طرحت وزارة التربية والتعليم مؤخرا مفاجأة سوف تثير الجدل والمناقشات حولها على المستوى القومى لأنها ترتبط مرة أخرى بتطوير نظام الثانوى العام وهو نفس الجدل الذى اثير عند تطبيق نظام تحسين المجموع فى الثانوية العامة بعد أن تم الغاؤه أيضا. المفاجأة التى تطرحها وزارة التربية والتعليم الآن تقضى بزيادة عدد المقبولين فى الثانوى العام الى مايمثل 50% من عدد الناجحين فى الشهادة الاعدادية بدلا من نسبة 35% التى يتم قبولها الآن, وهذا يعنى بالطبع زيادة عدد المقبولين فى الجامعات مع انها تضج الآن بما يتم قبوله من الطلاب كل عام مماجعل الحد الأدنى بمعظم كلياتها يرتفع الى حد لا يقدر عليه الكثيرون من الطلاب. أما الجزء الثانى من المفاجأة فهو أن يتم تعديل نظام الثانوى العام بحيث تؤهل شهادة الثانوية العامة الحاصلين عليها دخول سوق العمل بها, بل ويتيح النظام الذى تقترحه وزارة التربية والتعليم أن يعود هذا الخريج الى التعليم مرة أخرى ليستكمل دراسته وقتما يشاء!! من أجل هذا قررت وزارة التربية والتعليم تنظيم لقاءات تحضيرية يشارك فيها جميع المهتمين بالعملية التعليمية وخبرائها لابداء الرأى فى هذا التوجه الذى سوف تطرحه الحكومة أيضا على المؤتمر القومى لتطوير التعليم الثانوى الذى سيتم عقده مع بداية العام المقبل 2001 برئاسة السيدة سوزان مبارك للوصول الى نظام جديد للتعليم الثانوى فى مصر. من أجل هذا طرح د.حسين كامل بهاء الدين هذه الأفكار على المشاركين فى هذه اللقاءات للوصول الى شبه اقتناع بما سوف يتم عرضه على المؤتمر القومى لتطوير التعليم الثانوى للوصول الى تصور نهائى للتطوير واعداد مشروع قانون يتم عرضه على مجلس الشعب لتعديل نظام التعليم الثانوى فى مصر. فماذا قال الخبراء والمهتمون بالتعليم, وماذا قال أيضا ممثلو الأحزاب المصرية التى شاركت فى هذا اللقاء؟ وماهى أوجه التطوير المطلوبة فى نظام التعليم الثانوى؟ وماهى المواد الجديدة التى يمكن أن يتم اضافتها فى المرحلة الثانوية حتى يحقق المطلوب من عملية التطوير؟ منهج مركزى فى البداية يقول د.وليام عبيد الاستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس: لقد حضرت أكثر من مؤتمر عالمى ووجدت أن هناك منهجا مركزىا محورىا يضع 80% من المواد لتلتزم بها كل الدولة ومدارسها وأن نترك 20% للمناطق على حسب طبيعتها. وطالب د.وليام بضرورة أن نبدأ فى تجربة الأفكار الجديدة التى تطالب بها وزارة التربية والتعليم الآن لتطوير نظام التعليم الثانوى قبل أن نعممها حتى يتم تقييمها وأن نصلح من أى خطأ فيها قبل التعميم. وطالب د.عبيد أيضا بضرورة أن نغير من نظام التقويم فى الامتحانات لأن معظم ما يجرى فى المدارس هو لزوم الامتحانات الآن.. أما بالنسبة لقضية المناهج المحورية فيمكن اضافة مواد مثل القانون العام أو ادارة الاعمال حتى يساعد من يريد أن يدخل سوق العمل. المهم التدريب أما د.حسنين ربيع النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة فقد تناول نوعية مخرجات التعليم الثانوى وهى التى لابد أن تكون مهيأة للمواطن نتيجة التغيرات السريعة والتكنولوجيا السريعة ولابد أن تكون مخرجات التعليم الثانوى مهيأة لأنماط جديدة من التعليم العالى مثل التعليم المفتوح, والتعليم عن بعد وذلك منذ بداية التعليم الثانوى. ولابد أن يكون الطالب قد حصل أيضا فى التعليم على جزء من التدريب ليساعده فى العمل اذا ماقرر الاكتفاء ولو مؤقتا بالتعليم فى هذه المرحلة ودخول سوق العمل مع بعض التدريب التحويلى خاصة فى المجال الفنى . ولابد أيضا أن نعيد النظر فى كثير من المناهج والمقررات التى تدرب الطالب على الابتكار والابداع وسوف يؤدى هذا للتميز والجودة وتحقيق الهدف من التطوير. كما يجب الاهتمام بالتاريخ والآثار وعلوم العصر حتى نحصن الطالب, ولابد من العمل على تدريب الطالب فى مرحلة التعليم الثانوى على اختراع التكنولوجيا وليس استخدامها فقط كما لابد وأن تكون فى مرحلة التعليم الثانوى قدر من العلوم المستقبلية وليس العلوم التقليدية فقط حتى يعرف الطالب شيئا عن علوم الليزر والهندسة الوراثية وعلوم الفضاء.. الخ. وطالب د.حسنين ربيع بضرورة أن تكون المقررات التى سيؤدى اقرارها فى مرحلة التعليم الثانوى متصفة بالمرونة التى تساعد الطالب على الانتقال من تخصص الى آخر.. وأن يكون هناك تقويم بإستمرار سواء من جانب المدرسة أو من جانب المدرس أو الطالب نفسه كما يجب أن نعمل على تأهيل المدرس لمواجهة التطوير الجديد لنظام الدراسة فى المرحلة الثانوية لأنه هو عصب العملية التعليمية وأن يكون مستوعبا ومدركا مغزى التطوير الذى سيتم هذا بالإضافة الى ضرورة تطوير طرق التدريس للتعليم الذاتى وليس التلقين وأن يتم تطوير المادة العلمية التى تدرس للطلاب بمايتمشى مع تطورات العصر. نحتاج للثلث فقط أما رجل الأعمال المهندس أحمد عز فيطالب بنقل المناهج الحديثة التى يتم تدريسها فى الخارج الآن حتى نكون مهيئين لعمل مناهج جديدة وأن نأخذ بالمواصفات الأوروبية مثلا فى مرحلة التعليم الثانوى ومايدرسونه هناك بدلا من أن نبدأ نحن باختراع العجلة كما يقولون وطبعا مع مراعاة ثقافتنا المصرية ويضيف أن ماليزيا قد نهجت هذا النهج, ولهذا يجب الا ننظر الى ذلك على انه يتعارض مع السيادة الوطنية. ويشير المهندس أحمد عز إلى اننا كرجال صناعة ومستخدمين لخريجى المدارس الفنية الصناعية نقول أن التوسع فى كم هذه المدارس أو زيادة عدد المقبولين بها كان على حساب جودة الخريج كما أن مايدرسه طلاب هذا النوع من التعليم يختلف عن مايدرسه الطالب فى برنامج مشروع مبارك كول حيث يتدرب الطالب عمليا على أحدث وسائل الانتاج فى السوق, وتصاحب دراسته النظرية دراسة تطبيقية تتفق وماهو موجود فى سوق العمل ولهذا أقول أنه لابد من اعادة النظر فى هذا العدد الهائل الذى يدخل هذا النوع من التعليم الصناعى المتخصص لأن الصناعة حاليا لم تعد قادرة على استيعاب أكثر من ثلث هذه الاعداد. مقاومة التغيير أما د.سامى عبدالعزيز الاستاذ بكلية الاعلام جامعة القاهرة فيقول انه لابد للرأى العام أن يكون لديه فكرة عن هذا التغيير الذى سيحدث فى نظام التعليم الثانوى لأن هذا التغيير قد يواجه بمقاومة كبيرة خاصة أننا لم نهيئ القوة الضاربة من المعلمين لهذا التغيير وهى التى ستقوم بتنفيذه بعد ذلك وهم يعتبرون وكلاء التغيير فإذا لم يكونوا مهيئين له ومقتنعين به ولديهم استيعاب كامل للهدف منه سوف يكونون هم أيضا أولى الفئات المقاومة لهذا التغيير كما أن المجتمع اذا لم يكن هو الآخر مهيأ لتقبل هذه الأفكار فى التغيير سوف يكون هناك صعوبة شديدة فى تطبيق هذا النظام الجديد وبالتالى ستكون عوامل الفشل فيه أسبق من عوامل النجاح. الجامعات مكتظة د.مجيد أمين الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للجامعات يرى أن جامعاتنا أصبحت مكتظة الآن باعداد ضخمة تفوق امكانية كل كلية, ولهذا فإننا لو قمنا بتحويل جزء من التعليم الفنى كما يقول الوزير الى التعليم الثانوى العام فإن هذا سوف يحدث مشكلة كبيرة عندنا فى مصر اذا لم يتوازى تطوير التعليم الجامعى مع التطوير فى التعليم العام, كما أن تطوير نظام التعليم الثانوى بالشكل الذى تطرحه الوزارة يحتاج لتعديل قوانين التعليم, وأن يتم عرض كل هذا على مجلس الشعب.. وطالب د.مجيد أمين بضرورة فتح المجال للتعليم الخاص حتى يساهم فى حل مشكلة التعليم الجامعى مع وضع ضوابط محددة فى مجال التوسع فى التعليم الجامعى الخاص وليس كما يحدث الآن من (سبهللة) وعدم وجود أى ضوابط.. وقال اننى أطالب بالتوسع فى التعليم الجامعى الخاص لأن الدولة لم تعد قادرة على التوسع فى التعليم الجامعى الحكومة وبالتالى لن تتوسع فيه أكثر من ذلك, ومن هنا لم يعد هناك خيار فى البحث عن التعليم العالى الخاص ليبدأ من الآن فى المساهمة فى حل المشكلة لأننا لو سرنا فى التوسع فى التعليم الثانوى العام أو لجأنا الى زيادة نسبة الملتحقين به عما هى عليها الآن دون النظر فى ضرورة توفير أماكن بالتعليم الجامعى والعالى لاستيعاب هذا التوسع الجديد كما تريده وزارة التربية والتعليم سوف تكون الكارثة بعينها. شيء مختلف أما د.حامد عمار شيخ التربويين العرب فيؤكد على أهمية التوسع فى التعليم الثانوى لمواجهة متطلبات العصر, وزيادة اعداد المقيدين بالثانوي حتى لا تتجاوز النسبة حاليا 35% والعمل على تزويد طلاب الثانوى العام ببعض القدرات والمهارات اللازمة. ووصف د.حامد عمار تخفيض مواد المستوى الرفيع لطلاب الثانوية العامة ليؤدى الطالب الامتحان فى مادة واحدة فقط بأنه (شئ متخلف) مؤكدا على ضرورة اتاحة الفرصة امام الطلاب لاداء امتحانات المستوى الرفيع فى أكثر من مادة. أما د.اسماعيل صبرى عبدالله رئيس منتدى العالم الثالث ونائب رئيس حزب التجمع فيؤكد أن البطالة لا ينبغى أن تكون سببا للحرمان من التعليم, كما أن التنبؤ بإحتياجات سوق العمل من الخريجين مشكلة كبيرة, ولتوفير الاحتياجات الحالية يلزم مرور فترة زمنية لاعداد الطالب ليتخرج, لكن تتغير خلالها احتياجات سوق العمل. وأشار د.اسماعيل صبرى الى أن التعليم المجانى حق لكل مواطن, وأن مجانية التعليم موجودة فى البلاد الغنية مثل فرنسا منذ عام ,1934 وأشار الى عدم وضع طلاب الثانوى فى أنماط محددة من التعليم بل اتاحة الفرصة امامهم للانتقال الى نوعية التعليم التى تتفق مع ميولهم خاصة أنهم فى سن المراهقة. لكن عندما تحدث ممثل حزب الأحرار طالب بالغاء مجانية التعليم فى مصر وقصر التعليم المجانى على المتفوقين فقط ووسط همسات الاستنكار بين الحاضرين انفعل فيليب اسكاروس ممثل الحزب الناصرى مشيرا الى أن المجانية صمام أمان المجتمع ويجب أن تشمل جميع مراحل التعليم, وهاجم د.فيليب توحش أصحاب المدارس الخاصة فى زيادة المصروفات التى تصل فى بعض المدارس الخاصة الى ستة آلاف جنيه. وتساءل: لماذا نعطى الفرصة للرأسمالية المتوحشة للاستثمار والاتجار فى مجال التعليم؟ ولفت رأفت سيف أمين لجنة التعليم بحزب التجمع الانتباه الى قضية جودة التعليم وضرورة الاهتمام برفع المستوى الدراسى للطالب خلال مراحل التعليم المختلفة والاعتماد على مصادر أخرى للتعليم بحيث لا يصبح الكتاب المدرسى هو المصدر الوحيد للتعليم. وتعجب د.محمد عبدالظاهر الطيب عميد تربية طنطا من وجود مدة صلاحية للشهادة الثانوية لمواصلة التعليم والالتحاق بالتعليم العالى, فلا تستخدم الشهادة الى خلال شهر أو شهرين للاعتراف بها لمواصلة التعليم, وهو أمر لا يحدث فى العالم فمن حق الطالب أن يخرج الى سوق العمل ثم يعود للاندماج فى التعليم من حيث انتهى, والمسألة تحتاج لطرح بدائل غير تقليدية لمواصلة التعليم الجامعى. ويرى د.محمد عبدالمنعم الأشعل نائب رئيس مجلس الآباء بعين شمس ضرورة تضييق الفجوة بين التعليم الثانوى العام والفنى بأن يتدرب طالب الثانوى العام على المهارات الفنية لفتح باب المشاركة أمامه فى سوق العمل, وفى الوقت نفسه يتاح لطالب التعليم الثانوى الفنى تلقى علوم على مستوى ثقافى ومعرفى حتى لا يجد نفسه منعزلا عما يدور حوله فى مختلف القضايا العلمية.