاضافة إلى الدعم (الروحي) الذي تقدمه. كان جورج ولكر بوش يأمل في أن تكون البرامج (الاجتماعية) القائمة على أساس الايمان أقل كلفة من تلك التي تبناها النظام الفيدرالي وان تعطي مع ذلك النتائج نفسها, بل وأفضل. ولم يكن (مارتن أولاسكي) هو نفسه غائبا عن النجاح الذي حققته أفكاره. وقد كتب في مجلة (أمريكان بروسبكت) ما يلي: (ان الكثير من الجمهوريين التقليديين, القريبين من أوساط رجال الأعمال, يعتقدون ان الأمر لا يتعلق سوى بنفايات من العبث الفكري, ولكنهم يرون انها مفيدة سياسيا), أي (مفيدة) من أجل تبرير عمليات استقطاع من الميزانية بالطبع. التغيير الداخلي ان القليل من المشروعات من هذا النمط رأت النور حتى الآن ومارست ما هو أبعد من النشاطات المعتادة والتقليدية للجمعيات الدينية مثل تقديم الحساء الشعبي, وتوزيع الملابس أو المساعدة على ايجاد سكن. هذا مع استثناء واحد يخص المشروع الذي تم اطلاقه في تكساس وشجعه جورج ولكر بوش على أساس انه نموذج لما يريد نشره وتطويره. والمقصود هو مشروع (انترنال تشينج) أي ما يمكن ترجمته بـ (التغيير الداخلي) وهو برنامج لاعادة الاعتبار للمساجين أطلقه (شارل كولسون) الذي كان قد أمضى سبعة أشهر وراء القضبان خلال سنوات السبعينيات بعد ادانته لأمر تعلق بفضيحة (ووتر جيت). وفي الوقت الذي رفضت جميع الولايات الأمريكية مشروع (التغيير الداخلي) قبله (جورج ولكر بوش) ضمن اطار سجن يستقبل صغار الجانحين. وهكذا فإن مئة وخمسين سجينا يمضون أيامهم وكأنهم يتابعون دروسا في مدرسة دينية حيث يصلون ويدرسون النصوص المقدسة ويتبادلون نقاشات لاهوتية.. وبحيث كان ممنوعا عليهم مشاهدة التلفزيون, إلا اذا كان يعرض برامج دينية, وكان البرنامج يقبل سجناء من جميع الطوائف لكنه لم يكن يدرس سوى المسيحية وفي صيغتها (الأصولية) حسب تعبير القائمين على البرنامج أنفسهم. ربما ان عمر هذا البرنامج لا يتعدى العامين فإنه من الصعب تقديم محصلة على ضوء الأهداف المعلنة, أي على ضوء اعادة الاعتبار للفرد واعادة اندماجه في المجتمع. وقد دل استقصاء قامت به صحيفة (واشنطن بوست) على انه من أصل 95 شخصا خرجوا من السجن عاد 16 منهم إليه, لكن الخبراء يشيرون إلى انه لا يمكن قياس نسبة (النكوص) إلا بعد ثلاث سنوات من مغادرة السجن, وبالتالي فليست هناك أية دلالة واضحة الآن, لا سيما وان حراس السجن يرون بأن المساهمين في البرنامج هم على الدرجة نفسها من عدم الانضباط التي يعرفها السجناء الآخرون وبات الأغلبية يقبلون متابعة التعليم المقترح بدافع ردة وراثية صرفة, ومن أجل تمضية الوقت. ان الخطر الرئيسي لـ (البرامج القائمة على أساس الإيمان) يتمثل في تدخل المجموعات الدينية اكثر فأكثر في الحياة العامة وفي تسيير امورها وتشوش مفهوم فصل الكنيسة عن الدولة, لا سيما وان مثل هذا الفصل لم يكن واضحاً جداً في الولايات المتحدة الامريكية. تجدر الاشارة هنا الى ان الرئيس الامريكي يقسم يمين الولاء على الانجيل اثناء استلامه لمهامه الرسمية؟ والى ان الاوراق المصرفية الامريكية كلها تحمل كلها عبارة: (اننا نؤمن بالله) وكان جورج ولكر بوش قد وعد بأنه عندما يصبح رئيساً فسوف ينشئ في حكومته (مكتباً للأعمال القائمة على أساس الايمان) تكون مهمته تمويل (البرامج) المختارة. وهناك مشكلة ذات طابع عملي أكثر يثيرها هذا الخيار وتتمثل في واقع ان تشغيل هذه البرامج يتطلب توفر متطوعين في الوقت الذي تشير جميع الدراسات الى ان العمل التطوعي يتضاءل في الولايات المتحدة الامريكية وقد دل تحقيق قامت به (النيويورك تايمز ماجازين) على ان (الامريكيين قدموا ما يقل عن 400 مليون ساعة عمل تطوعي عام 1998 مما قدموه عام 1995. واشارت دراسة لمؤتمر رؤساء البلديات الى ان الطلب على السكن وعلى التغذية قد ازداد كثيراً منذ مطلع عقد التسعينيات والنتيجة هي ان مدراء المنظمات غير الحكومية الاكثر شهرة يوناتد واي, وجيش الخلاص وجمعيات الاحسان الكاثوليكية اعلنوا بأنهم لم يعودوا قادرين على تلبية الطلب المتزايد على خدماتهم). السياسة عبر الحساء في شهر فبراير الماضي توجه وفد كبير من رجال الدين المرموقين الى واشنطن لمطالبة الحكومة بزيادة اجراءاتها الخاصة بمكافحة الفقر وقد صرح الزعيم الديني (جيم واليس) بهذه المناسبة: (منذ ان تم التصويت على اصلاح التأمين الاجتماعي تنامت المشكلات المطروحة علينا, ولكننا لا نستطيع ان نفعل كل شيء) ففي تكساس مثلاً وجدت جمعية (ميلس اون ويلس) الاكثر شهرة في حقل تقديم الحساء الشعبي انها مضطرة لتوظيف 30% من (متطوعيها) ولدفع مرتبات لهم وليس هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن انشاء (مكتب للأعمال القائمة على اساس الايمان) يمكن ان يحل هذه المشكلة, ويسمح بتقليص النفقات الاجتماعية؟ هذا الا اذا تصورنا بأن الاشخاص العاملين في المنظمات الخيرية سيكونون اكثر اندفاعاً للعمل واقل مرتباً من العاملين الاجتماعيين في اطار الحكومة. وبكل الاحوال كانت قد تمت في البداية العودة الى شعاره النزعة المحافظة ذات الوجه الانساني, من اجل تجديد صورة (بوش) الجمهوري والذي استخدمها بدوره في سبيل الوصول الى شرائح لم يكن حزبه قد حاول ابداً كسبها من قبل, مثل الامريكيين ذوي الاصول (الاسبانية) الذين كانوا قد قدموا منذ فترة غير بعيدة من امريكا الوسطى والجنوبية وهؤلاء يشكلون مجموعة الناخبين الوحيدة الذين تزداد نسبة اصواتهم, حيث انهم يمثلون في عام 5.4% من مجمل الجسد الانتخابي مقابل اقل من 4% قبل اربع سنوات فقط وهم يقترعون غالباً لصالح المرشحين الديمقراطيين على اعتبار انهم اكثر قرباً من همومهم الاجتماعية لا سيما وان الخطاب الجمهوري في سنوات مطلع التسعينيات كان يميل الى القول بمنع استفادة المهاجرين السريين ــ غير الشرعيين ــ واولادهم من الخدمات الاجتماعية ومن المدارس. لكن (جورج ولكر بوش) حرص على (التمايز) عن المعسكر الجمهوري وخاصة عن (الصقور) فيه مؤكداً على انه قد ترعرع الى جانبهم ــ الامريكيين ذوي الاصول الاسبانية ــ هذا اذا لم يكن معهم في (ميدلاند). ويقول (ليونيل سوزا) احد مستشاريه ان (بوش قد ربط رسالته حول النزعة المحافظة ذات الوجه الانساني مع القيم التقليدية الاسبانية ــ اي الامريكية اللاتينية ــ الخاصة بالاسرة والايمان واخلاقية العمل). وكان جورج ولكر بوش قد حصل على نسبة 49% من اصوات الناخبين ذوي الاصول الاسبانية اثناء اعادة انتخابة لمنصب حاكم تكساس عام 1998 لكن (رأفة) بوش حيالهم لم تجلب لهم الطرق (الاسفلتية) وشبكات المياه والمراكز الطبية في اماكن تواجدهم على الحدود مع المكسيك ولم تؤد الى اي تحسن في مستوى معيشتهم ويبدو ان النزعة المحافظة ذات الوجه الانساني قد بلغت حدودها القصوى سريعاً.